إقليميات

واشنطن أمام مأزق استراتيجي: الذخائر تنفد وطهران تصمد

بقلم د. محمد الايوبي

فبعد أشهر من الضربات الجوية المكثفة، والتصريحات السياسية التي تحدثت عن “سحق” القدرات الإيرانية، بدأت التقييمات الاستخبارية المسرّبة من داخل واشنطن تكشف صورة مختلفة تماماً: إيران لم تنهَر، ولم تفقد بنيتها الصاروخية، بل استعادت ما يقارب 90٪ من منشآتها تحت الأرض، واحتفظت بمعظم قدراتها العملياتية.

هذه المعطيات لا تمثل مجرد تناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، بل تكشف مأزقاً أعمق داخل المؤسسة الأمريكية نفسها. فالإدارة التي حاولت تقديم الحرب باعتبارها استعراضاً جديداً للقوة الأمريكية، تجد نفسها اليوم أمام حقيقة أكثر تعقيداً: التفوق العسكري الهائل لم يعد كافياً لإنتاج نصر سياسي أو فرض استسلام استراتيجي على الخصوم.

من وهم الحسم إلى معضلة الاستنزاف

التقييمات التي نقلتها صحيفة The New York Times لم تتحدث عن بقاء جزئي للقدرات الإيرانية، بل عن قدرة شبه كاملة على استعادة التشغيل في المنشآت الصاروخية تحت الأرض، وعن احتفاظ طهران بنحو 70٪ من منصات الإطلاق المتحركة ومخزونها الصاروخي. والأخطر بالنسبة لواشنطن أن إيران استعادت الوصول التشغيلي إلى معظم مواقعها المطلة على مضيق هرمز، بما يعني أن التهديد للملاحة الدولية وللقوات الأمريكية في الخليج لا يزال قائماً رغم كل ما أُنفق من نار وذخائر.

هذا الواقع يضرب في العمق الرواية التي روّج لها دونالد ترامب ووزير حربه، والقائمة على أن الضربات الأمريكية – “الإسرائيلية” نجحت في “شل” الجيش الإيراني وإخراجه من المعادلة لسنوات. لكن خلف الأبواب المغلقة، كانت وكالات الاستخبارات تقول شيئاً آخر: الحرب لم تُنهِ التهديد الإيراني، بل دفعت طهران إلى إعادة تموضع أكثر مرونة وتعقيداً.

لذلك؛ فلم تكن التسريبات مجرد خلاف تقني داخل مؤسسات الدولة الأمريكية، ولا مجرد تقديرات استخبارية تختلف عن التصريحات السياسية المعتادة، بل بدت أشبه باعتراف متأخر بأن الحرب على إيران لم تسر وفق السيناريو الذي بشّرت به إدارة ترامب منذ بدايتها. فبينما استمر البيت الأبيض في الحديث عن “تدمير” القدرات الإيرانية و “شل” بنيتها العسكرية، كانت وكالات الاستخبارات تبلغ كبار المسؤولين خلف الأبواب المغلقة بأن طهران استعادت ما يقارب 90٪ من منشآتها الصاروخية تحت الأرض، وأن الجزء الأكبر من الترسانة الإيرانية ما زال فاعلاً وقابلاً للاستخدام.

هذه المعطيات لا تمثل فقط ضربة للرواية السياسية الأمريكية، بل تكشف تحوّلاً أعمق في طبيعة الصراع الدولي وحدود القوة العسكرية الأمريكية نفسها. فالحرب التي كان يُفترض أن تؤكد مجدداً تفوق واشنطن وهيمنتها، انتهت إلى كشف هشاشة نموذج الهيمنة القائم على التفوق الجوي والقدرة النارية الضخمة، من دون القدرة على ترجمة ذلك إلى حسم استراتيجي نهائي.

الترسانة التي نجت والذخائر التي تتآكل

هذا الواقع يكشف أن الحرب لم تُنهِ القدرة الإيرانية، بل دفعتها إلى إعادة التموضع والتكيّف. فإيران لم تعتمد على نموذج الجيوش التقليدية الثقيلة التي يمكن شلّها بضربة مركزية، بل بنت خلال العقود الماضية منظومة قتالية تقوم على المرونة، والانتشار تحت الأرض، والمنصات المتحركة، والقدرة على امتصاص الضربات ثم إعادة التشغيل بسرعة. وهي استراتيجية تشبه إلى حد بعيد التحولات التي شهدتها الحروب الحديثة، حيث لم يعد التفوق التكنولوجي وحده كافياً لتحقيق الانتصار.

في الحقيقة، ما كشفته الحرب هو أزمة بنيوية داخل مفهوم القوة الأمريكية نفسه. فمنذ نهاية الحرب الباردة، بنت الولايات المتحدة استراتيجيتها الكبرى على فرضية أساسية: أن التفوق العسكري الساحق يسمح بفرض الإرادة السياسية في أي مكان من العالم. لكن التجارب المتلاحقة، من أفغانستان إلى العراق ثم إيران، أظهرت أن الحروب لم تعد تُحسم بالطريقة التقليدية نفسها.

لقد استطاعت الولايات المتحدة في العراق إسقاط النظام خلال أسابيع قليلة، لكنها فشلت في فرض الاستقرار أو بناء نظام سياسي مستقر يخدم أهدافها. وفي أفغانستان، امتلكت السيطرة الجوية الكاملة لعشرين عاماً، لكنها خرجت في النهاية تاركة البلاد لحركة طالبان. أما في إيران، فالمشكلة تبدو أكثر تعقيداً، لأن واشنطن لم تستطع حتى تحقيق الحسم العسكري الجزئي الذي كانت تتحدث عنه.

الأخطر من ذلك أن الحرب كشفت حدود القدرة الأمريكية على خوض استنزاف طويل. فالأرقام المسرّبة بشأن استهلاك الذخائر ليست تفصيلاً تقنياً، بل تعكس أزمة استراتيجية حقيقية. استخدام أكثر من ألف صاروخ “توماهوك”، وأكثر من 1300 صاروخ اعتراضي من طراز “باتريوت”، يعني أن الحرب لم تستنزف إيران فقط، بل استنزفت المخزون الأمريكي نفسه.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: القوة العسكرية الأكبر في العالم أصبحت مضطرة إلى حساب مخزونها الصاروخي بعناية، والتفكير بقدرتها على التعويض الصناعي قبل أي تصعيد جديد. وهذا تحديداً ما يفسر القلق المتزايد داخل البنتاغون من أي مواجهة إضافية، ليس فقط بسبب كلفة الحرب المباشرة، بل لأن واشنطن باتت مضطرة إلى توزيع مواردها العسكرية بين الخليج وآسيا وأوروبا في وقت واحد.

فالولايات المتحدة لا تنظر إلى إيران باعتبارها التحدي الوحيد، بل ترى أن المواجهة الحقيقية على المدى البعيد ستكون مع الصين. ولهذا السبب، فإن استنزاف الذخائر الاستراتيجية في الخليج يُنظر إليه داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية باعتباره تهديداً لقدرة الردع الأمريكية في مناطق أخرى أكثر أهمية استراتيجية.

حين تفقد الهيمنة قدرتها على الردع

ومن هنا يمكن فهم ما كشفته التقييمات الاستخبارية بشأن “الخيار التكتيكي” الذي اتخذه البنتاغون خلال الحرب. فبدل تدمير المنشآت الإيرانية بالكامل من الداخل، فضّلت واشنطن إغلاق مداخلها واستهداف محيطها، حفاظاً على القنابل الخارقة للتحصينات لاستخدامات محتملة مستقبلاً في آسيا. وهذا يعني أن الولايات المتحدة دخلت الحرب وهي تدرك أصلاً أن قدرتها على الاستنزاف ليست مفتوحة بلا حدود.

هذه النقطة بالذات تكشف التحول الأهم في بنية النظام الدولي. فخلال العقود الماضية، كانت الولايات المتحدة تخوض حروبها انطلاقاً من افتراض أنها تمتلك فائض قوة يسمح لها بفتح أكثر من جبهة في الوقت نفسه من دون القلق على مخزونها أو قدرتها الصناعية. أما اليوم، فإن الحرب مع إيران أظهرت أن حتى القوة الأعظم في العالم أصبحت تخشى من استنزاف طويل قد يضعف قدرتها على الردع العالمي.

وفي المقابل، نجحت إيران في استغلال هذا المأزق بذكاء. فهي لم تسعَ إلى مواجهة الولايات المتحدة مواجهة تقليدية مباشرة، بل اعتمدت على استراتيجية “منع الحسم”. أي رفع كلفة الحرب إلى مستوى يجعل تحقيق النصر الأمريكي الكامل أمراً بالغ الصعوبة.

هذا النوع من الحروب ليس جديداً تماماً. فقد أثبتت حروب التحرر الوطني منذ منتصف القرن الماضي أن الدول الأضعف قادرة على الصمود أمام القوى الكبرى إذا امتلكت الجغرافيا المناسبة، والتكتيكات المرنة، والاستعداد لتحمل حرب طويلة. لكن الجديد اليوم أن هذه الاستراتيجية لم تعد مقتصرة على الجماعات غير النظامية، بل أصبحت جزءاً من عقيدة دول تمتلك قدرات صاروخية وبنى تحتية عسكرية معقدة مثل إيران.

وهنا تحديداً تبدو الحرب الإيرانية مختلفة عن حروب أمريكا السابقة. فطهران لم تحاول مجاراة واشنطن في التفوق الجوي أو البحري، بل بنت نموذجاً قائماً على جعل هذا التفوق أقل فاعلية. ومن خلال المنشآت تحت الأرض، والصواريخ المتحركة، والقدرة على إعادة التشغيل السريع، استطاعت تحويل القوة الأمريكية من أداة حسم إلى أداة استنزاف مكلفة.

هذا التحول يفسر أيضاً القلق المتزايد لدى حلفاء واشنطن في الخليج. فالدول التي اعتمدت لعقود على فكرة الحماية الأمريكية المطلقة بدأت تدرك أن الولايات المتحدة ما تزال قوية، لكنها لم تعد قادرة على فرض الاستقرار السريع كما في السابق. فالحرب مع إيران لم تنتج “شرق أوسط جديداً” كما حلم بعض صناع القرار، بل أنتجت منطقة أكثر توتراً، وأسواق طاقة أكثر هشاشة، ومخاوف أعمق بشأن أمن الملاحة والطاقة.

ولذلك، تتجه دول الخليج تدريجياً نحو سياسات أكثر براغماتية تقوم على تنويع الشراكات الدولية، والانفتاح على قوى مثل الصين وروسيا، ومحاولة بناء توازنات إقليمية تقلل من الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية.

في العمق، لا تكشف الحرب عن انهيار أمريكي شامل، فواشنطن ما تزال تمتلك أكبر اقتصاد وأقوى جيش وأوسع شبكة تحالفات في العالم. لكن ما تغيّر هو فعالية استخدام هذه القوة. فالتفوق العسكري لم يعد يضمن النصر السياسي، والقدرة على التدمير لم تعد تعني القدرة على فرض الإرادة. وهذا تحديداً ما يجعل الحرب مع إيران لحظة مفصلية في التحولات الدولية الراهنة. فالعالم لا يتجه نحو التعددية القطبية فقط بسبب صعود قوى جديدة، بل لأن القوة المهيمنة نفسها أصبحت أقل قدرة على استخدام تفوقها بالطريقة التي اعتادت عليها.

لقد كشفت حربا العراق وأفغانستان حدود الاحتلال وتغيير الأنظمة، أما الحرب مع إيران فقد كشفت حدود الإكراه العسكري ذاته. أي أن القوة العظمى قد تمتلك القدرة على التدمير، لكنها قد تعجز عن تحويل هذا التدمير إلى نتيجة سياسية مستقرة.

ومن هنا يمكن فهم التقديرات التي تتحدث عن أن العالم يتجه نحو نظام قائم على “منع الهيمنة” أكثر من قيامه على هيمنة جديدة بديلة. فالدول الأصغر لم تعد بحاجة إلى امتلاك قوة مساوية للقوى الكبرى كي تردعها، بل يكفيها امتلاك القدرة على رفع كلفة الحرب ومنع الحسم.

هذا ما فعلته إيران عملياً. فهي لم تهزم الولايات المتحدة بالمعنى التقليدي، لكنها نجحت في شيء لا يقل أهمية: منعت واشنطن من تحقيق نصر حاسم، وأجبرتها على خوض حرب استنزاف مكلفة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. ولهذا، فإن أخطر ما تكشفه التقييمات السرية الأمريكية ليس فقط أن إيران استعادت معظم منشآتها الصاروخية، بل أن الولايات المتحدة نفسها باتت تواجه حدود قوتها بصورة أوضح من أي وقت مضى. فالحرب التي كان يُفترض أن تؤكد الهيمنة الأمريكية انتهت إلى كشف مأزقها: الذخائر تنفد، الكلفة ترتفع، والحسم يبتعد، بينما تستمر طهران في الصمود وإعادة بناء قدرتها.

وفي الفجوة بين التفوق العسكري والعجز عن فرض النتائج، تتشكل ملامح عالم جديد، عالم لا تختفي فيه القوة الأمريكية، لكنها تفقد فيه قدرتها القديمة على إخضاع الخصوم وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية بالقوة وحدها.

في النهاية؛ لا تبدو الأزمة الحالية مجرد مواجهة عسكرية هامشية بين واشنطن وطهران، بل لحظة كاشفة لتحولات أعمق في بنية النظام الدولي نفسه. فالحرب التي كان يُفترض أن تُعيد تثبيت الردع الأمريكي، انتهت بكشف حدود القوة، واستنزاف المخزون الاستراتيجي، وعجز التفوق العسكري عن فرض نتائج سياسية حاسمة. وفي المقابل، أظهرت إيران قدرة على امتصاص الضربات والحفاظ على جزء كبير من بنيتها الصاروخية، بما حوّل الصراع من معركة حسم إلى معادلة استنزاف مفتوحة. وبين رواية الانتصار التي ترفعها واشنطن ووقائع الميدان التي تقلق مؤسساتها الاستخبارية، يتشكل مشهد دولي جديد، أقل خضوعاً للهيمنة، وأكثر ميلاً إلى توازنات القوة المعقدة والهشة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *