ترامب في الصين: خروقات في العلاقات الثنائية من دون ضغوط على إيران
بقلم ابتسام الشامي
لم يعكس استقبال نائب الرئيس للضيف الأمريكي إلى الصين توتر العلاقة بين بكين وواشنطن على خلفية الحرب التجارية بين العملاقين الاقتصاديين فحسب، وإنما انطوى على مقاربة صينية لنتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يعزز فيها تفوق الحليف الإيراني عسكرياً وسياسياً مكانة الصين في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية وضغوطها المختلفة.
البعد الإيراني في الزيارة
تثقله أوهامه عن انتصار عظيم حققته الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وصل الرئيس الأمريكي إلى الصين في ثاني زيارة له إلى الدولة التي سبق ان صنفها قبل عقد من الزمن بالخطر الأكبر على بلاده، وسعى ما أمكنه من عقوبات وضغوط اقتصادية إلى تقويض نفوذها والحد من تأثيرها، وصولاً إلى فرضه حرباً تجارية ضدها، تواصل تأثيرها في علاقات البلدين.
ولئن كان من عادة قادة الدول، في خضم حروب يخوضونها على جبهات الأعداء، تجنب زيارة دول يشاطرونها التنافس أو الخصومة، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يعمد إلى تأجيل زيارته الصين وهو لم يحسم بعد الحرب على إيران، بل إنه فضّل أن يزورها وهو عالق في مضيق هرمز، لا هو قادر على فتحه بالقوة، وليس باستطاعته “هضم” الشروط الإيرانية لإعادة فتحه، بالنظر إلى ما تنطوي عليه من إقرار بالهزيمة.
على أن إتمام الزيارة في الوضع المعقد الذي أوجد ترامب بلاده فيه بفعل الحرب الفاشلة على إيران، أكد بالنسبة إلى لكثير من المراقبين ان الاخيرة هي الطبق الرئيسي على مائدة بكين، في محاولة من الرئيس الأمريكي الاستثمار في التحالف الاستراتيجي القائم بين الصين وإيران، علّ الدولة المضيفة تستطيع تليين شروط طهران للحل السياسي لما يحفظ ماء وجهه بعد سلسلة طويلة من الأكاذيب عن تدمير قدراتها النووية والصاروخية والبحرية.
الإعلام الغربي
مواكبة الإعلام العالمي لزيارة ترامب إلى الصين ركزت على البعد الإيراني فيها، وما عززته الحرب الأمريكية على الجمهورية من فرص اقتصادية للصين وما وثقته من علاقاتها الاستراتيجية مع الدولة المعتدى عليها. وفي هذا الإطار، نقلت وكالة “رويترز” عن مصادر قولها إن “مساعدي ترامب يرون أن الصين من الجهات القليلة القادرة على إقناع صنّاع القرار في إيران بإبرام اتفاق. والأولوية الملحّة الآن في ما يتعلّق بإيران هي منع عودة القتال بكلّ الوسائل”. لكن الوكالة البريطانية رصدت غياب أي ذكر للحرب على إيران في كلمة الرئيس الصيني خلال كلمته في المأدبة الرسمية مع نظيره الأمريكي والوفد المرافق. إذ فضل “شي جين بينغ” التركيز على العلاقات الثنائية بين البلدين واصفاً إياها بأنها “أهم علاقة ثنائية في العالم”.
وسبق زيارة ترامب إلى الصين تقييم استخباراتي سري كشفته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية يفيد أن “الصين تحقق مكاسب استراتيجية واسعة على حساب الولايات المتحدة نتيجة الحرب الدائرة مع إيران، وذلك في مجالات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية وإعلامية”، لافتة إلى “تصاعد القلق داخل وزارة الحرب الأمريكية من التداعيات الجيوسياسية للصراع”.
وفي تأكيد على ما ورد في التقييم، نقلت وكالة فارس الإيرانية، عن مصدر مطلع، أن عبور عدد من السفن الصينية من مضيق هرمز بدأ وفقاً لترتيبات إيران، وأن “تسهيل مرور هذه السفن نتج من تنسيق وزير خارجية الصين وسفيرها في طهران” مع المسؤولين الإيرانيين. يأتي ذلك في وقت جدّد فيه النائب الأول للرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، التأكيد أن بلاده “لن تتخلى عن مضيق هرمز إطلاقاً وبأي ثمن” مشيراً إلى أن “المضيق أساساً ملك لنا وكان دائماً كذلك، ولكننا في مدة لم نستفد منه بشكل جيد”.
تسويق إنجازات من دون تأكيدات
وعلى الرغم من محاولته فصل الزيارة عن الأجندة الأمريكية، إلا أن الرئيس الأمريكي، ادعى تحقيق مكاسب ربطاً بالحرب على إيران، معلناً حصوله من نظيره الصيني على “وعد بعدم بيع معدات عسكرية إلى طهران، والمساعدة في ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز”، من دون أن يصدر تأكيد رسمي صيني حول ذلك. وفي حديث إلى شبكة “فوكس نيوز”، ادعى ترامب أن الرئيس الصيني “عرض المساعدة في ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز”، وأنه “يود أن يرى التوصل إلى اتفاق بشأن إيران”. زاعماً أن مضيفه وعد أيضاً بأن “لا تزود بلاده إيران بمعدات عسكرية”.
والحديث عن تفاهم صيني أمريكي بشأن إيران سوقه أيضاً وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو الذي قال في مقابلة مع شبكة “إن بي سي”، إن ترامب ونظيره الصيني “وجدا أرضية مشتركة بشأن إيران” وأن “الجانب الصيني ذكر أنه لا يؤيد عسكرة مضيق هرمز، ولا فرض نظام للرسوم، وهذا هو موقفنا أيضاً”. وفي ما استعاد روبيو كلاماً لترامب يقول فيه “لا نطلب مساعدة الصين، فلسنا بحاجة إلى مساعدتهم”، دحض أقواله، في تصريح آخر لشبكة “فوكس نيوز”، مؤكداً أن بلاده “تحاول إقناع بكين بالتدخل للضغط على طهران من أجل التراجع عن تحركاتها في مضيق هرمز، وأوضحَت لها أن أي دعم لإيران سيضر بالعلاقات الثنائية”.
بكين لم تغير موقفها
التسويق الأمريكي عن النجاح في التأثير في مواقف بكين إزاء طهران، والتزامها بالضغط عليها، لم تؤكده تصريحات المسؤولين الصينيين ولا البيانات الصادرة عن المؤسسات الرسمية وفي مقدمها وزارة الخارجية الصينية، التي أوضحت في بيان لها أن موقف بكين لم يتغير، لا في ما يتعلق بالملف النووي ولا بأمن الخليج، داعية إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط وإرساء وقف إطلاق نار شامل وإعادة فتح مضيق هرمز “في أسرع وقت ممكن”. وفي أعقاب قمة الرئيسين ترامب وشي، شددت وزارة الخارجية الصينية على ضرورة “إعادة فتح الممرات البحرية في أسرع وقت ممكن استجابة لدعوات المجتمع الدولي.. وإرساء وقف شامل ودائم لإطلاق النار في أسرع وقت ممكن لتسهيل استعادة السلام والاستقرار في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج”. وشدد البيان على أنه “لا مبرر لاستمرار هذه الحرب التي ما كان يجب أن تندلع أصلاً”.
من جانبه، قال المتحدث باسم الخارجية الصينية إن الحرب في إيران تسببت في كوارث بالمنطقة ولها تداعيات خطيرة.
وأضاف خلال مؤتمر صحفي، أنه يتعين التوصل إلى مخرج من هذه الحرب في أسرع وقت، مشيراً إلى أن “الحوار والتفاوض هو الطريق المناسب لإنهاء الحرب”. وتابع قائلاً إنه “يجب عدم خسارة فرصة التوصل لمفاوضات تنهي الحرب في إيران وتعيد فتح مضيق هرمز”. وأكد المتحدث أن بكين مستعدة للعمل مع كل الجهات من أجل ضمان أمن الطاقة العالمي واستقرار سلاسل الإمدادات.
خاتمة
في ختام زيارته إلى الصين كما في حربه على إيران يتعثر ترامب في تحقيق الأهداف المرجوة. زيارته إلى بيكين نجحت في تبريد أجواء التوتر معها لكنها لم تدفعها إلى تغيير سياستها اتجاه الحليف الإيراني المستند في مواقفه السياسية الصلبة إزاء ما يطرح عليه من تنازلات إلى الوقائع الميدانية والسياسية التي انتهت إليها الحرب. ووفقاً لمحلل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، تسفي برئيل، فإن تلك الوقائع “تعكس صورة مختلفة تماماً عما يحاول ترامب تصويره، فالمفاوضات النووية لا تزال متعثرة، والحصار المفروض على إيران بدأ يتعرض لتصدعات تدريجية.
