إقليميات

حين تسقط الهيبة العسكرية الأمريكية.. يبدأ ترامب بتصنيع “الانتصار” في البيانات

بقلم زينب عدنان زراقط

حيث لم يعد بالإمكان إخفاء التراجع خلف عناوين دبلوماسية فضفاضة، ولا تسويق الانسحاب على أنه إنجاز. هذه الجملة لا تقرأ حدثاً منفصلاً، بل تكشف نمطاً متكرراً في السلوك الأمريكي، يقوم على إعادة صياغة الفشل بلغة “التفاوض”، وتقديم الهروب على أنه ترتيب سياسي.

هذا النمط لا يظهر فقط في الملف الإيراني، بل يتكرر بوضوح أكبر حين ننظر إلى التجربة اليمنية، حيث سقطت الهيبة العسكرية أمام إرادة صلبة لم تكن في حسابات القوى الكبرى. في اليمن، تكررت القصة بشكل أكثر وضوحاً؛ الحرب التي بدأت تحت عنوان عاصفة الحزم قُدمت كعملية سريعة وحاسمة، لكنها تحولت إلى واحدة من أطول الحروب وأكثرها كلفة وتعقيداً. وعلى الرغم من سنوات القصف والحصار، لم تنهَر الدولة ولا المجتمع، بل حدث العكس تماماً، إذ استطاع اليمنيون تطوير قدراتهم بشكل لافت، حتى وصلوا إلى استهداف أرامكو – السعودية، في ضربة هزّت التوازنات وكشفت هشاشة منظومات يُعتقد أنها منيعة.

وفي هذا السياق، تتضح الصورة أكثر من خلال ما قاله القيادي في أنصار الله نصر الدين عامر، حين أشار بوضوح إلى تجربة مباشرة مع الإدارة الأمريكية، قائلاً: “نحن في اليمن لدينا تجربة مع ترامب الكاذب، عندما أراد الهروب من معركة البحر الأحمر ادّعى كذباً وزوراً بأننا طلبنا منه التوقف وأننا تفاوضنا واتفقنا معه، والحقيقة أنه لم يكن هناك أي اتفاق إطلاقاً، فقرر الهروب بعد الفشل وأعلن أموراً كاذبة لم تحدث إطلاقاً، فقط ليعطي نفسه مبرراً للهرب”.

هذه الشهادة لا تُقرأ كتصريح سياسي عابر، بل كدليل على آلية متكررة: حين تفشل القوة العسكرية في فرض واقعها، يُعاد إنتاج المشهد عبر خطاب سياسي يُخفي الهزيمة ويمنحها شكل “اتفاق”. وهنا يلتقي المشهد اليمني مع العبارة الصادرة من طهران، ليشكّلا معاً صورة واحدة: الفشل في الميدان لا يُعترف به، بل يُعاد تدويره، والتراجع لا يُعلن، بل يُقدّم كخيار استراتيجي.

بهذا المعنى، لا تعود عبارة “ترامب يتفاوض مع نفسه” مجرد توصيف ساخر، بل تصبح مفتاحاً لفهم سلوك سياسي كامل، يتكرر من ساحة إلى أخرى، من الخليج إلى اليمن، حيث لا تتغير الأدوات كثيراً، لكن تتغير الأسماء والعناوين، بينما تبقى الحقيقة واحدة: حين تسقط الهيبة العسكرية، يبدأ تصنيع “الانتصار” في البيانات.

فكيف تحولت الجمهورية الإسلامية – إيران – من دولة محاصَرة منذ عقود إلى قوة قادرة على فرض معادلات ردع جديدة في وجه الولايات المتحدة وإسرائيل وكشفت زيف الرواية الغربية حول برنامجها النووي؟.

وفي المقابل، لماذا لم تتعلم دول الخليج من تجاربها السابقة، من حرب العراق إلى اليمن، واستمرت في الارتهان للحماية الأمريكية دون أن تكون شريكةً في صُنع القرار، بل مجرد أدوات ضمن مشروع أكبر استُغلّت فيه أراضيها وثرواتها؟.

إيران من الحصار إلى الاكتفاء الذاتي والقيادة

هذه إيران التي تُشنّ عليها الحروب وتفرض عليها العقوبات منذ انتصار ما يُعرف بـ “الثورة الإسلامية”، دولةٌ جُرِّدت من كل قنوات الدعم الخارجي، حتى باتت كل قدراتها ومقدراتها قائمة على الداخل وحده. سبعة وأربعون عاماً وهي ممنوعة – حرفياً لا مجازاً – من استيراد “مسمار” من الخارج، ومع ذلك لم تنكفئ، بل اتجهت طاقاتها الشبابية بكاملها نحو التعلم، خصوصاً في مجالات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا. نشأ فيها جيل من العلماء، لا سيما في المجال النووي، من الشباب الطالع، في مشهدٍ يقابله في عالمنا العربي آلاف الخريجين في التخصصات العامة دون مشروع وطني يستثمر طاقاتهم أو يحول علمهم إلى قوة.

هذه هي الجمهورية الإسلامية التي حاربتها الولايات المتحدة وإسرائيل افتراءً تحت عنوان “النووي”، على الرغم من تعاونها المستمر سابقاً مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قبل أن يتكشّف – في وقت لاحق – أن مديرها العام رافائيل غروسي متهم بالتحرك وفق توجيهات مرتبطة بالموساد، وذلك عبر أدلة وبراهين نُشرت علناً، لكنها قوبلت بتجاهل لافت من الرأي العام الدولي. هذا الدور لم يكن هامشياً، بل كان محورياً في إشعال ما عُرف بحرب الاثني عشر يوماً، من خلال تقارير مُلفّقة أو مُضلِّلة تحدثت عن خطر وشيك يتمثل في تطوير “قنبلة نووية”. لكن المفارقة أنه سرعان ما عاد لينفي ذلك بعد احتدام الحرب، ليظهر في موقع الكاذب المفتري دون أن يُحاسب، فيما اتخذت طهران موقفاً سيادياً بطرده وفسخ الاتفاق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

إيران التي تحاربها أمريكا النووية وإسرائيل النووية، هي ذاتها التي زُرعت صورتها في الوعي العربي على أنها تهديد وجودي يريد “احتلال العالم” والقضاء على المنطقة بالسلاح النووي، في حين يدرك المتابع أن الجمهورية الإسلامية تمتلك مرجعية دينية تُحرّم صناعة هذا السلاح، بل وتؤكد أن برنامجها ذو طابع سلمي، لا يحمل تداعيات إنسانية كارثية من حيث الانتشار أو الأذى طويل الأمد. غير أن هذه السردية ليست جديدة، بل هي تكرار لنمط سبق أن استُخدم في حرب العراق، حين بُنيت الحرب على ادعاءات امتلاك أسلحة دمار شامل، وتكرر في الحرب السورية عبر اتهامات بالأسلحة الكيميائية، لتُستخدم التهم كأدوات لتدمير الدول وتغيير أنظمتها بما يضمن خضوعها الكامل للإرادة الأمريكية.

لقد أوهموا شعوب المنطقة بأن القوة تكمن في الاستقواء بالسلاح على الضعيف، وفي تلفيق الاتهامات وتجريم الأبرياء بذنب “وطنيتهم” وسعيهم للاستقلال، وهو منطق ترفضه القوى الغربية والإسرائيلية لأنها ترى في الاستقلال تهديداً مباشراً لنفوذها، فتعمل على كسره بكل الوسائل. ومع ذلك، صدّقت بعض دول العرب هذه الروايات، ليس لأنها حقائق، بل لأن أدوات القوة كلها بيد من يروّج لها: من مؤسسات دولية، إلى مجلس أمن، إلى منظمات حقوقية، وصولاً إلى القانون الدولي نفسه الذي يُكتب ويُمحى وفق ما يخدم هذه المصالح.

وفي هذا السياق، دفعت دول الخليج تريليونات الدولارات استجداءً لحماية لم تكن يوماً حقيقية، بل كانت – في جوهرها – خدعة سياسية صاغها الأمريكي ليضمن موطئ قدم عسكري دائم في المنطقة، يستخدمه متى شاء لشن الحروب، بينما تبقى بلاده في منأى عن نتائجها المباشرة. ففي حرب العراق مثلاً، استُخدمت القواعد الأمريكية المنتشرة من قطر إلى الكويت إلى السعودية والإمارات لشن آلاف الضربات الجوية، لتكون الأرض خليجية، والقرار أمريكي، والتبعات يتحملها الجميع.

ثم جاءت عاصفة الحزم كواحدة من أبرز الخدع المعاصرة، حيث دُفعت السعودية والإمارات إلى حرب مدمرة على اليمن، استمرت لعشر سنوات، وأفضت إلى واحدة من أسوأ المجاعات الإنسانية في التاريخ الحديث، بعد أن دُمّرت كل مقدرات هذا البلد. ومع ذلك، استطاع اليمنيون – على الرغم من الفقر والحصار – أن يحولوا إرادتهم إلى قوة، فطوروا صناعاتهم العسكرية، ووصلت صواريخهم إلى أرامكو، في لحظة كشفت هشاشة التوازنات، حتى اضطرت الأطراف إلى التهدئة بعد أن دفعت ثمناً لم تكن تتوقعه.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل حين دخل اليمن في حرب الإسناد ضمن محور المقاومة ضد إسرائيل خلال عدوانها على غزة، وصلت صواريخه إلى تل أبيب، في حدث مفصلي غيّر قواعد الاشتباك، وأعلن عملياً أن عاصمة الكيان لم تعد بعيدة عن مرمى النار. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد استهدافها استثناءً، بل أصبح معادلة قائمة.

كما فرض اليمن نفسه كقوة بحرية مؤثرة في البحر الأحمر، من خلال تبني سياسة منع عبور السفن المرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة، بهدف قطع الإمدادات العسكرية واللوجستية. وهنا دخل دونالد ترامب في مواجهة مباشرة، شنّ فيها الطيران الأمريكي عشرات الغارات، لكنه فشل في كسر هذه المعادلة، بل تكبدت قواته خسائر، حيث تم استهداف وإغراق عدد من السفن والناقلات، في تجربة أثبتت أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على فرض الإرادة.

وفي موازاة ذلك، تتجلى القوة الإيرانية في بُعد آخر لا يقل أهمية، وهو قدرتها الصاروخية. يُقال إن صناعة الصواريخ في إيران تُشبه صناعة الخبز في الأفران من حيث الوفرة، وقد يبدو هذا القول مبالغاً فيه، لكن القراءة المتأنية تكشف أن إيران بنت بالفعل منظومة إنتاج عسكرية قائمة على ما يُعرف بـ “المدن الصاروخية”، وهي بنى تحتية قادرة على إنتاج وتخزين كميات هائلة بشكل مستمر، حيث يُشار إلى أن هذه المنظومات تستطيع توليد مخزون يصل إلى ما لا يقل عن 3000 صاروخ في دورات زمنية متقاربة –

والأهم من كل ذلك، أن ما استُخدم حتى الآن من هذه القدرات، على الرغم من الضجيج الإعلامي، لا يمثل 10% ولا حتى 5% منها، بل هو – بحسب توصيفات ميدانية – مجرد “قطرة من بحر”، ما يعني أن ما ظهر ليس سوى جزء يسير من قوة لا تزال في معظمها خارج الاستخدام، وهو ما يعيد رسم معادلات الردع في المنطقة بالكامل.

إيران تفرض شروطها

في هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري عن الطريقة التي تُدار بها الرواية الأمريكية أمام الرأي العام؛ فواشنطن لا تُخفي فشلها بقدر ما تُعيد صياغته، وتقدّمه في قوالب دبلوماسية أو عسكرية توحي بالسيطرة، بينما الواقع يعكس ارتباكاً متزايداً. هنا تحديداً يظهر سلوك دونالد ترامب، الذي يحاول باستمرار إيجاد مخرج يحدّ من اندفاع المشروع الإسرائيلي، ويتراجع عمّا تورّط فيه دون أن يعلن ذلك صراحة.

غير أن هذا التراجع لا يأتي بشكل مباشر، بل عبر تصعيد لفظي وعسكري متكرر كلما انكشفت حقيقة الميدان. فبين تهديدٍ بالسيطرة على مضيق هرمز، وتلويح بالهجوم البري على جزيرة كرج، كانت الوقائع تقول شيئاً مختلفاً تماماً: حشدٌ بحري أمريكي يتلقى ضرباتٍ موجعة من بحرية الحرس الثوري الإيراني، وعجزٌ واضح عن فرض معادلة ردع حقيقية.

والمفارقة أن كل محاولة للتغطية على هذا الانكشاف كانت تدفعه إلى مزيد من التورط، وكأن الهروب إلى الأمام هو الخيار الوحيد المتبقي. في المقابل، لم يكن الرد الإيراني قائماً على الانفعال، بل على تثبيت معادلة واضحة ومباشرة: “اقتربوا أكثر.. نحن بانتظاركم”، وهي عبارة تختصر ميزاناً جديداً في المنطقة، لم تعد فيه التهديدات كافية، ولا الاستعراضات العسكرية قادرة على تغيير واقع بدأ يتشكل خارج الإرادة الأمريكية.

وفي هذا المشهد المتبدّل، لا تطرح إيران نفسها كطرف يبحث عن تهدئة بأي ثمن، بل كقوة تفرض شروطها انطلاقاً من موقعها الجديد، واضعةً إطاراً سياسياً وعسكرياً يتجاوز حدود المواجهة المباشرة إلى إعادة صياغة أمن المنطقة بالكامل. فالشروط الإيرانية لم تعد تقتصر على وقف التصعيد الآني، بل تتجه نحو تثبيت أمن مستدام يبدّد هاجس الحروب، ويُعيد تموضعها كقوة دولية نافذة في النظام الإقليمي والدولي، عبر رفع العقوبات المفروضة عليها، ودفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها نتيجة الاعتداءات.

كما تمتد هذه الرؤية لتشمل مقاربة شاملة لملفات المنطقة، من فلسطين إلى لبنان واليمن، في إطار تثبيت محورية “المقاومة” وتعزيز وحدة الساحات، التي سعى المشروع الإسرائيلي إلى تفكيكها بكل الوسائل، لكنها أعادت فرض نفسها كحقيقة ميدانية وسياسية. ويتكامل ذلك مع هدف واضح يتمثل في إنهاء الوجود والمصالح الأمريكية في المنطقة، باعتبارها أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار.

وفي التفاصيل، تتبلور الشروط الإيرانية ضمن مسار واضح: وقف العدوان والاغتيالات بشكل كامل، على أن تكون طهران هي من يحدد توقيت إنهاء الحرب بما يتناسب مع مصالحها؛ وقف العمليات العسكرية في جميع الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية؛ تقديم ضمانات دولية حقيقية بعدم تكرار الاعتداءات، مقرونة بدفع تعويضات لإيران؛ وأخيراً وضع آلية جديدة لإدارة مضيق هرمز، تكون تحت الإشراف الإيراني المباشر، بما يجعل طهران الجهة المسؤولة عن أمن الملاحة وسير السفن فيه.

بهذا المعنى، لم تعد المعركة مجرد صراع عسكري محدود، بل تحوّلت إلى عملية إعادة رسم لموازين القوى، حيث لا تكتفي إيران بالصمود، بل تسعى لفرض معادلة جديدة تُحدّد من خلالها شكل المرحلة القادمة في المنطقة.

الخليج منصّة الاعتداءات الأمريكية

في قلب هذا المشهد، لم يكن الرهان غامضاً أو قابلاً للتأويل، بل كان واضحاً ومباشراً: جرّ دول الخليج إلى أتون المواجهة، لا بوصفها أطرافاً مستقلة تملك قرارها، بل كأدوات ضمن مشروع أكبر يُدار من خارجها. لم يكن الهدف إسقاط إيران فحسب، بل صناعة بيئة فوضى شاملة تُستنزف فيها مقدرات المنطقة اقتصادياً وعسكرياً، وتُفتح عبرها الأبواب أمام مشاريع توسعية جرى الترويج لها طويلاً تحت مسميات مثل “الشرق الأوسط الجديد”. ومع ذلك، تصر دول الخليج على قراءة هذا المشهد بعين واحدة، متجاهلةً أن نتائجه لم تعد احتمالات، بل وقائع تكررت أمامها في أكثر من تجربة سابقة.

تقف دول الخليج اليوم كنموذج مختلف، ليس من حيث الإمكانات، بل من حيث طريقة إدارة هذه الإمكانات. فهي دول تمتلك ثروات هائلة، لكنها اختارت منذ عقود أن تشتري الأمن بدل أن تبنيه، وأن ترهن استقرارها للحماية الخارجية بدل أن تطور منظوماتها الذاتية. دفعت تريليونات الدولارات تحت شعار “الأمن مقابل الحماية”، لكنها لم تدرك أن هذه الحماية لم تكن يوماً ضمانة حقيقية، بل جزءاً من معادلة أوسع تُستخدم فيها هذه الدول كمنصات متقدمة لتنفيذ السياسات، لا كأطراف فاعلة تصوغ قرارها.

في حرب العراق، تجلّت هذه الحقيقة بوضوح، حين استُخدمت القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج – من قطر إلى الكويت إلى السعودية والإمارات – لشن آلاف الضربات الجوية. كانت الأرض خليجية، والقرار أمريكي، أما النتائج فكانت كارثية على المنطقة بأكملها، دون أن تُستخلص أي دروس حقيقية من تلك التجربة.

ثم جاءت عاصفة الحزم، التي قُدمت كعملية سريعة وحاسمة، لكنها تحولت إلى حرب طويلة أنهكت الجميع، وانتهت بكارثة إنسانية غير مسبوقة في اليمن. ومع ذلك، لم يكن الانهيار من نصيب الطرف الذي فُرض عليه الحصار، بل استطاع اليمنيون – على الرغم من كل شيء – تطوير قدراتهم، حتى وصلوا إلى استهداف أرامكو، في لحظة كشفت بوضوح أن المال، مهما تضخم، لا يصنع قوة إذا غاب القرار المستقل.

وحين انتقلت المواجهة إلى البحر الأحمر، وفرض اليمن معادلة منع مرور السفن المرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة، تدخلت واشنطن بشكل مباشر لكسر هذه المعادلة، لكنها فشلت في ذلك. بل إن ما جرى لاحقاً، كما أشار القيادي نصر الدين عامر، أن الولايات المتحدة أعادت تقديم انسحابها على أنه “اتفاق”، في تكرار فجّ لنفس النمط الذي تلجأ إليه كلما عجزت عن فرض إرادتها ميدانياً.

وعلى الرغم من تراكم هذه المؤشرات، ووضوح دلالاتها، استمرت دول الخليج في السير ضمن المسار ذاته. ومع بدء الضربات الأخيرة، سارعت إلى توجيه الاتهام لإيران، دون أن تطرح حتى تساؤلاً بسيطاً حول دور الولايات المتحدة، رغم أن القواعد الأمريكية على أراضيها كانت تُستخدم بشكل مباشر في العمليات. بل إن بعض الضربات – كما تشير المعطيات الميدانية – لم تكن من مصدر إيراني أصلاً، خصوصاً ما جرى في عُمان، وهو ما يفتح باباً واسعاً للتساؤل حول طبيعة ما يحدث ومن المستفيد الحقيقي منه.

لكن بدل التوقف عند هذه الأسئلة وفتح تحقيقات جادة، جرى تجاوزها بالكامل، والتمسك بالرواية الجاهزة، وكأن المطلوب ليس فهم الحقيقة، بل تبرير الانخراط في مسار مرسوم سلفاً.

هذا السلوك لا يمكن اختزاله في خطأ تقدير عابر، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بغياب القرار المستقل. فالدولة التي لا تملك قرارها، لا تستطيع أن تقرأ الواقع كما هو، بل تراه من الزاوية التي يُراد لها أن تراه منها، وتتبنى الروايات التي تُصاغ لها، حتى لو كانت على حساب أمنها ومصالحها.

وفي هذا السياق، تكتسب كلمات الشهيد علي لاريجاني معناها الكامل حين قال: “نُقاتل العدو بمفردنا… أيُّ إسلام هذا؟”، مستشهداً بقول النبي ﷺ: “من سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم”. هذه العبارات، بعيداً عن بعدها الخطابي، تعكس واقعاً سياسياً صارخاً: انقسام في الموقف، وتفكك في الرؤية، وغياب مشروع مشترك، في لحظة كانت تتطلب  –  أكثر من أي وقت مضى  –  وحدة في الفهم قبل الموقف.

في الخلاصة، لم تعد المعركة مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل تحوّلت إلى لحظة فاصلة أعادت رسم موازين القوى في المنطقة. ما حاولت الولايات المتحدة تقديمه كهيمنة، انكشف كاستنزاف، وما سعت إسرائيل لتثبيته كأمر واقع، بدأ يتهاوى تحت ضربات المقاومة.

أما دونالد ترامب، الذي ظن أنه يقود معركة محسوبة، فقد وجد نفسه غارقاً في تداعياتها، يحاول التراجع دون الاعتراف، ويُعيد تسويق الفشل على أنه انتصار. في المقابل، فرضت إيران معادلتها، لا بالصمود فقط، بل بقدرتها على تغيير قواعد الاشتباك وفرض شروط المرحلة.

النتيجة باتت واضحة: من يملك قراره يصنع موقعه، ومن يرهنه للخارج يدفع الثمن. وفي هذه اللحظة، لا تُكتب نهاية الصراع.. بل بداية زمنٍ جديد عنوانه تراجع الهيمنة وصعود إرادة المقاومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *