ليس مجرد وسيط: المصلحة المصرية في وقف الحرب مع إيران
ترجمة وإعداد: حسن سليمان
بينما قادت باكستان جهود الوساطة لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران طوال فترة الحرب، لعبت مصر أيضاً دوراً فاعلاً – وإن كان ثانوياً – في هذه التحركات. فقد كانت قلقة بشأن التداعيات السلبية للحرب على استقرارها الاقتصادي وتوازن القوى الإقليمي.
شاركت مصر في جهود الوساطة ضمن إطار آلية تنسيق رباعية جديدة – إلى جانب باكستان والسعودية وتركيا – بهدف تشكيلها في هيئة رباعية عربية إسلامية تستفيد من القوة السياسية والاقتصادية والديموغرافية لدولها الأعضاء، وتُشكّل ثقلاً موازناً لإسرائيل وإيران. إذا ما ثبتت هذه الآلية الرباعية بالفعل، واستمرت في العمل طوال فترة الحرب وما بعدها ككتلة إقليمية متماسكة، وفي ظل غياب التعديلات اللازمة في السياسة الإسرائيلية الحالية، سيزداد خطر تصاعد التوترات بين القدس والقاهرة، وتعميق عزلة إسرائيل الإقليمية.
منذ بداية حرب “زئير الاسد”، دعت مصر إلى خفض التصعيد وإيجاد حلول دبلوماسية، وسعت جاهدةً للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار ومنع انهياره. ووفقاً لتقارير إعلامية دولية، اضطلعت القاهرة بأدوار مكملة في الجهود المبذولة لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران تمهيداً لاتفاق وقف إطلاق النار. وقد تحدث الرئيس المصري ووزير الخارجية مع نظيريهما في طهران وواشنطن، بينما عملت المخابرات المصرية عبر قناة خلفية مع الحرس الثوري بهدف دفع المفاوضات قُدماً وصياغة إطار عمل للاتفاق
وتعكس هذه التحركات الفرصة التي رصدتها مصر لتوسيع دورها الإقليمي كوسيط خارج قطاع غزة، وجاءت عقب مشاركتها في أيلول 2025 في الوساطة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية. فور الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، رحّب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي به، مصرحاً بأن الاتفاق “أثلج صدور ملايين المحبين للسلام حول العالم”، معرباً عن أمله في أن يصبح اتفاقاً دائماً ينهي الحرب، ويعيد الأمن والاستقرار إلى المنطقة، ويضمن التنمية والتقدم والازدهار. وفي مقال نُشر في صحيفة الشروق المصرية الموالية للحكومة، أشاد رئيس التحرير عماد الدين حسين بالدور المحوري الذي لعبته مصر في عملية الوساطة إلى جانب باكستان وتركيا، مشيراً إلى أن “التواصل بين وزراء خارجية الدول الثلاث كان شبه يومي”. ووفقاً له، “الدروس المستفادة من هذه الحرب – التي استمرت نحو أربعين يوماً – كثيرة، منها أن مصر دولة كبيرة ومركزية، ومن المستحيل إدارة المنطقة أو تحديد مصيرها بدونها”
وبعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، تحركت مصر – بالتنسيق مع باكستان وتركيا والسعودية – في محاولة لمنع استئناف القتال. أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مشاورات ومحادثات متواصلة مع الأطراف المعنية في مسعىً لإنجاح المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. وفي اتصال هاتفي مع نظيره الباكستاني في 19 نيسان، أعرب الجانبان عن أملهما في جولة ثانية من المفاوضات، يتوصل خلالها الطرفان إلى تفاهمات تُفضي إلى إنهاء الحرب نهائياً.
وانطلاقاً من رغبتها في لعب دور الوسيط المتفق عليه، اتخذت مصر موقفاً حذراً طوال فترة الحرب، إذ امتنعت عن إدانة أعمال الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران بشكل مباشر، حرصاً منها على عدم الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن والقدس. وفي الوقت نفسه، كانت إدانات مصر للهجمات الإيرانية على الدول العربية خافتة في البداية، لكنها اشتدت لاحقاً بسبب استياء حلفائها الخليجيين، الذين يمثلون ركيزتها الاقتصادية، والذين توقعوا منها الوقوف إلى جانبهم بحزم أكبر. وفي محاولة لتسوية الخلافات، قام الرئيس السيسي بجولة زيارات تضامنية إلى الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر والبحرين، مؤكداً على ضرورة أن يراعي أي اتفاق نهائي مخاوف دول الخليج والأردن والعراق
المصالح الكامنة وراء الوساطة
من وجهة نظر القاهرة، تخدم جهود التسوية بين واشنطن وطهران سلسلة من المصالح المحلية والإقليمية، الاقتصادية والأمنية والسياسية.
على الصعيد الاقتصادي، أدى الصراع الأوسع مع إيران، رغم عدم انخراط مصر فيه بشكل مباشر، إلى زعزعة استقرار بيئتها الإقليمية، وإلحاق أضرار جسيمة بالعديد من المصالح المصرية الحيوية، وتسبب في خسائر تراكمية للبلاد تُقدر بمليارات الدولارات. وسجلت قناة السويس، أحد أهم مصادر إيرادات مصر من العملات الأجنبية، خسائر في الإيرادات بلغت حوالي 10 مليارات دولار منذ 7 ت1 2023، نتيجة انخفاض حركة الملاحة بسبب هجمات الحوثيين في البحر الأحمر. وقد دفع التصعيد الحالي، والخوف من اتساعه، عدداً من شركات الشحن الدولية إلى تعليق الملاحة في القناة مجدداً، بعد أن بدت وكأنها بدأت تتعافى من آثار الحرب الطويلة في غزة
إضافةً إلى ذلك، وفي ظلّ الحرب في إيران، شهدت مصر تباطؤاً في قطاع السياحة، وصعوبات في تحويل الأموال من دخل العمال في دول الخليج إلى مصر، وتوقفاً مؤقتاً لإمدادات الغاز من إسرائيل، وانخفاضاً في قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار، وارتفاعاً في أسعار النفط والوقود. يُضاف إلى ذلك القلق على القطاع الزراعي، الذي يوظف نحو ربع القوى العاملة المصرية، في أعقاب إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ثلث الأسمدة التي تصل إلى مصر. وفي الوقت نفسه، قد تتفاقم الأضرار التي لحقت بسلاسل الإمداد في البلاد في حال تعطل الملاحة في مضيق باب المندب، الذي تمر عبره العديد من البضائع في طريقها إلى قناة السويس
ونظراً لهشاشة الوضع الاقتصادي لمصر وتأثره بتداعيات الحرب، فقد تعززت رغبتها في التوصل إلى وقف لإطلاق النار. أكدت التدابير الطارئة المتخذة نتيجة للحرب، بما في ذلك خفض استهلاك الطاقة، والتحول إلى العمل عن بُعد، وفرض قيود على الواردات، على حجم الضغط الواقع على مصر وأهمية استقرار النظام الاقتصادي. في ظل هذه الظروف، حيث تؤثر أضرار الحرب على كل من الخزينة المصرية والحياة اليومية للمواطنين، فإن تجدد التصعيد الإقليمي قد يُعمّق الأزمة الداخلية في مصر ويُشكّل تحدياً للنظام
على الصعيدين السياسي والأمني، زادت الحرب من مخاوف المصريين بشأن تعزيز إسرائيل لنفوذها في ميزان القوى الإقليمي. من وجهة نظر القاهرة، تُعتبر إسرائيل – التي تُعلن حكومتها مراراً وتكراراً “تغيير وجه الشرق الأوسط” وتُروّج لخطط تشجيع الهجرة الطوعية للفلسطينيين من غزة إلى سيناء – تهديداً متزايداً لأمنها القومي. وبالمثل، يُفسّر كثيرون في مصر الحملة الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران على أنها خطوة تهدف إلى ترسيخ الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة، مع الاعتماد بشكل متزايد على القوة العسكرية ضد جيرانها، وبدعم من الإدارة الأمريكية لذلك، فإن إنهاء الحملة بتفاهمات متبادلة – دون حسم عسكري واضح – يتماشى مع تفضيل القاهرة لإقامة نظام إقليمي متعدد الأقطاب.
علاوة على ذلك، وعلى عكس دول الخليج التي تنظر إلى إيران كتهديد عسكري مباشر وقريب، فإن مصر – على الرغم من نفورها من توسع نفوذ إيران في المنطقة وطموحاتها النووية – تعتبرها تهديداً غير مباشر وأقل وضوحاً. إن غياب الحدود المشتركة، والمسافة الجغرافية النسبية، وعملية التقارب التدريجي التي شهدتها السنوات الأخيرة، تُمكّن القاهرة من تبني موقف أكثر مرونة تجاه طهران، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة وتجنب الانضمام إلى معسكر معادٍ لإيران بشكل واضح. وإلى جانب أمل مصر في تحسن العلاقات بين الدول العربية وإيران مستقبلاً، فإنها تُدرك مزايا قدرة إيران على ردع إسرائيل وموازنة نفوذها. كما ينظر إلى تركيا – وهي قوة غير عربية أخرى – في مصر كتهديد يمكن احتواؤه، نظراً لتقليصها دعمها لجماعة الإخوان المسلمين وتحسين علاقاتها مع القاهرة
الرباعي العربي الإسلامي: فرصة لبناء هيكلية إقليمية جديدة
جاءت الوساطة بين طهران وواشنطن في إطار آلية رباعية أطلقها وزراء خارجية مصر وباكستان وتركيا والسعودية في الرياض في 20 آذار، والتي اجتمعت منذ ذلك الحين مرتين أخريين في إسلام آباد وأنطاليا. بدأ هذا الرباعي العربي الإسلامي عمله رداً على الحرب في إيران، لكن الآمال التي يعلقها عليه المحللون المصريون لا تقتصر على إنهائها فحسب، بل تشمل أيضاً صياغة النظام الإقليمي الذي سيليها في جوانب استراتيجية متعددة، منها: تقليل التبعية الإقليمية للقوى العالمية، وإرساء ترتيبات أمنية مستقرة، وكبح جماح “طموحات الهيمنة” الإقليمية المنسوبة إلى إسرائيل وإيران، وتعزيز أنظمة الدفاع الإقليمية المشتركة، وتأمين الممرات الملاحية، وحماية المصالح الاقتصادية
إضافةً إلى ذلك، ووفقاً لتقرير نشرته وكالة “بلومبيرغ” في نيسان 2026، فإن اتفاقية الدفاع التي أبرمتها السعودية وباكستان في أيلول 2025 قد تتوسع مستقبلاً لتشمل تحالفاً رباعياً يضم مصر وتركيا أيضاً. ترى القاهرة أن إمكانية التعاون بين هذه الدول – التي يبلغ تعداد سكانها مجتمعةً نحو نصف مليار نسمة – ترتكز على تكامل مصادر قوتها: فمصر تمتلك جيشاً قوياً، وكثافة سكانية عالية، وسيطرة على قناة السويس؛ أما السعودية فتمتلك احتياطيات نفطية هائلة، وقوة اقتصادية، ومكانة دينية مرموقة باعتبارها مهد الإسلام؛ وتركيا تمتلك صناعة دفاعية متطورة، وعضوية في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً بين الشرق والغرب؛ وباكستان تمتلك مظلة نووية. إضافةً إلى ذلك، تتمتع الدول الأربع بعلاقات جيدة مع القوى العظمى. وقد أعرب علاء الغطريفي، رئيس تحرير صحيفة المصري اليوم، الموالية للحكومة المصرية، عن أمله في أن “تكون هذه الوحدة نواة لنظام إقليمي جديد”. في الوقت نفسه، دفعها حرص مصر على إظهار سيطرتها أمام حلفائها الخليجيين، وخدمة مصالحها الإقليمية، إلى إعادة طرح فكرة طُرحت مراراً في الماضي ثم جُمّدت، وهي إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة لمواجهة تحديات المنطقة، وذلك طوال فترة الحرب. أشار وزير الخارجية عبد العاطي وآخرون إلى أن مثل هذه القوة ستُمكّن الدول العربية من التعامل بفعالية أكبر مع التهديدات والأخطار التي تواجهها، والتأثير في النظام الإقليمي. ووفقاً لتقارير عديدة، قدّمت مصر أيضاً مساعدات عسكرية لعدد من دول الخليج خلال الحرب، شملت نشر طائرات رافال المقاتلة في الاتحاد، والإمارات العربية المتحدة، ونشر منظومة الدفاع الجوي المطوّرة “سكاي غارد أمون”. تهدف هذه الخطوات إلى إيصال رسالة إلى دول الخليج مفادها أن الدعم الاقتصادي الذي تقدمه لمصر يُحقق لها مكاسب أمنية حقيقية
تعود جذور مبادرة إنشاء قوة عربية مشتركة إلى سنوات عديدة، إلا أنها لم تُنفّذ قط بسبب خلافات بين الدول العربية حول تقسيم المسؤولية، ومسألة التمويل، وتحديد الأعداء الذين ستُنشأ القوة لمواجهتهم. في ضوء هذه الخلافات، ونظراً لضعف جامعة الدول العربية، يُمكن التوقع أن تواجه المبادرة الحالية لإنشاء قوة عربية مشتركة صعوبات جمّة، وأن فرص نجاحها ضئيلة. من جهة أخرى، قد يكون للآلية الرباعية العربية الإسلامية – التي تضم عدداً أقل من الدول وتركز حتى الآن على النشاط الدبلوماسي دون أي توجهات عسكرية – فرصة أكبر للنجاح في أن تصبح إطار عمل يعزز ثقل أعضائها في المنطقة ونفوذهم على الإدارة الأمريكية في واشنطن. كما تتمتع هذه الآلية الرباعية بخبرة مماثلة لتلك التي اكتسبها تحالف “الثماني “، وهو تحالف عربي إسلامي أقدم وأوسع نطاقاً، والذي تشكل في أعقاب حرب غزة ويضم أيضاً الدول الأربع.
الآثار المترتبة
في ضوء رغبة مصر في إنهاء المعركة ضد إيران وانخراطها في جهود الوساطة، فإن استئناف القتال واستمراره مع مرور الوقت قد يصبح نقطة خلاف أخرى بينها وبين إسرائيل، مما قد يزيد من حدة التوتر في العلاقات المتوترة أصلاً بين البلدين. في ظل هذه الظروف، من المتوقع أن تتبنى مصر والأطر العربية الإسلامية التي تعمل ضمنها – بما في ذلك “الرباعية” – موقفاً معاكساً لموقف إسرائيل بشأن القضية الإيرانية، وأن تعمل على عزلها إقليمياً. بإمكانهم أيضاً تحدي سياستها في ساحات أخرى من العمل – من لبنان، مروراً بالساحة الفلسطينية (قطاع غزة والضفة الغربية والقدس) وصولاً إلى قضايا الحد من التسلح.
ولمنع أي تدهور محتمل في العلاقات مع القاهرة، ووقف ترسيخ الآلية الرباعية أو غيرها من الأطر كمحور إقليمي، يُنصح للقدس، باتخاذ الخطوات التالية:
* تعزيز الحوار السياسي والأمني المباشر مع القاهرة: ينبغي لإسرائيل السعي إلى تضييق الفجوات مع مصر بشأن القضايا الخلافية، وفي الوقت نفسه، تعزيز التنسيق معها حول الاعتبارات التي توجه الحملة مع إيران. من شأن قناة ثنائية فعّالة أن تُحسّن تنسيق التوقعات مع مصر، وتُخفف من ميلها إلى تطوير الرباعية كإطار إقليمي منافس. علاوة على ذلك، يمكن لإسرائيل استغلال مشاركة مصر في المفاوضات مع إيران – إلى جانب مصلحتها في إنهاء الحرب سريعاً والتزامها تجاه حلفائها الخليجيين – للتوصل إلى اتفاق يُلبي مخاوف إسرائيل ومصالحها الأمنية.
* تعزيز الحوار السياسي والأمني المباشر مع القاهرة: ينبغي لإسرائيل السعي إلى تضييق الفجوات مع مصر بشأن القضايا الخلافية، وفي الوقت نفسه، تعزيز التنسيق معها حول الاعتبارات التي توجه الحملة مع إيران.
* تبني خطاب متزن: من الأفضل للقيادة الإسرائيلية تجنب التصريحات التحريضية التي من شأنها ترسيخ صورة إسرائيل السلبية والعدوانية في مصر، كدولة تسعى إلى إعادة رسم خريطة المنطقة من جانب واحد بالقوة العسكرية وحدها. إلى جانب التركيز على القدرات العسكرية الرادعة لإسرائيل، ينبغي التأكيد على الرسائل الداعمة لتعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط، واحترام النظام القائم في المنطقة، والسعي إلى حلول دبلوماسية سلمية.
* تعزيز التعاون الاقتصادي: ينبغي للحكومة الإسرائيلية السعي إلى تعزيز المصالح المشتركة الملموسة مع مصر، لا سيما في مجالات الغاز والتجارة والصناعة. ستساهم هذه السياسة في حقيقة أن السلام مع إسرائيل يمثل مكسباً مفيداً للاقتصاد المصري، والحاجة الماسة للحفاظ على العلاقات الطبيعية بين البلدين حتى في ظل وجود التوترات والخلافات.
معهد أبحاث الأمن القومي – أوفير فينتر يهودا ديسكينَِ
