11 عاماً من عدوان بلا حسم.. المستنقع الكبير للسعودية في اليمن
بقلم نوال النونو
تفضي قراءة مسار العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي على اليمن الذي بدأ في 26 مارس 2015م إلى نتيجة مركزية مفادها أن الأعداء ارتكبوا حماقة كبيرة وخسروا معركتهم في اليمن، لكن السعودية لا تزال تكابر ولا تريد النزول من الشجرة.
ومع بدء الغارات الإجرامية المكثفة على صنعاء وعموم المحافظات اليمنية، كان المدنيون في صدارة الأهداف، وكذلك الطرقات، والأسواق، والمستشفيات، والجامعات، والمدارس، والمساجد، والآثار، وكل مقومات الحياة، حتى المقابر لم تسلم من العدوان، وكان قادة العدوان يعتقدون أن الطريق مفروشاً بالورود، وأن أمامهم أسابيع للقضاء على “الحوثيين” وإعادة السلطة إلى الهارب عبد ربه منصور هادي.
وأمام هذا الاستعلاء سجلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية موقفاً استثنائياً، حيث كانت الدولة الوحيدة في العالم التي أدانت العدوان ووقفت ضده، وقد تنبأ يومها الشهيد الأسمى المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله السيد علي الخامنئي بأن العدوان السعودي الأمريكي على اليمن لن يحقق الانتصار في هذه المعركة، معتبراً أن السعودية “ارتكبت خطأً كبيراً بالعدوان على اليمن”، ووصف الحرب بأنها “بدعة سيئة في المنطقة”.
وأشار السيد الخامنئي – رضوان الله عليه – إلى أن إدارة الحرب افتقرت للعقلانية بقوله: “إن من يقودها “شبان عديمو الخبرة طغى عليهم التوحش على العقلانية”، متسائلاً: “لماذا تستمرون في حرب تدركون أنه لا يمكنكم الانتصار فيها؟”.
ويدفعنا تساؤل شهيد الأمة السيد سماحة السيد علي الخامنئي إلى تكراره مرة أخرى وبعد مرور 11 سنة من العدوان الأمريكي السعودي على اليمن: ما الذي يدفع السعودية على الاستمرار في حصارها وحربها على اليمن على رغم ادراكه باستحالة تحقيق الانتصار، وعلى الرغم من انسحاب وتفكك التحالف بأكمله، ولم يتبق سوى المملكة؟.
أهداف لم تتحقق
وانطلقت العمليات العسكرية العدوانية على اليمن في البداية ضمن “عاصفة الحزم” مع تحديد جملة من الأهداف، ومنها إعادة شرعية عبد ربه منصور هادي، ومحاربة المد الإيراني في اليمن، غير أن الهدف الأبرز من العدوان كان للقضاء سريعاً على ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر التي انتصرت سنة 2014م وقضت على النفوذ الأمريكي والسعودي في اليمن، وأعادت للقرار اليمني حريته واستقلاله، ومع ذلك فإن الأهداف الرئيسية للعدوان السعودي على اليمن لم تتحقق، فعبد ربه منصور هادي أصبح جزءاً من الماضي، وتحت الإقامة الجبرية السعودية، ومحاربة إيران في اليمن أصبحت كذلك من الماضي، ولا سيما هذه الأيام، حيث تزعم دول الخليج أن إيران تعتدي عليها، ومع ذلك تلتزم الصمت ولا تمتلك الشجاعة في الرد إن صح ذلك، مع أن الضربات الصاروخية الإيرانية تنكل بالقواعد الأمريكية في دول الخليج.
وفيما يتعلق بالبُعد الاستراتيجي المتصل بحماية الممرات البحرية، وخاصة مضيق باب المندب، فقد تحول اليمن بعد 11 سنة من العدوان عليه إلى أهم لاعب في المنطقة، وقرار فتح أو اغلاق المضيق لا يمتلكه أحد سوى اليمنيين، ومن هنا أخفقت السعودية في تحقيق أهدافها المباشرة وغير المباشرة، الظاهرة أو الخفية من العدوان على اليمن.
أمة عظيمة لا تقهر
وبدأ العدوان السعودي على اليمن بتكثيف الغارات وارتكاب الجرائم المروعة ضد المدنيين، بهدف اجبار اليمنيين على الاستسلام ورفع الراية البيضاء، غير أن هذا الخيار كان خاطئاً، فقد أظهر الشعب اليمني قدرة غير مسبوقة على الصمود، وأثبت اليمن أنه أمة عظيمة لا تقهر أمام القصف، رغم أن عدد هذه الغارات زاد عن نصف مليون غارة، وبلغت عدد الشهداء والجرحى أكثر من 40 ألف مدني.
وانزلق العدوان بعد تكثيف غاراته إلى الدخول في المعركة البرية، معتقداً أنه سيحسم الأمر، وسيدخل صنعاء وبقية المحافظات بسلام، مستغلاً خيانة الكثيرين من أبناء هذا البلد الذين تحولوا إلى مرتزقة ووقود في المعاركة البرية، ومع ذلك انطلق أبطال الجيش واللجان الشعبية في مختلف الجبهات وبالإمكانات البسيطة، متحدين كل الإمكانات الهائلة للعدو، وبالشجاعة والاقدام والصمود تمكنوا من تكبيد العدو الخسائر الكبيرة، وحالوا دون تقدمهم في الميدان، حتى وصلوا إلى مرحلة العجز الكلي، والاقتناع التام بأن احتلال صنعاء هو من سابع المستحيلات.
الميدان معجزة الانتصارات
وعلى الرغم من جحيم الغارات السعودية على المحافظات اليمنية، والزج بمرتزقة العالم إلى ميدان المواجهة إلا أن أبطال الجيش واللجان الشعبية حققوا انتصارات عظيمة متتالية على الأعداء، وتحديداً منذ عام 2019، ومن أبرزها، عملية نصر من الله في 28 سبتمبر 2019، حيث كان من نتائجها سقوطُ ثلاثةْ ألويةْ عسكريةْ بكاملِ عتادِها العسكري ومعظمِ أفرادِها وقادتِها، واغتنام كمياتٍ كبيرةٍ من الأسلحةِ تضمُ مئاتِ الآلياتِ والمدرعات، ووقوعُ آلافٍ من قواتِ الجيش السعودي والتابعين له من المرتزقة اليمنيين في الأسرِ، ومن بينهم أعدادٌ كبيرةٌ من قادةِ وضباطِ وجنودِ الجيشِ السعودي.
وتوالت الانتصارات بعد ذلك، فجاءت عملية “البنيان المرصوص” في 29 يناير 2020م، وتحرير كافة مناطق نهم، وصولاً إلى اطباق الحصار على المرتزقة في مأرب، ثم جاءت عملية “ربيع النصر” في 24 أكتوبر 2021، وعملية “فجر الحرية” في 23 سبتمبر 2021 والتي كان من نتائجها تحرير محافظة البيضاء بالكامل.
وإلى جانب العمليات الميدانية، نفذت القوات المسلحة اليمنية عمليات نوعية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة استهدفت العمقين السعودي والإماراتي، ومن أبرزها عملية إعصار اليمن الأولى والثانية والثالثة التي استهدفت مطاري دبي وأبو ظبي ومصفاة النفط في المصفحة وقاعدة الظفرة الأمريكية، وعدداً من المواقع والمنشآت الإماراتية الهامة والحساسة.
وجاءت بعد ذلك عملية كسر الحصار الأولى والثانية والثالثة في مارس 2022، والتي استهدفت منشآت أرامكو في جيزان وأبها وجدة، وعدد من المواقع السعودية الحيوية في خميس مشيط وسامطة وظهران الجنوب، ومنشآت حيوية في الرياض بدفعة من الصواريخ المجنحة، الأمر الذي أجبر السعودية على الدخول في هدنة برعاية أممية أفضت إلى توقف السعودية والإمارات عن قصف اليمن بالطيران الحربي، مقابل توقف اليمن عن قصف العمقين السعودي والإماراتي بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية.
وعلى الرغم من كل ذلك، لا تزال السعودية تماطل في تطبيق خارطة الطريق التي تم الاتفاق عليها عام 2022، ومنها الالتزام في دفع تعويضات الحرب، والإفراج عن الأسرى، ودفع رواتب الموظفين اليمنيين، وانهاء احتلال المحافظات اليمنية، وهذا المسار من المماطلة قد يشعل الحرب من جديد، وإذا ما اندلعت فإن عواقبها ستكون وخيمة جداً على مملكة آل سعود.
