تخبّط ترامب يكشف حدود القوة.. من يفرض إيقاع الحرب بين واشنطن وطهران؟
بقلم د. محمد الايوبي
لم يعد من الممكن قراءة ما يجري في الشرق الأوسط بوصفه مجرد “تصعيد” تقليدي بين قوتين متخاصمتين. نحن أمام تحوّل نوعي في شكل الصراع، حيث تتداخل الأدوات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية، ويتقدّم التفاوض على إيقاع النيران، لا على أنقاضها.
في هذا السياق، لم يعد السؤال متى تنتهي الحرب، بل من يمتلك القدرة على إدارتها، ضبط إيقاعها، وفرض شروط نهايتها.
في قلب هذا المشهد، يبرز سلوك دونالد ترامب كأحد أكثر العناصر إثارة للجدل، ليس فقط بسبب حدّة قراراته، بل بسبب التناقض البنيوي في هذه القرارات. فمن إعلان “تحقيق الأهداف” إلى التلويح بضرب منشآت الطاقة، ومن التهديد بالتصعيد الشامل إلى منح مهلة لخفض التوتر، يتبدّى أن واشنطن لم تعد تتحرك وفق استراتيجية متماسكة، بل ضمن حالة من إدارة الأزمة تحت ضغط الوقائع.
من “الحسم السريع” إلى حرب الاستنزاف
عندما بدأت المواجهة، كانت الرهانات الأمريكية قائمة على نموذج “الضربة الحاسمة”: توجيه ضربات نوعية للبنية العسكرية الإيرانية، وفرض واقع ردعي يُجبر طهران على التراجع أو الانخراط في مفاوضات بشروط أمريكية. لكن ما حدث فعلياً هو العكس.
فبدل الحسم، دخلت الحرب مرحلة استنزاف متدرّج. وبدل فرض الإيقاع، وجدت واشنطن نفسها تلاحق ردود الفعل الإيرانية. وهنا تحديداً، يظهر التحول الأهم: لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لتحقيق أهداف سياسية.
تشير المعطيات إلى أن أسعار النفط ارتفعت بنحو 40% منذ بداية التصعيد، وهو رقم كفيل وحده بتفسير جزء كبير من السلوك الأمريكي. فهذه الزيادة لم تضغط فقط على الأسواق العالمية، بل وضعت الإدارة الأمريكية أمام تحدٍ داخلي حقيقي، حيث تتقاطع السياسة الخارجية مع الحسابات الاقتصادية والانتخابية.
استهداف البنية التحتية: تصعيد أم اعتراف بالعجز؟
التحول في بنك الأهداف من المواقع العسكرية إلى منشآت الطاقة في أصفهان وخرمشهر لم يكن تفصيلاً عابراً. هذا القرار يعكس انتقال الصراع إلى مستوى مختلف: استهداف “القدرة على الاستمرار”، أي العمود الفقري الاقتصادي للدولة. لكن هذا النوع من الاستهداف يحمل مفارقة استراتيجية واضحة. فعلى المدى القصير، قد يحقق تأثيراً ملموساً، لكنه على المدى المتوسط يفتح الباب أمام ردود مماثلة، ويؤسس لما يمكن تسميته “حرب البنى التحتية”. وهنا تظهر معادلة جديدة: الطاقة مقابل الطاقة. أي أن أي ضربة أمريكية أو “إسرائيلية” لمنشآت الطاقة الإيرانية، ستقابل برد يستهدف منشآت مماثلة في الطرف الآخر أو لدى حلفائه. هذه المعادلة ترفع سقف المخاطر إلى مستوى غير مسبوق، حيث يصبح الاقتصاد ذاته ساحة حرب مفتوحة.
إيران: إدارة الزمن كأداة استراتيجية
في مقابل هذا الارتباك الأمريكي، تبدو الاستراتيجية الإيرانية أكثر اتساقاً. فطهران لا تسعى إلى حسم سريع، بل إلى إدارة الصراع ضمن سقف محسوب، بحيث يتحول عامل الوقت إلى أداة ضغط.
يمكن تلخيص المقاربة الإيرانية بثلاث نقاط رئيسية:
• إطالة أمد الصراع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
• توزيع الضغط عبر أدوات متعددة: عسكرية، اقتصادية، ونفسية.
• تراكم الأوراق التفاوضية مع كل يوم إضافي من المواجهة.
هذا ما يفسر طبيعة الردود الإيرانية، التي لا تأتي بالضرورة على شكل ضربات مكثفة، بل ضمن استراتيجية استنزاف متدرّجة، تهدف إلى إبقاء الخصم في حالة ضغط دائم. تصريحات محسن رضائي تعكس هذا التوجه بوضوح، حين ربط إنهاء الحرب برفع العقوبات وتعويض الخسائر، ما يعني أن الحرب تُستخدم كوسيلة لإعادة تشكيل شروط التفاوض، لا كغاية بحد ذاتها.
التناقض الأمريكي: بين التصعيد والبحث عن مخرج
يظهر التناقض في سلوك ترامب ليس كحالة ظرفية، بل كأزمة بنيوية في إدارة الحرب نفسها. فالإدارة الأمريكية لم تعد تتحرك ضمن تسلسل منطقي (تصعيد → ضغط → تفاوض → تسوية)، بل ضمن مسارات متوازية ومتصادمة في آن واحد.
فمن جهة، تُطرح مهلة الخمسة أيام لتجميد استهداف منشآت الطاقة، وهو قرار يحمل دلالات اقتصادية واضحة، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار النفط بنحو 40%، وما تبعه مباشرة من تراجع جزئي بعد التصريح. ومن جهة أخرى، تؤكد التسريبات أن العمليات العسكرية ضد الأهداف الباليستية والبحرية ستستمر، ما يعني أن “التهدئة” ليست سوى إعادة توزيع للضغط، لا تخفيفاً له. الأهم من ذلك، أن الحديث عن “محادثات مثمرة” يتناقض مع النفي الإيراني الرسمي لأي قنوات تفاوض مباشرة أو غير مباشرة إنما كانت رسائل بشكل غير مباشر من قنوات دبلوماسية مثل باكستان. هذا التباين لا يعكس فقط فجوة في الرواية، بل يكشف أن واشنطن تستخدم خطاب التفاوض كأداة ضغط نفسي واقتصادي، أكثر منه مساراً سياسياً فعلياً.
حتى فكرة اللقاء المحتمل بين جي دي فانس ومحمد باقر قاليباف لا يمكن فصلها عن هذا السياق. فهي لا تشير إلى اختراق دبلوماسي، بل إلى محاولة اختبار النوايا وفتح قنوات خلفية، خصوصاً مع وجود شخصيات مثل كوشنير وويتكوف في واجهة الاتصالات. بعبارة أدق: واشنطن لا تمتلك استراتيجية خروج، بل تدير الوقت بحثاً عن مخرج.
“إسرائيل”: بين التصعيد والقلق الوجودي
في الظاهر، تبدو حكومة بنيامين نتانياهو الأكثر اندفاعاً نحو توسيع الحرب، خصوصاً في ما يتعلق باستهداف البرنامج النووي والبنية التحتية الإيرانية. لكن هذا الاندفاع لا ينبع من فائض قوة، بل من إدراك عميق بأن مسار الاستنزاف الحالي لا يعمل لصالحها.
فـ “إسرائيل” تواجه لأول مرة تراكب ثلاث ضغوط متزامنة:
• ضغط ميداني مباشر: صواريخ متكررة تضرب العمق، مع تزايد الاختراقات.
• ضغط نفسي داخلي: تعطّل الحياة اليومية، وتراجع الثقة بمنظومات الدفاع.
• ضغط سياسي: غياب أفق واضح للحسم، مع تآكل صورة “الجيش الذي لا يُقهر”.
لذلك، فإن الدفع نحو ضرب منشآت الطاقة الإيرانية لا يعكس رغبة في التصعيد فقط، بل محاولة لكسر هذا الجمود وإعادة تعريف قواعد الاشتباك، حتى لو كان ذلك عبر مخاطرة عالية. لكن المفارقة هنا خطيرة: كلما اندفعت “إسرائيل” نحو التصعيد، اقتربت أكثر من سيناريو فقدان السيطرة.
الصواريخ الإيرانية: من السلاح إلى استراتيجية إدارة الحرب
التحول في استخدام الصواريخ الإيرانية لا يمكن فهمه كتكتيك عسكري فقط، بل كجزء من عقيدة إدارة الصراع. فطهران لا تستخدم الصواريخ لتحقيق “ضربة قاضية”، بل لتحقيق ثلاثة أهداف متراكمة:
• كسر الإيقاع: منع الخصم من تثبيت نمط عملياتي مستقر.
• استنزاف الدفاعات: إجبار منظومات الاعتراض على العمل المستمر، ما يرفع الكلفة ويزيد احتمالات الخطأ.
• نقل المعركة إلى الداخل: تحويل الجبهة الداخلية إلى عنصر ضغط استراتيجي.
ما حدث في “عراد” يندرج ضمن هذا الإطار. فاختراق واحد لا يُقاس بحجمه التدميري فقط، بل بقدرته على ضرب الثقة. وفي حروب الردع، الثقة أهم من السلاح نفسه. بالتالي، يمكن القول إن إيران نجحت في تحويل الصواريخ من أداة ردّ إلى أداة إدارة زمن الحرب.
الاقتصاد العالمي: ساحة الاشتباك الحقيقية
الرهان الأمريكي على “تجميد ضرب منشآت الطاقة” لمدة 5 أيام لا يمكن فصله عن توقيت الأسواق. نحن أمام تداخل مباشر بين القرار العسكري وإيقاع بورصات النفط.
فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، لم يعد مجرد ممر جغرافي، بل أصبح أداة ضغط سيادية بيد إيران. ومع التلويح المستمر بإغلاقه أو فرض رسوم عبور، تتحول المعركة إلى صراع على التحكم بسوق الطاقة العالمية.
التصريح الإيراني بأن موقفهم من المضيق “لم يتغير يحمل رسالة واضحة: النفط جزء من المعركة، وليس مجرد نتيجة لها.
وهنا تتكشف معضلة واشنطن:
• استمرار التصعيد يعني ارتفاع الأسعار
• التهدئة تعني الاعتراف الضمني بعدم القدرة على الحسم
أي أن الولايات المتحدة عالقة بين خيارين كلاهما مكلف.
الوساطات: هندسة التهدئة لا صناعتها
ما يجري على خط الوساطات لا يمكن قراءته كحراك تقليدي لوقف الحرب، بل كعملية “إدارة انهيار محتمل”. دخول أطراف مثل مصر وتركيا وباكستان وعُمان وقطر، إلى جانب فرنسا وبريطانيا، لا يعكس تقدّماً نحو اتفاق، بل إدراكاً متزايداً بأن الصراع خرج عن نطاق السيطرة الثنائية بين واشنطن وطهران.
هذه الدول لا تتدخل لأنها تملك حلولاً، بل لأنها تخشى الكلفة. فكل طرف من هؤلاء مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بثلاث دوائر خطر:
• أمن الطاقة (خصوصاً مع تهديد مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي)
• استقرار الأسواق (الارتفاع الذي بلغ 40% ليس رقماً عابراً، بل مؤشر أزمة)
• الارتدادات الأمنية (توسّع الاشتباك إلى ساحات أخرى)
لكن الأهم أن هذه الوساطات لا تتعامل مع “جذور الصراع”، بل مع “أعراضه”، أي أنها تحاول:
• منع ضرب منشآت الطاقة بدل إنهاء الحرب
• ضبط قواعد الاشتباك بدل حل النزاع
• تأمين الملاحة بدل إعادة تعريف السيادة
وهنا تكمن المعضلة: الوسيط يتحرك في منطقة لا يملك فيها قراراً، بل فقط قدرة على التأخير. فأمريكا لا تريد فقط تهدئة، بل إعادة صياغة توازن القوة، بينما إيران لا تريد فقط وقف الحرب، بل ضمانات استراتيجية طويلة الأمد (رفع عقوبات، اعتراف، ردع متبادل). وهذا يعني أن الوساطات، مهما نشطت، تبقى محكومة بسقف منخفض: إدارة التوتر… لا إنهاؤه.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
النسب (60% – 25% – 15%) ليست مجرد تقدير، بل تعبير عن طبيعة الصراع نفسه، كحرب “مفتوحة ولكن مضبوطة”.
1. التصعيد المضبوط (60%) – السيناريو المرجّح
هذا السيناريو يقوم على استمرار الضربات، لكن ضمن “سقف غير معلن”. أي: (ضربات دون استهداف شامل للبنية التحتية – ردود محسوبة دون كسر الخطوط الحمراء الكبرى – إبقاء قنوات خلفية مفتوحة)
لماذا هذا السيناريو هو الأقرب؟ لأن كل الأطراف تدرك أن: (الحرب الشاملة = خسارة للجميع. لكن التراجع الكامل = خسارة سياسية أكبر). بالتالي، يتم “إطالة الحرب” بدل حسمها.
2. التسوية المؤقتة (25%) – هدنة بلا حل
هذا السيناريو لا يعني اتفاقاً حقيقياً، بل: (وقف استهداف منشآت الطاقة – إعادة فتح جزئي للملاحة في هرمز – تخفيف محدود للعقوبات). لكن جوهر الصراع يبقى كما هو.
أي أننا أمام: هدنة لإعادة التموضع… لا نهاية للحرب.
3. الانفلات الواسع (15%) – السيناريو الأخطر
هذا السيناريو لا يأتي بقرار سياسي، بل بخطأ: (ضربة تصيب منشأة حساسة جداً – سقوط عدد كبير من الضحايا -أو إغلاق فعلي لمضيق هرمز). وهنا يتحول “التصعيد المضبوط” إلى حرب إقليمية مفتوحة. الخطورة أن هذا السيناريو، على الرغم من ضعفه، هو الأكثر تأثيراً: خطأ واحد قد ينسف كل الحسابات.
إعادة تعريف النصر
في الحروب التقليدية، النصر واضح: أرض تُحتل، جيش يُهزم، نظام يسقط. لكن في هذا النموذج الجديد، النصر أصبح “وظيفياً” لا “ميدانياً”. كما يروج لها ترامب.
أي أن الطرف المنتصر هو من: (يصمد أكثر – يتحمّل كلفة أطول – ويفرض شروط التفاوض في النهاية)
وفق هذا المعيار:
• واشنطن لم تحقق هدفها الأساسي (الحسم أو الردع الكامل أو إسقاط نظام)
• طهران لم تنتصر عسكرياً، لكنها: (امتصّت الضربة – حافظت على بنيتها – وفرضت معادلة ردع).
وهنا يظهر التحول الأخطر: النصر لم يعد في إنهاء الحرب… بل في إدارتها.
وفي هذا الميزان، يبدو أن تخبّط ترامب لم يعد مجرد تفصيل سياسي، بل مؤشر على تحوّل أعمق: تحوّل من مرحلة الهيمنة إلى مرحلة إدارة التراجع. وهنا، لا تكون الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة إعادة كتابة لقواعد القوة نفسها. لذلك، فإن السؤال لم يعد: من ينتصر؟ بل: من يفرض شكل النهاية؟ وفي هذه المرحلة تحديداً، يبدو أن: من يدير الوقت… يقترب من فرض الشروط.
