دوليات

انتخابات التجديد النصفي.. ترامب يعترف بالهزيمة وتل أبيب في حداد

بقلم ابتسام الشامي

وجه الناخبون الأمريكيون صفعة قوية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومنحوا بأصواتهم الحزب الديمقراطي سيطرة كبيرة على الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ، وإذا كانت خسارة الحزب الجمهوري متوقعة بفعل تزاحم مجموعة من الأسباب تتمحور حول الحرب العدوانية على إيران، إلا أنها جاءت مدوّية وأكبر من التوقعات التي سبقت انتخابات التجديد النصفي.

ترامب يقر بالهزيمة

لم يكن بمقدور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب احتواء نتائج انتخابات التجديد النصفي، فما قالته صناديق الاقتراع كان أكبر من قدرته المعتادة على الكذب والتضليل، ما دفع الرئيس المهووس بتقديم نفسه بوصفه رجل الانتصارات، إلى الإقرار بالهزيمة والاعتراف بأسبابها. وفي مقابلة مع قناة فوكس نيوز أقر ترامب بأن الحرب مع إيران كان لها دور في الهزيمة التي مني بها حزبه، مضيفاً أن إيران هي سبب ارتفاع أسعار الوقود، وإذ حاول التنصل من نتيجة الانتخابات برفض اعتبارها هزيمة شخصية له، وقوله في هذا المجال “لو كنت على بطاقة الاقتراع لفزنا، ولم نتمكن من نقل هذا التأييد إلى المرشحين”، فإنه عمد إلى تبرير الهزيمة بالادعاء أن ما قام به ضد ايران كان أمراً ضرورياً وأن “الأمريكيين لم يدركوا وربما لم يكونوا مستعدين للعواقب قصيرة الأمد لارتفاع أسعار البنزين”، مضيفاً أن المهمة في إيران لم تكتمل بعد، “وقد نقدم على ذلك – الحرب – وقد لا نفعل”. مكرراً بأنه “لا يمكن السماح لإيران بالحصول على سلاح نووي”.

إقرار ترامب بالهزيمة وأسبابها وإن تحت سقف التبرير، لاقاه فيه نائبه جي دي فانس، الذي كان تعليقه على نتائج الانتخابات أكثر “جرأة” من زاوية الاعتراف بأسبابها. وفي منشور مطول على منصة “إكس” كتب دي فانس أن “سبب هزيمتنا هو الحرب”. وشدد على أن المشكلة الرئيسية للجمهوريين لم تكن انخفاض نسبة مشاركة مؤيديهم في التصويت، بل ابتعاد شريحة من الناخبين الذين دعموا ترامب وفانس في الانتخابات الرئاسية عام 2024 عن الحزب. واستند نائب الرئيس الأمريكي إلى نتائج استطلاع للرأي قال إنه تنبأ بنتائج الانتخابات بصورة صحيحة. وكان الاستطلاع قد سأل مؤيدي ترامب السابقين عما يمكن أن يدفعهم إلى دعم الجمهوريين مجدداً.

وبحسب فانس، تمثلت الإجابات الأربع الرئيسية في إنهاء الحرب، والتركيز على تكاليف المعيشة والتضخم، وإعطاء الأولوية للمصالح الأمريكية، وتغيير العلاقات بين الولايات المتحدة و”إسرائيل”. وأضاف أن الذين يرون أن الحرب كانت تستحق خوضها، عليهم أن يقولوا بوضوح إن خسارة السيطرة على مجلس الشيوخ خلال السنوات الست المقبلة كانت ثمناً يستحق الدفع. مؤكداً أن أي نقاش صادق بشأن المسار المستقبلي للحزب الجمهوري يجب أن يبدأ بالاعتراف بدور الحرب في الهزيمة الانتخابية.

وفي تعقيب لافت على منشور نائب الرئيس الأمريكي، أعاد دونالد ترامب الابن نشر رسالة فانس، مؤيداً كل كلمة وردت فيها، وفقاً لتعليق مقتضب أرفقه بالمنشور.

صفعة قوية للرئيس الأمريكي

نتائج الانتخابات التي شكلت صفعة قوية للرئيس الأمريكي وحزبه، شكلت محور تعليقات الخبراء والمحللين السياسيين الذي عمدوا إلى ترجمة دلالاتها السياسية، وفي هذا السياق، اعتبر رئيس تحرير مجلة “فورين بوليسي”، رافي أغراوال، في مقال تحليلي، أن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مثلت “توبيخاً مذهلاً” للرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري. مشيراً إلى أن غضب الناخبين إزاء ارتفاع تكاليف المعيشة، وتداعيات الحروب، والرسوم الجمركية، انعكس مباشرة في صناديق الاقتراع، مسفراً عن خسائر جمهورية في ولايات تقليدية. وعلى الرغم من محاولات ترامب النأي بنفسه عن النتائج، إلا أن الأخير سيواجه، بحسب الكاتب، في ما تبقى من ولايته عقبات بنيوية تحجّم قدرته على المناورة، ولعل من أبرزها، الأزمة العسكرية والدفاعية، حيث أن استنفاد الولايات المتحدة لثلثي صواريخ “باتريوت” الاعتراضية وثلث صواريخ “توماهوك” منذ بدء الحرب على إيران، وهو ما قد يستغرق تعويضه سنوات ويحد من القدرات الهجومية والدفاعية لواشنطن. كما الرقابة البرلمانية والقضائية ستتأثر أيضاً، إذ من المتوقع أن تطلق استعادة الديمقراطيين للكونغرس موجة من التحقيقات التشريعية والرقابية الواسعة وتعرقل مشاريع الإدارة. هذا فضلاً عن تراجع القبضة الإعلامية والدولية، مع بدء تراجع السيطرة المباشرة للإدارة على بعض الدوائر الإعلامية اليمينية، وتوجه الشركات والحكومات الأجنبية للتواصل مع القوى السياسية البديلة تحسباً لمرحلة ما بعد 2028.

وخلص المقال إلى أن المؤسسات الديمقراطية الأمريكية أثبتت صمودها في وجه الضغوط، معتبراً أن هذه الانتخابات تعكس موجة “رد فعل مضاد” عالمية ضد قادة الشعبوية والسياسات التصعيدية، حيث يدرك الناخبون عجز الخطابات الشعبوية عن تقديم حلول حقيقية لأزماتهم اليومية.

بدورها، ترى مجلة فورين أفيرز أن خسارة الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، تجعل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، “بطة عرجاء”. مشيرة إلى أن الرؤساء الذين يفقدون السيطرة على الكونغرس في ولايتهم الثانية، يواجهون حقيقة مفادها أنهم دخلوا في مرحلة الأفول السياسي، وأن فرصة إقرار تشريعات كُبرى تحمل بصمتهم، أو إطلاق مبادرات جديدة في مجال السياسة الداخلية قد فاتت. ومع انصرافهم إلى التفكير في الإرث السياسي الذي سيخلّفونه، غالباً ما يلجأ “البط الأعرج” إلى السياسة الخارجية، حيث تُتيح لهم صلاحيات المنصب الرئاسي التحرك بعيداً عن قيود السياسة الداخلية ومشاغلها.

وبحسب كاتبي المقال، دانيال دبليو دريزنر واليزابيث ن. سوندرز، فإن فترة الأفول السياسي التي يمر بها ترامب، لن تكون مثل تلك التي كانت لدى أسلافه. ومع سيطرة الديموقراطيين الآن على مجلسي النواب والشيوخ، فإن التهديد بعزله، أو فتح تحقيقات في الأنشطة التجارية لعائلته، سيجعل ترامب يشعر بأنه “بطة عرجاء”. وهذا تحديداً ما يجعل الفترة المتبقية من ولايته محفوفة بالمخاطر. فترامب المحاصر، الذي لا يملك منفذاً واضحاً وبنّاء لتصريف طاقته عبر السياسة الخارجية، قد يلجأ إلى المغامرة بتصعيد تحركاته على الساحة الدولية. والكونغرس، حتى لو كان تحت سيطرة الديموقراطيين، لن تكون له ما يكفي من القدرة للتأثير في إدارة الرئيس لشؤون السياسة الخارجية اليومية.

القراءة الإسرائيلية للنتائج

أصداء الهزيمة الانتخابية للحزب الجمهوري، كان وقعها ثقيلاً جداً في تل أبيب، التي رأت فيها ضربة للرئيس الأمريكي ولها على حد سواء، في ظل فوز ديمقراطيين يعارضون سياساتها والمساعدات العسكرية المقدمة لها.

ووصفت الصحف الإسرائيلية النتائج بأنها “تسونامي أزرق”، في إشارة إلى المكاسب الكبيرة للحزب الديمقراطي، محذرة من تداعياتها على العلاقات الأمريكية الإسرائيلية خلال العامين المتبقيين من ولاية ترامب.

وفي تقرير بعنوان “لم يكن ترامب وحده هو الخاسر فنتائج الانتخابات تقلق إسرائيل بشدة”، قالت صحيفة معاريف إن النتائج تحمل تداعيات كبيرة على العلاقة مع واشنطن. مشيرة إلى فوز ديمقراطيين يعارضون المساعدات العسكرية الأمريكية لـ “إسرائيل” وينتقدون سياساتها في قطاع غزة، منوهة بأن ذلك يعزز التيار الساعي إلى تغيير سياسة واشنطن تجاه تل أبيب. وسلطت معاريف الضوء على فوز الديمقراطي تروي جاكسون في ولاية مين، على السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، التي شغلت مقعدها منذ عام 1997، وكانت من أبرز داعمي “إسرائيل”. مشيرة إلى أن جاكسون دعا خلال حملته إلى إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية المقدمة لـ “إسرائيل”.

ورأت الصحيفة أن النتائج تعكس تحولاً في موازين القوى داخل الحزب الديمقراطي، وقد تزيد الضغط على قيادته لتغيير سياستها تجاه “إسرائيل” قبل انتخابات الرئاسة في عام 2028، لكنها لا تضمن تغييراً فورياً في السياسة الأمريكية.

أما صحيفة “جيروزاليم بوست” فقد اعتبرت بدورها أن ​”إسرائيل​” خسرت أربع انتخابات في غضون 10 أيام؛ كانت إحداها انتخاباتها المحلية، بينما كانت الأخيرة انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت يوم الثلاثاء.

وأشارت إلى أن سلسلة الخسائر بدأت في 25 تشرين الأول في صربيا، فقد استقال ​ألكسندر فوتشيتش​، الحليف القوي لـ “إسرائيل”، من منصبه كرئيس قبل شهر وسعى للاحتفاظ بالسلطة كرئيس للوزراء، لكن بدلا من ذلك، خسر تحالفه في الانتخابات البرلمانية المبكرة لصالح قائمة مدعومة من الطلاب نشأت من حركة احتجاجية مناهضة للفساد. وفي نفس الأحد الذي مُني فيه تحالف فوتشيتش بهزيمة ساحقة في صربيا، هزم الرئيس البرازيلي اليساري المناهض لـ “إسرائيل”، ​لويس إيناسيو لولا دا سيلفا​، منافسه اليميني المؤيد لها ​فلافيو بولسونارو​، وقد قضى ذلك على آمال تل أبيب في أن تحذو البرازيل حذو كولومبيا وبيرو وتشيلي وبوليفيا ودول أمريكية لاتينية أخرى في انتخاب حكومات يمينية أكثر صداقة لإسرائيل. أما كيف خسرت “إسرائيل” الانتخابات الداخلية، فأوضحت الصحيفة أن ذلك يعود إلى انتهائها، مرة أخرى، إلى مأزق سياسي يمكن لكل معسكر اعتباره نصراً له، فقد تمكن رئيس الوزراء ​بنيامين نتانياهو​ من الإشارة إلى تصدر حزب الليكود باعتباره الحزب الأكبر وتفوق كتلته على كتلة التغيير، وفي المقابل، أشار معسكر التغيير إلى أن الأحزاب الواقعة خارج معسكر نتانياهو، بما فيها الأحزاب العربية، فازت بأغلبية واضحة في مقاعد الكنيست، لكن لم يخرج أي من المعسكرين بأغلبية تمكنه من الحكم بمفرده.

وفيما يتعلق بالانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، اعتبرت جيروزاليم بوست أن الديمقراطيين فازوا بمجلسي الكونغرس، ومن بين الوافدين إلى واشنطن في كانون الثاني المقبل السيناتور الديمقراطي المنتخب عن ولاية ميشيغان والمناهض لـ “إسرائيل” ​عبد السيد، معتبرة أن “السؤال الأكثر أهمية هو إلى أي مدى سيتحرك الديمقراطيون السائدون في اتجاه عبد السيد؟ فالجناح الصغير الصاخب داخل أي حزب يمكنه تحديد نبرة النقاش حتى وإن افتقر إلى الأصوات اللازمة لحسمه، وهذا أمر مهم عندما ينتقل الكونغرس لمناقشة قضايا مثل صفقات الأسلحة، والمساعدات العسكرية، والرقابة على السياسة الأمريكية تجاه “إسرائيل”، موضحة أن “جناح ​برني ساندرز​ المناهض لتل أبيب داخل الحزب الديمقراطي حصل على تعزيزات معتبرة يوم الثلاثاء”. وبحسب الصحيفة فإن “مشكلة إسرائيل لا تقتصر على الجانب الديمقراطي فحسب، فبين الجمهوريين، تعالت أصوات بالفعل تلقي على إسرائيل باللوم في الهزيمة الساحقة التي مُنيوا بها يوم الثلاثاء”. وإذ أوضحت أن “ترامب سيبقى في البيت الأبيض خلال العامين المقبلين إلا أنه سيكون على إسرائيل الدفاع عن موقفها أمام كونغرس ديمقراطي بينما يلقي بعض أقرب حلفاء الرئيس باللوم عليها في الهزيمة الجمهورية”.

خاتمة

هزيمة قاسية تلقها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، وعلى الرغم من أن دونالد ترامب سيبقى في منصبه عامين إضافيين، ما لم ينجح الديمقراطيون في عزله، إلا أن رؤوساً من إدارته ستكون على طاولة الإطاحة، يتقدمها الوزراء المسؤولون عن هزيمة الحرب على إيران، التي نجحت في الصمود في وقت اهتزت فيه أركان الإدارة الأمريكية حد السقوط في الهاوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *