إقليميات

أي مستقبل لاتحاد الشغل أمام التحديات الداخلية والعولمة الليبرالية

بقلم توفيق المديني

من ناحية تاريخه النضالي، يُعًدُّ الاتحاد العام التونسي للشغل العمود الفقري لمنظمات المجتمع المدني في تاريخ البلاد التونسية، وهو ظاهرة فريدة من نوعها في الوطن العربي كله، حيث شارك في معركة التحرير الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، وكان تعبيراً عن الهوية الوطنية العربية الإسلامية للعمال بالفكر والساعد، وأسهم إسهاماً كبيراً في مناصرة القوى الوطنية المقاومة على صعيد المغرب العربي. ومنذ الاستعمار الفرنسي، كان الاتحاد العام التونسي للشغل منخرطاً في النضال ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني دفاعاً عن القضية الفلسطينية، والممثل المدني للشعب التونسي في مناهضة الصهيونية طيلة العقود الماضية.

كما يُعَدُّ الترابط الجدلي بين النضال الاقتصادي والاجتماعي والنضال السياسي أهم خاصية يتميز بها الاتحاد العام التونسي للشغل، ما يجعل انخراط هذه المنظمة المركزية للشغيلة في الفعل الوطني (السياسي) مسألة “محسومة” ماضياً وراهناً وربما مستقبلاً.

انعقاد المؤتمر الاستثنائي بين المعارضة الداخلية والعلاقة المتوترة مع السلطة التونسية

ينعقد المؤتمر الاستثنائي للاتحاد العام التونسي للشغل أيام 25 و26 و27 مارس 2026 بالمنستير، في ظروف صعبة ومعقدة داخلياً، وأزمة خارجية تتمثل في رفض سلطة الرئيس قيس سعيَّدْ التحاور مع المنظمة وتهميش دورها. ووفق اللوائح الداخلية للاتحاد كان يفترض أن يُعقد المؤتمر عام 2027 بعد انتهاء عهدة الخمس سنوات للمكتب التنفيذي الحالي المنتخب في فبراير/شباط 2022 برئاسة نور الدين الطبوبي، إلا أن بروز خلافات في القيادة النقابية من جهة وخلافات مع نقابيين سابقين وحاليين معارضين للمكتب الحالي دفعت إلى طرح تقديم تاريخ المؤتمر.

أولاً: الأزمة الداخلية

يعتقد الخبراء الملمون بالشأن النقابي التونسي، أنَّ مؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر نقابة عمالية بالبلاد) لا يُعدُّ فرصة لتجاوز أزمة الاتحاد الداخلية، لأنه لم تُتح الفرصة للنقاش حول أسباب الوضعية التي وصل إليها، ولم تُشكل لجان لدراسة الأزمة الحالية وأسبابها وما يلزم لحلها.

وُلِدَتْ المعارضات النقابية بشكلها المعروف اليوم، من ظلم “الفئة البيروقراطية النقابية” التي تتحكم في المركزية النقابية للاتحاد العام التونسي للشغل، كما تقول قياداتها، ولفظها لكل من يتجه عكس ما تذهب إليه، وأساساً فيما يتعلّق بتنقيح فصل من القانون الأساسي الذي يمنع أعضاء المكتب التنفيذي الترشح لأكثر من دورتين نيابيتين. فبعد تنقيح الفصل 10 من القانون الأساسي، وتغيير ترتيبه في القانون الأساسي الجديد إلى الفصل 20، والإفساح في المجال نحو إتاحة الترشح لمن شغل دورتين متتاليتين بالمكتب التنفيذي الوطني بعد حصرها في دورتين فحسب، الفصل 10 سابقاً 20 جديد، أنتجت معارضة تنقيحه اللبنة الأولى للمعارضة النقابيّة التي حولتها السنوات إلى معارضات تختلف في تصوّراتها وطرحها الرافض لما يعرف بالبيروقراطية النقابية.

ففي خضم الأزمة الحادة التي يعيشها الاتحاد العام التونسي للشغل، والتي بلغت حدَّ الانقسام  في الهياكل بداية من المركزية النقابية التي يصطفّ 5 من أعضائها وراء مطلب عقد مؤتمر استثنائي انتخابي في النصف الأول من السنة الحالية بمساندة عديد الهياكل، في مقابل 10 أعضاء ومسانديهم الرافضين لصيغة تطبيق مطلب عقد مؤتمر استثنائي الغير قانونية في تقديرهم، سرّعت المعارضة النقابية من تحركاتها الميدانية عبر اعتصام الثلاث أسابيع ببطحاء محمد علي والنقاشات داخلها لتوحيد رؤيتها وحلولها للأزمة في ظل صورتها الفسيفسائية الحالية. لا يعاني اتحاد الشغل من أزمة نقابية داخلية فحسب، بل يواجه أيضا أزمة فقدان الرأي العام الثقة في المنظمة التي أصبح يراها مؤسسة لتقسيم الغنائم، بسبب انتشار الفساد داخل قيادة البيروقراطية النقابية، وكوادرها.

ثانياً: الأزمة مع سلطة الرئيس سعيَّدْ

إضافة إلى الأزمة الداخلية، يعاني الاتحاد العام التونسي للشغل من أزمة خارجية مع سلطة الرئيس قيس سعيَّدْ، التي ترفض الحوار مع الاتحاد العام التونسي للشغل ليس لأنها ترغب في التواصل المباشر مع الشعب فقط، بل أيضا لأنها تطعن في مصداقية الاتحاد وشفافيته وتتهمه بالفساد.

بدأت خطوات الاتحاد العام التونسي للشغل في اتجاه تعميق المسافة بينه وبين الرئيس قيس سعيًّدْ من خلال تبنيه الطريق الثالث الذي أعلن عنه الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي، في اجتماع نظمه اتحاد الشغل في ساحة القصبة يوم 4 ديسمبر2021، عشية إحياء الذكرى 69 لارتقاء الزعيم الوطني، فرحات حشّاد، شهيداً، على أيدي عصابات المعمّرين المسلحة وبوليس الدولة الاستعمارية الفرنسية يوم 5 ديسمبر 1952. واعتبر أمين عام الاتحاد التونسي للشغل أنَّ “العديد من القرارات السياسية في تونس كانت متسرعة، وكان هناك سوء إدارة للمرحلة إلى أنْ جاءتْ الفرصة في 25 جويلية 2021″، في إشارةٍ إلى الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيَّدْ، مُشَدِّداً على “ضرورة التعلم من أخطاء ما قبل هذه المرحلة”.

وكان الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، استنكر ما سمّاه “الخطاب العدائي” للرئيس قيس سعيَّدْ، مستنكراً استخفاف الرئيس بمقترح “الخيار الثالث” الذي طرحه لحل الأزمة في البلاد. وكان الرئيس سعيَّدْ انتقد، في خطاب له في شهر ديسمبر 2021 مقترح الطريق الثالث الذي طرحه اتحاد الشغل، حيث قال “صار الحديث متواتراً عن صفٍ ثالثٍ، وإن أرادوا فليزيدوا صفاً رابعاً أو خامساً. أما الصف الوحيد الذي أنتمي إليه فهو صف الشعب وليس الاصطفاف مع من يريدون صناعة الصفوف ثم بعد ذلك الاصطفاف”.

وازدادت العلاقات توتراً بين سلطة الرئيس قيس سعيَّدْ والاتحاد العام التونسي للشغل خلال الزيادة الأخيرة في الأجور من طرف الحكومة بعد تضمينها في قانون المالية لسنة 2026 عبر فصل وُصف بالفصل السياسي الموجه ضدّ الاتحاد، زيادة لن تتجاوز نسبة الـ 4%، ما تعتبره قيادات الاتحاد سابقة غير منطقيّة تتضمّن كذلك الزيادة في أجور القطاع الخاصّ، مما يضرب السياسة التعاقدية في مقتل بعد أن مثلت عمود السلم الاجتماعية لعشرات السنوات بعقد مفاوضات دورية بين أطراف الإنتاج الثلاث، وفق ما افاد به للأجهزة الإعلام التونسية، الناطق الرسمي باسم اتحاد الشغل سامي الطاهري.

الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل المسؤول عن القطاع الخاصّ الطاهر المزّي، اعتبر خلال لقاء مع صحيفة نواة أن قرار السلطة إيقاف التفاوض كلياً مع هياكل الاتحاد، عبر مراسلة كتابية من التفقدية العامة للشغل، مخالف للدستور والاتفاقيات الدولية الممضاة من طرف الدولة التونسية، وهذه المخالفة لا يمكن ان تكون موقف إداري بل هو موقف سياسي بامتياز، يتجاوز هدفه عزل المنظمة، بل إلغاء الاتحاد ودور المنظمات عموما، لأن إلغاء التفاوض والحوار  يشمل كل المنظمات الأخرى الممثلة للأطراف الاجتماعية وبعض القطاعات وليس فقط الاتحاد العام التونسي للشغل.

اتحاد الشغل وخيار إنشاء حزب عمالي جديد

لا أعتقد أنَّ الاتحاد العام التونسي للشغل في ظل هذا المؤتمر الاستثنائي سيناقش قضيتين أساسيتين، وهما:

أولاً: مأزقه التاريخي المتعلّق بتركيبته الطبقية الداخلية وبنيَتِه التداولية، وفساد بيروقراطيته المتضخمة، وغياب ثقافة التنوير والانفتاح على سمة العصر الحديث لقيادته وكوادره، أن يتمكن من الخروج منه بجراحة ديمقراطية داخلية صعبة، وبتفكير سياسي جديد شامل في هندسته الطبقية الحالية.

 وثانياً: تَخلّيه عن الفئات الدنيا والفقيرة من الطبقات الوسطى، وهي أساساً الطبقات العمالية المرتبطة به في القطاع الخاص، التي تُرِكت لجشع رأس المال الداخلي والخارجي، وهي غير محظوظة داخل القاعدة الاجتماعية للاتحاد مقارنة بطبقات الموظفين المهيكلَة داخل الدولة والمرتبطة به مادياً عبر آليتي التفاوض والاقتطاع الآلي (آليتان معطّلتان حالياً).

فقد تحولت الفئات الدنيا والفقيرة من الطبقات الوسطى، وجمهور لا بأس به من المعطلين عن العمل، والعاملين في القطاعات غير المهيكلة ومستثمرين صغار ومتوسطين في مشاريع يتهددها الانهيار، والتي تخلت عنها الدولة وكذلك الاتحاد إلى حصن اجتماعيٍ جديدٍ مؤيدٍ لسلطة الرئيس قيس سعيَّدْ. وهي تؤيد شعارات “تطهير” الإدارة وتصفية البيروقراطيات النقابية والنخب السياسية التي تطلقها السلطات التونسية، بحكم وضعها الطبقي الهش وغير المهيكل والعشوائي، ولذلك هي أقرب عمليا ووجدانيا للسلطة، لا للاتحاد العام التونسي للشغل.

وهذا ما دفعني بالضرورة إلى التفكير في بديل عن الاتحاد الحالي يربط بين الاجتماعي والنقابي والسياسي والديمقراطي، لكي يتحول اتحاد الشغل إلى بناء حزب عمالي جديد، وهو ليس طريقا سهلا في ظل أوضاع اتحاد الحالية، ولكنه الطريق الوحيد نحو مستقبل آخر مغاير لمستقبل الانهيار والتآكل التدريجي الماثل أمامنا.

خاتمة

يُعَدُّ تأسيس حزب عمالي جديد في تونس يتبنى فلسفة الاشتراكية الديمقراطية ضرورة تاريخية، حتى لا يظل الشعب التونسي سجين الليبرالية الاقتصادية، بعد أن ارتهنت الحكومات التونسية المتعاقبة لإملاءات المؤسسات المالية الدولية المانحة، وبعد أن تخلت الدولة أيضاً عن دورها الاجتماعي، وفي ضوء تراجع المقدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والوسطى. وتؤيد وقائع تاريخ الاتحاد العام التونسي للشغل الحديث والمعاصر وجهة النظر هذه. ويُعَدُّ حزب العمال الجديد حزباً وطنياً ديمقراطياً تقدمياً، وهو امتداد أصيل لتيار الحداثة الوطنية التونسية المرتكزة على صون الهوية الوطنية الحداثية التونسية التي حفظت للدولة تماسكها منذ فجر الاستقلال، ويؤكد انتماء تونس الحضاري إلى الأمة العربية المنفتحة على الحداثة الكونية وقيمها، بكل منطوياتها الفكرية والسياسية والثقافية.

1- المواطنة والديمقراطية: يلتزم حزب العمال الجديد بمبدأ المواطنة أساساً للمساواة التامة في الحقوق والواجبات بين كل التونسيين، بغض النظر عن الدين أو العقيدة أو الأصل، ويؤكد تمسكه بالمدنية وأسسها والحداثة العقلانية، وليس ذلك ممكناً إلا بالديمقراطية الحقيقية التي تؤمن احترام الدستور وسيادة القانون وضمان الحريات العامة.

2- الوسطية الإيجابية: ينطلق حزب العمال الجديد من رؤية وسطية تتفق مع توجهات أغلب التونسيين وهي وسطية إيجابية تقوم على حرية المبادرة والمشاركة ورفض التطرف مهما كان مأتاه، وتتبنى مواقف الاعتدال في تحقيق التحول الاجتماعي الاقتصادي السياسي مع الحفاظ على التوازن بين مصلحة الفرد والمجتمع.

 3- المجتمع المدني: يؤكد حزب العمال الجديد على أهمية مكونات المجتمع المدني والعمل الجمعياتي، ويسعى إلى تفعيل دور المنظمات غير الحكومية في التنمية وذلك في إطار الشراكة بين المجتمع والدولة وتعزيز المسؤولية الاجتماعية للفرد وللجماعة ولرأس المال.

4- العلاقة الجدلية بين الدولة والمجتمع: إذ لا يوجد مجتمع من دون دولة ولا دولة من دون مجتمع، ويؤمن حزب العمال الجديد بأهمية دور الدولة راعية للمجتمع وحارسة لقيمه وأمينة على مقوماته وسلمه الاجتماعي. فمهمة الدولة هي أن تهيئ المناخ المناسب للتنمية وأن تحقق بقوة القانون وبالسياسات العامة توازناً لمصالح الفرد والمجتمع، وأن تساعد الفئات غير القادرة على تحقيق مطالبها الأساسية، وأن ترعى ذوي الاحتياجات الخاصة، وأن تتدخل اجتماعياً لحماية الأفراد والمجموعات. فمن حق المجتمع المدني مراقبة الدولة والمساهمة في أداء مهامها وتغييرها مدنياً نحو الأفضل بما يضمن الفرص المتكافئة أمام جميع المواطنين.

5- دور المرأة: يؤمن حزب العمال الجديد بأهمية دور المرأة باعتبارها أساس المجتمع ويسعى إلى تفعيل مشاركتها في الحياة العامة، ويدافع عن حقوق المرأة ومجلة الأحوال الشخصية وضرورة تطويرها، ويعمل على تبني سياسة تؤدى إلى مزيد تدعيم مكانتها اقتصادياً واجتماعياً وإلى تحفيزها على المشاركة السياسية بجميع أشكالها.

6- الشباب والمستقبل: يضع حزب العمال الجديد شابات تونس وشبابها الذين يمثلون النسبة الأكبر من الشعب التونسي في جوهر اهتمامه فهم أصل الثورة والمستقبل الواعد لتحقيق التنمية والتقدم، ويسعى إلى فتح الآفاق وإتاحة الفرص أمام الطاقات الشبابية الواعدة للمشاركة لدعم جهود التنمية، وتولّي المواقع القيادية في مختلف مجالات العمل الوطني.

7- العدالة والتنمية: يؤمن حزب العمال الجديد بالدور الفعّال للدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية، ومراقبة التوزيع العادل للعائدات الاقتصادية في ظل آليات اقتصاد السوق الاجتماعي بما يكفل تحقيق أكبر قدر من العدالة في توزيع الدخل والثروة بين جميع فئات الشعب وتحقيق أهداف التنمية المتواصلة.

ويسعى حزب العمال الجديد إلى تقوية الروابط الاقتصادية مع الخارج ضمن ثلاثة محاور أساسية: المحور العربي والإفريقي، والمحور الأورو-متوسطي، والمحور الدولي. وذلك من خلال التحرير التدريجي والمراقب للتبادل التجاري وهو شرط أساسي لتحقيق التنمية المتضامنة، وإدخال قطاع الإنتاج التونسي في المنافسة العالمية، وجذب الاستثمارات بما يساعد على تحقيق أهداف التنمية.

8- الخدمات العامة: يرى حزب العمال الجديد، انطلاقاً من إيمانه بالمسؤولية الاجتماعية للدولة، أنَّ تقديم الخدمات العامة يُعَدُّ التزاماً أساسياً من أجل تحسين الظروف المعيشية للمواطنين، فأفضل أسلوب لتقديم الخدمات العامة يكون عن طريق الإدارة الاقتصادية في ظل رقابة الدولة عليها، سواء قامت بتقديمها الهيئات أو الشركات العامة أو مؤسسات القطاع الخاص، وبما يؤدي إلى تحديث الأجهزة الخدمية ورفع مستويات أدائه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *