إقليميات

أَيُّ مَدْلُولٍ للاجتماع المغاربي في مدريد بشأن الصحراء الغربية؟

بقلم توفيق المديني

عُقد هذا اللقاء في مقر السفارة الأمريكية في مدريد، في أجواء من السرِّية التامة، من دون إصدارِ أيِّ بياناتٍ رسميةٍ أو السماح بالتقاط صور للمشاركين، كما جرى من دون مشاركة إسبانيا التي لم تكن طرفاً في هذه المفاوضات، وحضره مسعد بولس المستشار الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون إفريقيا والعالم العربي، فضلاً عن سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز، والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية  ستافان دي ميستورا، ووزراء خارجية الدول المغاربية المعنيّة: المملكة المغربية التي تبسط سيطرتها على نحو 80% من هذا الإقليم الصحراوي الشاسع،- ناصر بوريطة -، والجزائر أحمد عطاف، وموريتانيا محمد سالم ولد مرزوك، وممثل عن جبهة البوليساريو.

وكانت آخر مفاوضات جرتْ بين الجزائر والمغرب وموريتانيا وجبهة البوليساريو في سويسرا خلال كانون الأول/ ديسمبر 2018 وآذار/ مارس 2019، ونجحت الولايات المتحدة في إحياء هذه المفاوضات التي تركَّزتْ في لقاء مدريد الأخير بشكلٍ أساسيٍّ على إنشاء لجنة فنيّة دائمة تضم ممثلين عن المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، مهمتها صقل خطة الحكم الذاتي التي قدّمتها الرباط.

المبادرة الأمريكية للمصالحة بين المغرب والجزائر

اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ختام ولايته الأولى سنة 2020، بسيادة المغرب على إقليم الصحراء الغربية، داعماً بذلك الحكم الذاتي الذي ينادي به، وتزامن هذا الاعتراف مع التوقيع على اتفاقات تطبيع بين أربع دول عربية: الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، والكيان الصهيوني، الذي اعترف هو أيضاً بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، حيث أنَّ العلاقات مع المغرب لها دلالة رمزية كبيرة لدى “إسرائيل”؛ لأنَّ المغرب البلد الأصلي لواحدة من أكبر الجاليات اليهودية (حوالي 700000يهودي مغربي) وأكثرها نفوذاً.

وتُوّج هذا المسار في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 باعتماد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2797 الذي يؤيد خطة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء الغربية بوصفه المرجعية المركزية في الجهود الرامية إلى تسوية هذا النزاع المستمر منذ أكثر من خمسة عقود. وشكّل ذلك التطور – وفقاً لصحيفة “إل كونفيدينسيال” الإسبانية – مكسباً دبلوماسياً بارزاً للمغرب، كما اعتُبر نجاحاً للحليف الأمريكي الذي أبدى انخراطاً لافتاً ونشاطاً مكثفاً في إدارة هذا الملف. وقبيل موعد اجتماع مدريد، أجرى مسعد بولس زيارة إلى الجزائر، العضو الوحيد في مجلس الأمن الذي رفض المشاركة في التصويت على قرار 31 تشرين الأول/ أكتوبر. وخلال الزيارة، التقى بولس الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في إطار مشاورات رفيعة المستوى.

وحسب الصحيفة، مهّدَ هذا الاجتماع الذي ظل محتواه طيِّ الْكِتْمَانِ لوصول وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف إلى مدريد بعد أيامٍ قليلةٍ، وبذلك نجحتْ واشنطن في إحياء الحوار الذي توقّف منذ 6 سنوات بين الجزائر والمغرب وموريتانيا وجبهة البوليساريو. وترى الصحيفة أنَّ الاجتماع اكتسب أهميةً خاصةً بحضور أحمد عطاف إلى جانب نظيره المغربي ناصر بوريطة، ويُعَدُّ مؤشراً واضحاً على قوة تأثير الولايات المتحدة في توجيه مسار هذا الملف الشائك.

وذكرت صحيفة هسبريس الإلكترونية المغربية، أنَّ المشاورات أفضتْ إلى بلورة “خارطة طريق مدريد 2026″، التي حدَّدتْ ملامح المرحلة المقبلة، بما في ذلك عَقْدِ جولةٍ تفاوضيةٍ جديدةٍ بواشنطن قبيل شهر أبريل/نيسان المقبل بهدف مناقشةِ تفاصيلِ العرضِ المغربيِّ الجديدِ الذي سيقدم رسمياً إلى الأمم المتحدة.

وبحسب مصادر قريبة من الوفد المغربي، فإنّ المهمة الأساسية للجنة تتمثل في تطوير مقترح الحكم الذاتي الذي قدّمه المغرب، الذي جرى توسيعه مؤخراً ليشمل نحو أربعين صفحة، مقارنة بثلاث صفحات فقط في نسخة 2007. وفي المقابل، تنقلُ التسريباتُ المنسوبةُ إلى أطرافٍ قريبةٍ من جبهة البوليساريو رواية مختلفة إذ ترى أنَّ دور اللجنة لا ينبغي أن يقتصر على تنقيح مقترح الحكم الذاتي، بل يجب أنْ يشمل أيضاً بحث خيارات أخرى، من بينها تنظيم استفتاء يضمن حقّ تقرير المصير للشعب الصحراوي، وهو المبدأ الذي لا تزال الجزائر متمسّكة به رغم الضغوط الأمريكية المتزايدة، وفقاً للصحيفة الإسبانية.

تدعم الولايات المتحدة المغرب بشكلٍ قويٍّ، وترى في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أنَّهُ الحلّ الأكثر واقعية للنزاع، وهي تمارس ضغوطاتٍ كبيرةٍ على الجزائر من أجل تسوية نزاع الصحراء الغربية ضمن إطار يخدم توازنات إقليمية ودولية دقيقة، غير أنّ تباعد المواقف بين الأطراف، واستمرار انعدام الثقة، يطرحان تساؤلاتٍ حول قدرة هذه الجهود الأمريكية، مهما بلغت كثافتها، على طيِّ صفحةِ نزاعٍ مضى على اندلاعه أكثر من نصف قرن.

تزايد الاعتراف بمغربية الصحراء الغربية

شكَّل الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على إقليم الصحراء الغربية، تحولاً كبيراً في مواقف العديد من الدول نحو الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، ودعم مقترح الحكم الذاتي، الذي تعرضه المملكة المغربية كـ “حلٍّ وحيدٍ” للملف العالق منذ عقود، بينما تنظر الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب “بوليساريو” ومن ورائها، الجزائر، إلى تلك الاعترافات على أنَّهَا “صفقات لا قيمة قانونية ولا سياسية لها”.

وتعزّزَ الموقف المغربي مؤخراً بإعلان إسبانيا هي الأخرى، تأييد مقترح الحكم الذاتي، وهي الخطوة التي فتحت الباب أمام تطبيع علاقات البلدين، بعد أزمةٍ دبلوماسيةٍ حادةٍ دامتْ نحو عام. وبعد أن التزمتْ الحياد لعقودٍ، باتتْ مدريد، تعتبر أنَّ خطة الحكم الذاتي هي “الأساس الأكثر جدِّية وواقعية ومصداقية من أجل تسوية الخلاف” في الصحراء الغربية.

في المجموع، أبدتْ أكثر من أربعين دولة تأييدها لمقترح الحكم الذاتي المغربي، وهو ما تبين من خلال المشاركة الواسعة في المؤتمر الوزاري الداعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في 15 يناير 2021، بدعوة من الولايات المتحدة والرباط. ومن بين الدول العربية التي شاركت في المؤتمر، السعودية والإمارات ومصر والبحرين والكويت والأردن، وعمان واليمن.

وبالإضافة إلى كل من الولايات المتحدة، وفرنسا، شاركت بعض الدول الأفريقية، في الحدث لإبداء دعمها للمقترح المغربي، ومنها، السنغال، الغابون، غامبيا، غينيا، زامبيا، توغو، جزر القمر، غينيا بيساو، غينيا الاستوائية، ملاوي، ليبيريا، ساحل العاج، جيبوتي، وكذا جمهورية إفريقيا الوسطى، والكونغو الديمقراطية، وبوروندي، وبنين. إلى ذلك، دعمت المقترح المغربي أيضاً كل من غواتيمالا، وهايتي، وأنتيغوا وبربودا، ساو تومي وبرينسيبي، سانت لوسيا، جمهورية الدومينيكان، بربادوس، جامايكا، جزر المالديف، والسلفادور، وسوازيلاند (إسواتيني).

مقترح الحكم الذاتي الذي تطرحه الرباط يحظى أيضاً بدعم عدد من الدول، الأوروبية، أبرزها بلجيكا وفرنسا وألمانيا وهولندا وقبرص ولوكسمبورغ والمجر ورومانيا والبرتغال وصربيا. وترجمت عدة دول اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء بفتح قنصليات بالإقليم المتنازع عليه. وتم افتتاح قنصلية للإمارات والبحرين في مدينة العيون في 2020، لتتوالى بعدها الإعلانات عن فتح عدة قنصليات أخرى.

مستقبل الصحراء الغربية في ضوء اللايقين الجزائري

يجمع المحللون والخبراء في منطقة المغرب العربي أنَّ الطرح المغربي بشأن الحكم الذاتي بات يُحْظَى بدعمٍ عربيٍّ ودوليٍّ “غير مسبوقٍ”، الأمر الذي سيحمل الأطراف المعنية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات دون أيِّ شرطٍ “حتى تتم حلحلة هذا النزاع المرير”، لا سيما أنَّ الكثير من الدول أضحتْ تعترفُ بسيادة المغرب على الصحراء، ما يضعف كثيراً الطرح الذي يقول بأنَّ قضية الصحراء الغربية تُعَدُّ “ضمن لجنة إنهاء الاستعمار الأممية”. ويسيطر المغرب على 80% من أراضي الصحراء ويقترح منحها حكماً ذاتياً تحت سيادته، في حين تدعو الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب “بوليساريو” إلى إجراء استفتاء لتقرير المصير. كما شكَّل القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن والمُعتمد في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تطوراً ملحوظاً في ملف الصحراء الغربية. وقد وافقت الولايات المتحدة، التي صاغت مشروعاً أولياً مؤيداً للمغرب بشكل علنيٍّ ويدعو إلى الحكم الذاتي حلاً وحيداً، على تخفيف حدَّتِه لتمرير الجوهر. ويؤكد القرار النهائي مجدَّداً مبدأ تقرير المصير أساساً قانونياً للعملية الأممية، بينما يُبرزُ بشكلٍ صريحٍ خطة الحكم الذاتي المغربية، التي “قد تمثل الحل الأكثر قابلية للتطبيق”.

ومع ذلك، أكَّد وزير الخارجية الجزائرية أحمد عطاف في مؤتمره الصحافي في 18 نوفمبر/تشرين الثاني2025، أنَّ الجزائر لم تَعُدْ في منطقتها المريحة المعتادة في الدفاع عن مبدأ تقرير المصير عبر الاستفتاء، بدليل استعدادها لدعم وساطة بين المغرب وجبهة البوليساريو. “بالنظر إلى المعطيات والمسؤوليات التي تقع على عاتقها بما هي بلد جار للطرفين المتنازعين، لن تتردَّدَ الجزائر في تقديم دعمها لأيِّ مبادرةِ وساطةٍ بين جبهة البوليساريو والمغرب”.

ويُرفق هذا الدعم بِـ “شروط”: يجب أنْ تندرجَ الوساطة في “إطار الأمم المتحدة، وتلتزمَ، شكلاً ومضموناً، بمبادئ حل عادل ودائم ونهائي لقضية الصحراء الغربية، على النحو المنصوص عليه في جميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، بما في ذلك القرار الأخير رقم 2797”.. والسؤال الذي يطرح نفسه، هل يمكن أن يكون “موضوع” الوساطة، إذا ما وُضِعَتْ موضع التنفيذ، شيئاً آخر غير الحكم الذاتي الذي أُبْرِزَ في القرار والذي تريد الولايات المتحدة أنْ تُمَرِّرَهُ في ممارسةٍ فعليةٍ لحقِّ تقريرِ المصير للصحراويين؟

خاتمة

تشهد السياسة الخارجية الأمريكية تحولاتٍ جذريةٍ، مع تولي دونالد ترامب الرئاسة لولاية ثانية في يناير/ كانون الثاني 2025، تعكسُ بوضوحٍ إحياء مفهوم “الرئاسة الإمبريالية” الذي صاغه المؤرخ أرثر شليزنجر في سبعينيات القرن الماضي، فقد أصبحتْ الرئاسة الإمبريالية خياراً عملياً للرئيس ترامب. كما أنَّ عسكرة السياسة الخارجية بدَتْ أكثر وضوحاً، حيث اعتمدت الإدارة الأمريكية على استعراض القوة أو التهديد باستخدامها كأداة ردعٍ، سواء في التعامل مع إيران أو في إعادة الانتشار العسكري في آسيا وإفريقيا.

ضمن هذا السياق، تريد الولايات المتحدة فرض سيطرتها على منطقة المغرب العربي، وكذلك إقامة بلدان هذا الإقليم علاقات تطبيع مع الكيان الصهيوني، وتُعَدُّ مسألة العلاقة بين الجزائر والولايات المتحدة حاسمةً. فالجزائر، تواجه صعوباتٍ جيو استراتيجيةٍ كبرى، مع أوضاعٍ صعبةٍ على جميع حدودها، ليبيا ومالي والنيجر والمغرب، و”صداقة” مع روسيا يشوبها تباين في المصالح في منطقة الساحل، وصين تُتَاجِرُ مع الجميع، بل وأكثر مع المغرب، هي محط اهتمام خاص من الولايات المتحدة. وقد لاحظ المراقبون في هذا الصدد النشاط غير المعتاد للسفيرة الأمريكية إليزابيث مور أوبين، التي تتولى منصبها منذ عام 2022. منذ وصولها، كثفت تنقلاتها في الجزائر، بما في ذلك خارج العاصمة، والتقتْ برجال الأعمال والمنظمات غير الحكومية والشركات الناشئة والمنتخبين المحليين والطلاب، وهو حضورٌ عامٌ نادراً ما يُلاحظ من دبلوماسي غربي في البلاد. وحتى خلال أعنف عمليات القصف على غزَّة، لم تُقَلِلْ من ظهورها الإعلامي، في إشارة إلى دبلوماسيةٍ أمريكيةٍ مؤكّدةٍ وحازمة.

وفيما تتوالى تصريحات مسؤولين في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتحديداً مبعوثه ستيف ويتكوف، وكبير مستشاريه للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، والتي تُبدي تفاؤلاً بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام بين الجزائر والمغرب قريباً، لا سيما في ما يتعلق بموضوع الصحراء الغربية، يرى الخبراء أنَّ مفاوضات مدريد الأخيرة، التي وظفتها السياسة الإمبريالية للرئيس ترامب، بإعطاء دفعة دبلوماسية لخطة الحكم الذاتي، تعكس الترجمة العملية لما  صرَّح به ستيف ويتكوف، مبعوث دونالد ترامب للشرق الأوسط، على قناة “سي بي أس” الأمريكية ،منذ ثلاثة أشهر، والذي قال فيه إنَّ “اتفاق سلام” سيُبرم بين الجزائر والمغرب “في غضون 60 يوماً”. فقد اعتُبر ذلك التصريح إلى حدِّ كبيرٍ بمنزلة بداية للضغوط الأمريكية المعلنة على الجزائر للقبول بالحكم الذاتي.

وقبل ذلك، قال كبير مستشاري ترامب للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس إنَّ ترامب “يشدِّدُ على سيادة المغرب على الصحراء”، مضيفاً أنَّ “الوقت حان لإيجاد حلٍّ نهائيٍّ ودائمٍ لقضية الصحراء”. ولعلّ المناخ السائد في منطقة المغرب العربي، ترقّب الطيّ النهائي للنزاع حول قضية الصحراء الغربية، من خلال القبول بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتباره الحلَّ الأكثر جدوى لإنهاء هذا النزاع، الذي أسهم في إعاقة بناء الاتحاد المغاربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *