الغزو البري لإيران: خارك في دائرة الاطماع الأمريكية
بقلم ابتسام الشامي
على مشارف شهر جديد من العدوان الأمريكي الاسرائيلي على الجمهورية الاسلامية، تتجه الانظار إلى جزيرة خارك الإيرانية التي تبدو مهددة بالغزو البري الأمريكي لا من باب الضغط على إيران لإجبارها على اعادة فتح مضيق هرمز فحسب وانما لأهميتها كأحد أهم طرق تصدير الطاقة في إيران.
أطماع تاريخية بالجزيرة الاستراتيجية
بعد نحو أربعة أسابيع على بداية العدوان على الجمهورية الاسلامية الإيرانية، يلازم الفشل الولايات المتحدة الأمريكية وكيان العدو وشركائهما، في تحقيق الأهداف عالية السقف الموضوعة للحرب. فبعد الضربة الافتتاحية التي استهدفت القيادة وفي مقدمها، قائد الثورة الاسلامية الإمام السيد علي الخامنئي، وما تلاها من ضربات للمواقع الحيوية في إيران، لم تهتز أركان النظام الاسلامي كما توهم المعتدون، وإنما بادر الحرس الثوري إلى الرد على مصادر العدوان، في الكيان الغاصب، والقواعد العسكرية الأمريكية في دول الجوار. ومع توسيع دائرة الرد والارتقاء بمستوى الضربات، أحبطت طهران مفاعيل العدوان، وأضعفت ادّعاءات واشنطن وتل أبيب بتحقيق إنجازات كبيرة في الحرب بما فيها ضرب الذراع الصاروخية الطويلة للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
فشل قوى العدوان في تغيير النظام وفي تقييد قدرة إيران على الرد، أربكت خططهم العسكرية ودفعتهم إلى مستوى أعلى من التصعيد المحفوف بدوره بمستوى أعلى من المخاطر، وبعدما فشل الرئيس الأمريكي في تأمين حشد عسكري غربي لفتح مضيق هرمز المغلق جزئياً أمام حركة سفن الدول المعادية لإيران، ارتقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب درجة في التصعيد مهدداً بغزو جزيرة خارك واحتلالها. وبعد مرور نحو أسبوعين من بداية العدوان، صرح ترامب بأن الجيش الأمريكي قصف “كل هدف عسكري” على الجزيرة، وهدد بمهاجمة بنيتها التحتية النفطية إذا استمرت إيران في منع السفن من عبور مضيق هرمز.
وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي يستخدم التهديد بغزو الجزيرة كورقة ضغط لفتح مضيق هرمز، إلا أن أطماعه في الجزيرة تسبق اللحظة السياسة القائمة بما فيها الإغلاق الجزئي للمضيق بنحو أربعين عاماً. فقد سبق لترامب نفسه أن هدّد بدخول الجزيرة والاستيلاء عليها عام 1988، عندما استطاعت الجزيرة تجاوز ما تعرضت له من ضربات في إطار الحرب العراقية المفروضة على إيران بدفع مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية. ومع قدرة الجزيرة على امتصاص تداعيات العدوان، برزت أفكار أمريكية حول إمكانية استخدام السيطرة على الجزيرة كورقة ضغط استراتيجية. و “في مقابلة مع صحيفة الغارديان، دعا رجل الأعمال الأمريكي آنذاك، دونالد ترامب، إلى احتلال “خارك” والاستيلاء على منشآتها النفطية بما قد يمنح الولايات المتحدة القدرة على الضغط على إيران عبر التحكم بصادراتها النفطية. وعلى الرغم من أن تلك التصريحات صدرت من خارج المؤسسات الرسمية الأمريكية، فإنها عكست تصوراً استراتيجياً قائماً على فكرة أن السيطرة على عقدة الطاقة الأساسية يمكن أن تشكل وسيلة فعالة للتأثير في الاقتصاد الإيراني”(1).
جزيرة خارك الموقع والأهمية
وبين الماضي والحاضر بقيت الجزيرة الإيرانية في دائرة الأطماع الأمريكية وهو ما يؤشر إلى أهميتها ومكانتها في التخطيط الاستعماري الأمريكي للسيطرة على منابع الطاقة وممراتها، وبهذا المعنى فإن جزيرة خارك تُعد من إحدى أهم الجزر الإيرانية الواقعة في الخليج الفارسي. تتميّز الجزيرة الإيرانية الواقعة على بعد نحو 55 كيلومتراً شمال شرقي ميناء بوشهر، بموقعها البحري القريب من السواحل الإيرانية. اذ تُقدر المسافة الفاصلة بينها وبين مدينة بوشهر بنحو 57 كيلومتراً غرباً، كما تبعد نحو 15 ميلاً بحرياً عن البرّ الرئيسي لإيران.
وتنتمي الجزيرة التي لا تتجاوز مساحتها الـ 22 كيلومتراً مربعاً، إلى الجزر المرجانية في الخليج ما يمنحها طبيعة جيولوجية مميزة مقارنة ببعض الجزر الصخرية الأخرى في المنطقة.
أما على المستوى الاستراتيجي ربطاً بالطاقة فإنها تُعدّ حجر الزاوية في صادرات النفط الإيرانية، إذ يمر عبرها نحو 90% من إجمالي صادرات البلاد النفطية، بما يعادل قرابة 950 مليون برميل سنوياً، وتُقدّر السعة التخزينية في الجزيرة بنحو 30 مليون برميل، ووفقاً لتقرير نشرته وكالة “رويترز” نقلاً عن شركة “Kpler” المتخصصة في بيانات التجارة، فإن الجزيرة تضم حالياً مخزوناً من النفط الخام يبلغ حوالي 18 مليون برميل. ومع هذه الأرقام فإن جزيرة خارك تعتبر ببنيتها التحتية الشريان الحيوي للنفط الإيراني. وهو ما يفسر بالتالي اندفاعة ترامب لغزوها واحتلالها وفق ما عكسته تصريحاته وتصريحات المسؤولين في إدارته.
مؤشرات العدوان
في هذا الإطار نقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين أمريكيين قولهم، إن الرئيس الأمريكي لا يستبعد إمكانية إنزال قوات أمريكية على الأراضي الإيرانية.
مشيرين إلى أن الاستيلاء على جزيرة خارك الاستراتيجية من بين الخطط التي تدرسها إدارة ترامب. وبالموازاة مع هذا التمهيد السياسي والإعلامي للخطة، أصدر البنتاغون أوامر بنشر ألفي جندي مظلي من الفرقة 82 المحمولة جواً في الشرق الأوسط، وفقاً لما أفاد به مسؤولون أمريكيون لواشنطن بوست، في وقت تقترب فيه من المنطقة 3 سفن حربية تحمل 4500 جندي أمريكي. وبحسب الصحيفة ذاتها فإن واشنطن وافقت على أوامر خطية لجنود من لواء القتال الأول التابع للفرقة، ومن مقر قيادة الفرقة 82 في فورت براغ بولاية كارولاينا الشمالية.
تحذيرات من الإقدام على الغزو
التخطيط لاحتلال الجزيرة الإيرانية بهدف خنق الاقتصاد الإيراني، يقابله تحذيرات من تداعياته على الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في المنطقة، ومن مغبة أن يؤدي ذلك إلى مزيد من التورط بما يصعب معه الخروج من المأزق. في هذا الإطار، أشار إيلان غولدنبيرغ، نائب الرئيس الأول وكبير مسؤولي السياسات في مؤسسة “جيه ستريت”، إلى أن الصراع القائم اليوم، يمثل نسخة مختلفة من المستنقع الذي عانت منه واشنطن في أفغانستان والعراق وفيتنام، حيث تكبّدت الولايات المتحدة تكاليف باهظة على الصعيد الاقتصادي والبشري، ولم تحقق أهدافها السياسية بشكل حاسم. ويوضح غولدنبيرغ في مجلة فورين أفيرز، أن الاختلال في موازين القوى يصب في صالح الطرف الأضعف، إذ يمكن لإيران تحقيق “نصر” بمجرد البقاء وإلحاق خسائر محدودة لكنها مؤثرة بالاقتصاد العالمي والأسواق النفطية.
بدوره كشف سام كيلي، محرر الشؤون الدولية في صحيفة إندبندنت، عن حدود القوة الأمريكية عندما منح ترامب فترة “توقف” لمدة 5 أيام عن تهديد تدمير نظام الطاقة الإيراني. وأضاف كيلي أن هذا التوقف منح ترامب فرصة لإعادة التفكير في كيفية الخروج من المأزق الذي وضعته له طهران، وهو مؤشر واضح على أن القوة الأمريكية ليست مطلقة كما يفترض ترامب. وردت إيران، وفقاً لكيلي، على تهديد ترامب بشكل مدروس، مؤكدة أن أي هجوم على منشآتها سيواجه رداً مماثلاً، سواء على محطات الطاقة أو مضيق هرمز أو المنشآت الحيوية لدول المنطقة.
وتحدد مجلة الإيكونيميست أربعة خيارات أمام ترامب، وتصفها جميعها بالسيئة وهي: الحوار، أو الانسحاب، أو الاستمرار في الحرب، أو التصعيد. وفي ما يخص الهجوم على جزيرة خارك، الممر الرئيسي لصادرات النفط الإيراني، تقول الصحيفة إن ذلك ينطوي على مخاطر عالية، إذ قد يؤدي إلى تصعيد إيراني يعطّل الأسواق العالمية، كما أظهرت الردود الإيرانية على الضربات السابقة في حقل غاز جنوب فارس.
خاتمة
يتعمق المأزق الأمريكي الإسرائيلي في إيران مع توالي فشل واشنطن وتل أبيب في إخضاع الجمهورية الإسلامية وليِّ ذراعها، وإذ تواصل طهران ردها المشروع على العدوان فإن خطوة الغزو البري المتوقعة من شأنها أن تكون محطة فاصلة في تعميق المأزق وتدفيع المعتدين ثمن مغامراتهم.
