فضاءات فكرية

العالم الإسلامي وتحديات حرب الوجود والهوية

بقلم الشيخ د. حسان عبد الله – رئيس الهيئة الادارية لتجمع العلماء المسلمين في لبنان

السؤال الأول: كيف تقرؤون توظيف الدين في الصراعات السياسية، وما الموقف من استخدام الشعار والعنوان الديني في المواجهة؟.

لا بدّ بدايةً من التمييز بين الانطلاق من الدين بوصفه منظومةً للقيم والعدل والرحمة ورفض الظلم، وبين توظيفه لتبرير مشاريع الهيمنة والاحتلال والاستبداد. فالدين حين يدفع الإنسان إلى نصرة المظلوم والدفاع عن أرضه وكرامته، إنما يؤدي دوره الطبيعي في إصلاح الحياة وحماية الإنسان. أما حين يُستخدم لإضفاء القداسة على العدوان، أو لتسويغ قتل الأبرياء وتهجير الشعوب وسلب حقوقها، فإننا نكون أمام استغلالٍ للدين وتشويهٍ لرسالته.

ونحن في تجمع العلماء المسلمين ننطلق من الإسلام المحمدي الأصيل، الذي يجعل نصرة المستضعفين ومواجهة الظالمين مسؤوليةً شرعيةً وأخلاقيةً وإنسانية. ومن هنا، فإن موقفنا من الاحتلال الصهيوني لا يقوم على خصومةٍ مع أتباع دين، بل على رفض مشروعٍ استعماريٍّ احتلاليٍّ يستولي على الأرض ويعتدي على الإنسان والمقدسات. ولا يجوز الخلط بين اليهودية بوصفها ديناً، وبين الصهيونية بوصفها مشروعاً سياسياً احتلالياً، كما لا يجوز اختزال المسيحية في تياراتٍ توظّف بعض التأويلات الدينية لتبرير دعم هذا المشروع.

أما ضابط استخدام العنوان الديني، فهو مدى التزامه بالحق والعدل وصيانة الكرامة الإنسانية. فلا يجوز أن يتحوّل إلى وسيلةٍ للتكفير أو التحريض المذهبي أو الاعتداء على المدنيين، ولا إلى غطاءٍ يمنح الحاكم حصانةً من المحاسبة. وليس كل من رفع شعاراً دينياً أصبح ممثلاً للدين؛ فالعبرة بالمضمون والسلوك والنتائج. إن أخطر ما يصيب الأمة أن تُستنزف مقدساتها في معارك داخلية، فيما يستفيد المحتل من تمزيقها وإضعافها.

السؤال الثاني: ما الذي يمثّل تهديداً أو تحدياً في منظومة الهوية والقيم الإسلامية بالنسبة إلى قوى الهيمنة وأنظمة الاستبداد؟

إن ما يزعج قوى الهيمنة في الهوية الإسلامية هو ما تختزنه من قدرةٍ على تحرير الإنسان من الخضوع، ورفض الاستعباد، وربط الإيمان بالمسؤولية تجاه المجتمع وقضايا الأمة. فالمسلم الذي يفهم دينه فهماً صحيحاً لا يقبل أن تُحتل أرضه، أو تُنهب ثرواته، أو يُفرض عليه التنازل عن سيادته وكرامته باعتباره أمراً واقعاً.

هذه الهوية تُنتج وعياً بأن الشعوب ليست أدواتٍ في مشاريع الآخرين، وأن استقلال القرار حقٌّ لا منّة، وأن نصرة فلسطين قضية عدالةٍ تتصل بمصير المنطقة كلها. ومن هنا نفهم محاولات تفريغ الإسلام من مضمونه التحرري والاجتماعي، وحصره في طقوسٍ معزولةٍ عن شؤون الناس، أو تقديم صورٍ مشوّهةٍ عنه تربطه بالتعصّب والعنف.

وفي المقابل، فإن أنظمة الاستبداد تتضرّر من القيم الإسلامية التي تجعل السلطة أمانة، وتوجب العدل، وترفض الفساد، وتؤكّد مسؤولية الحاكم أمام الناس. ولذلك قد تسعى إلى تطويع الخطاب الديني كي يبرّر سياساتها ويمنع مساءلتها.

لكن علينا أيضاً أن نكون واضحين: ليست كل مشكلاتنا نتيجة مؤامرةٍ خارجية. فالجهل والفساد والتعصّب وسوء الإدارة والانقسام الداخلي ثغراتٌ نتحمّل مسؤولية معالجتها، وتستثمرها القوى المعادية للتدخل في مجتمعاتنا. وحماية الهوية لا تكون بمجرد الاعتزاز بالماضي، بل بالعلم والعمل والعدل وبناء المؤسسات، وتقديم نموذجٍ يجعل الإنسان يلمس أثر القيم الإسلامية في حياته وحقوقه وكرامته.

السؤال الثالث: لماذا تتعرّض هوية أتباع أهل البيت للاستهداف، وما صلة ذلك بقيم هذه المدرسة ومواقفها؟

إن مدرسة أهل البيت، عليهم السلام، تحمل في جوهرها التمسّك بالإسلام المحمدي الأصيل، ورفض الظلم، وعدم منح الانحراف شرعيةً لمجرد امتلاكه القوة والسلطة. وحين نستحضر الإمام الحسين، عليه السلام، فإننا نستحضر موقفاً يرفض إذلال الإنسان وإجباره على التسليم للباطل. وهذه القيم، عندما تتحوّل إلى وعيٍ وموقفٍ وعمل، تصطدم بطبيعة الحال بمشاريع الاحتلال والهيمنة والاستبداد.

ومن أسباب الاستهداف أيضاً المواقف التي تتخذها قوى وشخصياتٌ من هذه البيئة في دعم فلسطين ومقاومة الاحتلال ورفض التبعية. ولهذا يُلجأ إلى التحريض المذهبي لتشويه هذه المواقف، وعزل أصحابها عن محيطهم الإسلامي والعربي، وتحويل الخلاف السياسي إلى عداوةٍ بين المسلمين.

ولكننا لا نرى أن الاستهداف محصورٌ بأتباع أهل البيت، ولا أن قضايا التحرر حكرٌ على مذهبٍ بعينه. فكل من يقف في وجه الاحتلال والهيمنة معرّضٌ للضغط والاستهداف، أياً كان مذهبه. وفلسطين شاهدٌ واضحٌ على أن دماء المسلمين وآلامهم تتجاوز الحدود المذهبية، وأن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يحاول أصحاب الفتنة زرعه بينهم.

ومن هنا، فإننا نرفض مواجهة التحريض المذهبي بتحريضٍ مقابل. إن الدفاع عن مدرسة أهل البيت يكون بإظهار حقيقتها في العلم والأخلاق والرحمة والعدل، وبمدّ جسور التواصل مع سائر المسلمين. وهذا ما قام عليه تجمع العلماء المسلمين منذ تأسيسه: علماء من السنّة والشيعة يجتمعون على وحدة الأمة ونصرة قضاياها، ويؤكّدون أن تنوّعها المذهبي يمكن أن يكون مصدر غنى، وأن تحويله إلى صراعٍ يخدم أعداءها هو الخطر الذي يجب التصدي له.

السؤال الرابع: ما المطلوب من العلماء والنخب والمؤسسات لمواجهة حرب الهوية والتخفيف من آثارها؟

المطلوب أولاً أن نرتقي إلى مستوى التحدّي، وأن ندرك أن مواجهة حرب الهوية لا تُنجز ببيانٍ عابرٍ أو لقاءٍ موسمي، بل تحتاج إلى عملٍ علميٍّ وتربويٍّ وإعلاميٍّ واجتماعيٍّ متواصل. ومسؤولية العلماء أساسيةٌ في هذا المجال، لأن الكلمة الدينية يمكن أن تبني وعياً ووحدة، كما يمكن، إذا أسيء استخدامها، أن تعمّق الانقسام وتفتح أبواب الفتنة.

علينا أن نقدّم خطاباً إسلامياً واضحاً، يستند إلى المعرفة والحجّة، ويربط الناس بقضاياهم الحقيقية: كرامتهم وأمنهم وحقوقهم وتحرير أرضهم. وأن نواجه التكفير والتحريض المذهبي من أي جهةٍ صدرا، وأن يكون رفض الإساءة إلى مقدسات المسلمين ورموزهم موقفاً ثابتاً ومتبادلاً، يُترجم في المنابر ووسائل الإعلام ومناهج التربية.

ونحن ندعو إلى تعاونٍ عمليٍّ بين المؤسسات العلمية والدينية والإعلامية، يشمل إعداد برامج للشباب، وحواراتٍ جادّةً حول الشبهات والأسئلة التي تواجههم، وإنتاج محتوى موثوقٍ يكشف التضليل وتزوير التاريخ من دون الوقوع في الشتائم أو التعميم. فالشباب يحتاجون إلى من يسمعهم ويحاورهم ويحترم عقولهم، ويمنحهم الأدوات التي تمكّنهم من التمييز بين الحقيقة والدعاية.

أما في الوسط الشيعي، فإن التمسّك بمدرسة أهل البيت ينبغي أن يقترن بمزيدٍ من الانفتاح على الشركاء في الوطن والأمة، وبالحذر من أي خطابٍ يستدرج الناس إلى الانغلاق أو الاستعلاء المذهبي. وعلى الجميع أن يميّزوا بين مواجهة الاحتلال ومشاريعه، وبين الخلافات الداخلية التي يجب أن تُدار بالحوار والحجّة واحترام الحقوق.

ولا يجوز أن نغفل البعد الإنساني والاجتماعي؛ فالوقوف إلى جانب النازحين والفقراء والمتضررين، ومساندة الطلاب والأسر، من صميم حماية المجتمع وهويته. وحين يرى الناس أن القيم التي نتحدث عنها تتحوّل إلى تكافلٍ وخدمةٍ وعدل، تصبح أكثر رسوخاً وقدرةً على مواجهة محاولات التشويه.

إن الوحدة الإسلامية التي ندعو إليها لا تتطلّب إلغاء الخصوصيات المذهبية، بل احترامها، وتنظيم الاختلاف، ومنع تحويله إلى اقتتال. ومسؤوليتنا أن نحفظ للأمة قدرتها على الاجتماع حول الحق، وأن تبقى بوصلتها واضحةً في مواجهة الاحتلال والظلم والهيمنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *