الأخلاق والقيم في زمن العولمة
بقلم غسان عبد الله
لا بد لأي جماعة بشرية أو دولة أو أمة من منظومةِ قيمٍ ومبادئ أخلاقيةٍ ترتكز عليها لبناء مجتمعها، فالقيم تشكل ركناً أساسياً من أركان الوعي الاجتماعي، وهي أعظم ما تعتز به المجتمعات، فلا تستقيم الحياة الإنسانية من دون القيم، وغياب المبادئ الأخلاقية أو تدهورها يؤدي إلى تراجع في المجتمع الإنساني.
والأخلاقُ عبارة عن منظومةٍ من القيمِ والمعاييرِ السلوكيةِ التي يرتضيها المجتمع لنفسه ولأفراده ابتغاء الوصول لفضائلِ الحق والخير والجمال، وهي من حيث وظيفتها توجّه الأفرادَ إلى ما يجبُ عليهم القيامُ به، وتنهى عما يجب تجنُّبُه في مختلف المواقف الحياتية والإنسانية، وهي ترتكزُ في وظيفتها تلك إلى مجموعة من القيم الأخلاقية التي توجّه السلوك الإنساني، فالأخلاقُ توجّه الفردَ إلى التمييزِ بين الخيرِ والشر، بينَ الحقِّ والباطل، بين الخطأِ والصوابِ ما سينعكس بالضرورة على المجتمعات. والقيم ليست مفاهيم مجردة، بل ذات ارتباط بفعل الإنسان ونشاطه وسلوكه، وعلاقاته بالآخرين، وبالتراث الاجتماعي والمعارف الوطنية والعالمية. علماً أن هذه القيم ليست ميزات فطرية غريزية، بل إنها تُكتسب خلال الممارسة الاجتماعية والتجارب الإنسانية.
ويشغل موضوع القيم اهتمامَ الكثيرَ من الفلاسفة والمفكرين، لأن قضيةَ القيمِ في الزمنِ الراهنِ مطروحةٌ بإلحاحٍ في كلِّ المجالاتِ والاختصاصات، فهي تهمُّ الفلاسفةَ والمفكرينَ وعلماءِ الاجتماعِ وعلماءِ الاقتصادِ والسياسيينَ وغيرهم. ولقد تغيّرت الكثيرُ من المعطياتِ الاقتصاديةِ والسياسيةِ والاجتماعيةِ والثقافيةِ والتربوية، بطريقةٍ لم تعدْ نظرتُنا وفهمُنا للعالمِ ولِقِيَمِنا ولتصوراتنا كما كانت سابقاً، وصار التساؤل الذي يفرضُ نفسَهُ هذه الأيام: هل القضايا والمشكلاتُ التي نواجهها اليومَ هي ذاتُها التي كانت في الماضي؟ أم طرأ عليها تغيير؟ وهل القيم التي كانت قديماً ما تزال صالحة إلى اليوم أم أن ثمة تغيرات قد طرأت عليها؟.
إن التساؤل حول القيم هو المؤشر على التحولاتِ العميقةِ التي تعيشُها مجتمعاتُنا الخاضعةُ للتأثيرِ المزدوجِ الناجمِ عن ظاهرتَيْن واسعتَيْ الانتشار، هما العولمة والتطور التقني السريع، وقد يخشى البعضُ من تراجعِ قِيَمِنا الإيجابيةِ واستبدالِها بقيمٍ سلبية كنتيجة للعولمةِ وللاهتمامِ المحصورِ بالتطوّر التقني، ما أوصلنا إلى عالمٍ سريعِ التغيّر قد يؤدّي إلى ضياعِ بوصلتنا الأخلاقية، وتراجعِ المفاهيمِ القيميةِ الإيجابية، فالعولمةُ أدت إلى انفتاحٍ تلقائيٍّ على الثقافاتِ وليس انتقائياً، وهذا قد يؤدي إلى فقدِ هويّتنا الثقافية، وبالتالي يحصلُ خللٌ في منظومتنا القيمية.
ونستطيع القول إن الكثير من الأزماتِ التي تعانيها مجتمعاتُنا اليوم هي نتيجةُ أزمةِ قيمٍ تكبرُ وتنمو في ظلِّ عالمٍ أصبحَ الاستهلاكً سمتَهُ الأساسية. حيث يجري فيه تهميشُ قيمٍ تنتمي إلى ثقافتِنا وحضارتِنا العربية الإسلامية، واستبدالُها بقيمٍ جديدةٍ على مجتمعاتنا. فالعولمةُ وإن مثّلت تواصلاً حضارياً وحواراً بين الثقافاتِ العالميةِ المختلفة، إلا أنها في الحقيقة قد تتغلب فيها ثقافةٌ على ثقافاتٍ أخرى بحكمِ الموقعِ الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
وعلى الرغم من تأثير العولمة في نظامِ القيمِ وعلى تشكيِل رؤيةِ الأفرادِ والمجتمعات، وما أحدثَتْهُ من تغيراتٍ نوعيةٍ في أنماطِ السلوكِ والمعايير، إلا أننا لا يُمكنُنا أن نقفَ في وجهِ التبادُلِ الجدليّ بين الثقافاتِ والحضاراتِ العالميةِ القائمة، والتواصلِ السريعِ بين المجتمعاتِ في عالمنا المعاصر. فالعولمةُ بوسائلِها وأشكالِها المتعددةِ تعتبر من أرقى ما توصّلَ إليه العقلُ البشريُّ في العصرِ الحديث، ولا يختلف اثنانُ على أن وسائلَ التقدّم البشريّ حين تُستَخْدَم في الخيرِ ونشرِ وتدعيمِ القيمِ الاجتماعيةِ والثقافيةِ والأخلاقيةِ، ستحقِّقُ نتائجَ إيجابيةً تؤدي إلى تقدّمٍ في المجتمعاتِ وتطورِ قِيَمِها الحضارية الإيجابية.
