فضاءات فكرية

الإمام الخميني والثورة الإسلامية.. الفقيه القائد وميلاد الأمة الواعية

بقلم: الشيخ علي خازم / أمين سر مجلس الأمناء في تجمع العلماء المسلمين

خصوصية الثورة الإسلامية بين الثورات الحديثة

لم تكن انقلاباً عسكريا كما عرفنا عدداً مما سمي ثورات، كانت ثورة في سياق الثورات الكبرى التي شهدها العالم كالثورة الفرنسية والثورة الروسية. كانت ثورةً قادها فقيه، لكن حملها شعبٌ كامل، فلم تنفصل القيادة عن الأمة، ولا الأمة عن قيمها.

رفعت شعار الاستقلال الحقيقي، «لا شرقية ولا غربية»، في زمنٍ كان العالم فيه يُقسَّم قسراً بين معسكرين، فأعادت تعريف معنى الحرية، وربطت السياسة بالأخلاق، والقوة بالحق، والانتصار بالثبات.

ما ميّز هذه الثورة، كما شهدناها، أنها لم تنطلق من فراغ بل من مراكمة على نهضات عدة للعلماء بوجه الطغيان الشاهنشاهي، ولم تكن ثورة غضبٍ فقط، بل كانت حركة وعي. خرجت من المساجد، ومن الحوزات، ومن صدور الناس البسطاء، لكنها حملت مشروعاً واضحاً: أن يكون الإسلام مرجعية للحياة، لا مجرد عنوانٍ للهوية.

قادها فقيهٌ عرف زمانه، وقرأ التاريخ بميزان الفقه، فجمع بين القيادة الدينية والحضور الشعبي، دون أن تتحول الثورة إلى نخبوية، ولا إلى فوضى جماهيرية.

ورفعت منذ البداية شعار الاستقلال الحقيقي، «لا شرقية ولا غربية»، في زمن كان فيه العالم يُدار من غرف القرار الكبرى، فأعادت للشعوب ثقتها بأن الإرادة إذا اقترنت بالإيمان لا تُهزم.

الثورة الإسلامية وإحياء الوعي الإسلامي المعاصر

لقد أعادت الثورة الإسلامية تقديم الإسلام كما هو في جوهره: دينُ حياة، ودينُ مسؤولية، ودينُ مواجهة للظلم، لا دينُ انسحابٍ أو تبريرٍ للطغيان.

كسرت الثورة الإسلامية الصورة التي أرادها الاستكبار عن الإسلام كدينٍ عاجز عن إدارة الدولة أو صناعة الحضارة، وأثبتت أن الإسلام قادر على بناء الإنسان، وإقامة المجتمع، وحمل همّ المستضعفين. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر خطاب المسلمين عن أنفسهم، واستعادوا الثقة بأن هذا الدين ليس ماضياً يُبكى عليه، بل حاضراً يُعاش، ومستقبلاً يُصنع.

نعم، لقد أحيا روحاً كادت تُطفأ. أعاد للإسلام صورته الحقيقية: ديناً يواجه الظلم، لا يبرّره؛ ديناً يبني الدولة، لا يهرب من مسؤولياتها؛ ديناً يقف مع المستضعفين، لا مع الطغاة.

بعد الثورة، تغيّر خطاب المسلمين عن أنفسهم. لم يعد الإسلام حبيس الماضي، ولا أسير الدفاع، بل صار مشروعاً حاضراً، قادراً على أن يقول «لا» في وجه الجبابرة، وأن يقدّم نموذجاً عملياً، لا تنظيراً مجرداً.

قراءة الإمام الخميني للاستكبار العالمي

الإمام لم يكن يطلق شعارات انفعالية، بل كان يقرأ الواقع بميزانٍ فقهي وأخلاقي دقيق. حين وصف الولايات المتحدة بالشيطان الأكبر، لم يكن يقصد شعباً، بل منظومة استكبارٍ تقوم على الهيمنة، ونهب الشعوب، ودعم الظلم حيثما كان.

والأيام، كما رأينا، لم تزد هذا التوصيف إلا وضوحاً: من دعم الكيان الصهيوني والثورات الملوّنة، إلى الحروب، والعقوبات، وتجويع الشعوب، ومحاولات شيطنة وتشويه كل مشروع مقاوم، حتى خطف رئيس جمهورية وزوجته.

لقد أراد الإمام أن يحرّر وعي الأمة، ألا تنخدع بالأقنعة، وأن تسمّي الأشياء بأسمائها. حين وصف الإمام الخميني الولايات المتحدة بالشيطان الأكبر، لم يكن ذلك انفعالاً سياسياً، بل تشخيصاً أخلاقياً وسلوكياً.

الشيطان في القرآن هو رمز الإضلال والاستكبار، وحين ننظر إلى سياسات هذه الدولة: دعم الاحتلال، إشعال الحروب، فرض الحصار، نجد أن الوصف لم يكن مبالغاً فيه. لقد أراد الإمام أن يحرّر وعي الأمة من الخداع، وأن لا تنبهر بالشعارات البرّاقة التي تُخفى خلفها أبشع صور الظلم. والأيام، بما حملت من أحداث، أكدت أن قراءة الإمام لم تكن لحظة، بل رؤية بعيدة المدى.

الوحدة الإسلامية بوصفها شرطاً للنصر

التجربة، لا الشعار، هي التي تجيب: نعم. كل انتصارٍ تحقق في وجه العدو كان ثمرة وعيٍ وحدوي، ولو بالحدّ الأدنى.

الإمام الخميني كان يدرك أن الخلافات المذهبية والقومية هي الثغرة الأخطر التي ينفذ منها العدو، لذلك دعا إلى وحدة لا تُلغي التنوع، بل تحميه ضمن مشروعٍ واحد. فالعدو واحد، والمصير واحد، وأي تفرّقٍ في هذه المعركة هو خدمة مجانية للاستكبار.

من أهم ما شدّد عليه الإمام، وربما أكثر ما نحتاجه اليوم، هو الوحدة بين المسلمين. الوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف، بل إدارة الاختلاف تحت سقفٍ واحد، هو مواجهة العدو المشترك.

كل التجارب الناجحة في المقاومة أثبتت أن الانقسام هو السلاح الأخطر بيد الاستكبار، وأن أي قدرٍ من التفاهم والتكامل يصنع قوةً حقيقية. فالعدو لا يسأل عن مذهبك حين يعتدي، ولا عن قوميتك حين يحتل، فلماذا نُصرّ نحن على التفرّق؟.

القائد والأمة بين الغياب والاستمرار

القائد الحقيقي لا يصنع أتباعاً، بل يصنع أمة واعية. والقادة العظام يهيؤون قادة ضمن رؤية الخلافة والإمامة، فالقادة يرحلون، وهذه سنّة الله، لكن الأمة التي تتشرّب الفكرة وتحمل الرسالة لا تموت. ومن النعم والألطاف الإلهية توفيق الأمة لاختيار آية الله العظمى السيّد علي الخامنئي في عملية بدت معقدة في حياة الإمام الخميني “قده” لكنها جرت بسلاسة في عملية انتخابية دستورية.

الإمام الخميني، حين غاب جسده، بقيت فكرته، وبقي نهجه، وبقي المشروع الذي زرعه في وجدان الناس، وبقي مشروعاً حياً لأن الأمة حملته.

المسؤولية بعد القائد لا تقلّ عن المسؤولية معه: أن نحفظ الأمانة، وأن لا نحوّل التجربة إلى ذكرى، بل إلى مسارٍ حيٍّ متجدد.

حفظ الجمهورية الإسلامية بين الواجب الديني والمسؤولية الإنسانية

كان الإمام الخميني يردّد بإصرارٍ ووضوح: «حفظ نظام الإسلام من أعظم الواجبات، لأن النظام هو الإطار الذي يُحفظ به الدين، والإمام المعصوم نفسه إنما يتحرك لحفظ الإسلام لا العكس».

كان الإمام يرى أن الجمهورية الإسلامية ليست مجرد نظام حكم، بل نموذجاً يقول للإنسان المعاصر: يمكن للسياسة أن تُدار بالأخلاق، ويمكن للقوة أن تُضبط بالقيم، ويمكن للدين أن يكون في صلب الحياة دون أن يتحوّل إلى أداة قمع أو تبرير للظلم.

حفظ هذه الجمهورية، كما كان يؤكد، هو حفظ لخط المقاومة في وجه الاستكبار، وحفظ لأمل الشعوب التي لا تملك إلا إرادتها، وحفظ لفكرةٍ تقول إن الإنسان لم يُخلق ليُستَعبد، ولا لتُمحى روحه باسم التقدم والمادة.

وفي عالمٍ تتغوّل فيه الرأسمالية المتوحشة، وتُختزل فيه القيم بالمنفعة، ويُقاس الإنسان بما يملك لا بما هو عليه، أراد الإمام أن تبقى هذه التجربة شاهداً حياً على أن العدالة ليست حلماً، وأن نصرة المستضعفين ليست شعاراً، بل واجباً.

من هنا، فإن مسؤوليتنا اليوم ليست في تمجيد الماضي، بل في صون المعنى، وحماية القيم، وتوريث هذه الرسالة للأجيال، لتبقى الجمهورية الإسلامية صوتاً للحق، وسنداً للمستضعفين، وشاهداً على أن زمن الأنبياء لم ينتهِ، ما دام في الأمة من يحمل رسالتهم.

إن حفظ الجمهورية الإسلامية ليس شأناً إيرانياً خاصاً، بل هو مسؤولية تتجاوز الجغرافيا، لأنه مرتبط بكرامة المستضعفين في كل مكان.

والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *