اتفاق تاريخي لتبادل الأسرى.. تكتيك سعودي أم جدية نحو السلام مع اليمن؟
بقلم نوال النونو
أعلن في العاصمة الأردنية عمّان الخميس الماضي التوقيع على أكبر صفقة لتبادل الأسرى بين حكومة صنعاء والسعودية ومرتزقتها من اليمنيين، إذ تشمل الصفقة الإفراج عن نحو 1728 محتجزاً من الجانبين.
وأكد رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى عبد القادر المرتضى التابع لحكومة صنعاء أنه تم التوقيع على قوائم أسماء الأسرى والمعتقلين، حيث بلغ عددهم 1100 أسير ومعتقل من طرف صنعاء، و580 من الطرف الآخر، بينهم 7 أسرى سعوديون و20 أسيراً سودانياً، مؤكداً أنه سيتم تنفيذ الاتفاق بعد استكمال إجراءات الصليب الأحمر الدولي.
من جانبه، عبر رئيس المجلس السياسي الأعلى بصنعاء المشير الركن مهدي المشاط عن شكره للجهود المبذولة لإنجاح هذا الاتفاق، مؤكداً أن صنعاء قدمت ولا زالت تقدم كل التسهيلات من أجل إنجاز هذا الملف الإنساني بشكل كامل، والإفراج عن كل الأسرى والمختطفين لدى العدوان الأمريكي السعودي ومرتزقته، وذلك وفقاً لمبدأ الكل مقابل الكل، كما هو متفق عليه في خارطة الطريق.
لذلك يعتبر التوقيع على هذا الاتفاق إنجازاً تاريخياً، كونه أكبر صفقة لتبادل الأسرى بين الطرفين منذ بدء العدوان على اليمن في مارس/ آذار 2015م، خصوصاً وأن هذا الملف ظل عرضة للابتزاز والمساومة من قبل السعودية التي ظلت ترمي الأشواك في طريق أي حل، وتماطل في تنفيذ الاتفاقات السابقة.
ومنذ مارس آذار 2015، جُرّع اليمن كأس حصار لم تشهد له المنطقة مثيلاً في قسوته واستمراريته، حيث عانى اليمنيون من انقطاع الوقود بسبب إغلاق ميناء الحديدة، والحرمان من السفر إلى الخارج نتيجة إغلاق مطار صنعاء، فضلاً عن معاناة كبيرة لا توصف.
وعلى الرغم من توقيع هدنة بين اليمن والسعودية عام ٢٠٢٢م، والتي كان من نتائجها إيقاف الغارات الجوية السعودية والإماراتية على اليمن ورفع الحصار جزئياً من خلال السماح لسفن الوقود بالدخول إلى ميناء الحديدة، إلا أن السعودية أدخلت اليمن في حالة من اللاحرب واللاسلم، كما أنها ماطلت في تنفيذ استحقاقات السلام، ومنها الإفراج عن الأسرى، وإنهاء احتلالها للمحافظات الجنوبية والشرقية، ودفع تعويضات الحرب، ورواتب الموظفين، وبناءً على ذلك، تحولت الهدنة إلى سراب، إذ لم تلتزم المملكة بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
باب المندب يحرك المفاوضات
واستبقت صنعاء هذا الاتفاق برسالتين بعثها نائب وزير الخارجية بصنعاء إلى مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، حيث حذر فيهما من استمرار الحصار الظالم والجائر على الشعب اليمني منذ 2015م، مؤكداً أنه لا يخدم الأمن والسلم الدوليين.
وأكد أبو راس بأن “استمرار الإجراءات الظالمة والأنشطة العدائية من قبل أمريكا وأداتها الرخيصة في المنطقة والمتمثلة بالنظام السعودي سيلحق ضرراً أكبر بالمنطقة والاقتصاد العالمي وستكون النتائج كارثية”، منوهاً بأن حالة اللاسلم واللاحرب لم تعد مقبولة على الإطلاق، وأن مماطلة السعودية في إحلال السلام في اليمن وتنفيذ بنود خارطة الطريق سيدفع بصنعاء للجوء إلى استخدام خيارات أخرى من أجل إنهاء معاناة الشعب اليمني وانتزاع حقوقه.
ويُفهم من سياق مضمون الرسالتين أن صنعاء تخاطب المجتمع الدولي للقيام بدوره في الضغط على السعودية للجنوح إلى السلام ورفع معاناة اليمنيين، وهي رسالة تحذيرية تسبق قيام اليمن بإغلاق باب المندب، إذ إن مماطلة السعودية في تنفيذ خارطة الطريق أصبحت تهديداً للأمن الإقليمي والدولي، وبناءً عليه، إذا استمرت هذه المماطلة، فإن صنعاء تحتفظ بحق الرد بوسائل أخرى، في مقدمتها الخيارات العسكرية التي تمس الاقتصاد السعودي والملاحة الدولية في باب المندب.
وهكذا، جاء التحذير اليمني ليحرك المياه الراكدة، ويدفع السعودية إلى المسارعة في التوقيع على هذا الاتفاق الإنساني، على أن يكون هذا الاتفاق مقدمة لمعالجة بقية الملفات إذا وجدت النوايا السعودية الصادقة، ومنها دفع تعويضات الحرب، ودفع رواتب الموظفين من مقدرات اليمن النفطية والغازية التي نهبتها السعودية طيلة أكثر من عقد مضى، وصولاً إلى إنهاء الوجود السعودي من اليمن، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لليمن.
لقد أثبت اليمن حسن نواياه خلال الأعوام الماضية، ذلك أنه على الرغم من المماطلة السعودية وعدم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه عام 2022م، إلا أن صنعاء لم تتحرك عسكرياً لعودة الحرب من جديد مع المملكة، بل فضلت خيار “الصبر الاستراتيجي” ولم تستثمر أوراقها القوية للضغط على الرياض، ومن أبرز ذلك إغلاق مضيق باب المندب أمام الملاحة السعودية، كما فعلت صنعاء بنجاح مبهر في إغلاق الملاحة الصهيونية خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
وفي النهاية، ستظهر الجدية الحقيقية للسعودية نحو السلام مع اليمن من خلال التنفيذ، فإذا تمت عملية التبادل وجرت بكل سهولة ويسر، فإنها ستكون مقدمة لحلحلة بقية الملفات الأخرى، وأما إذا عادت المملكة إلى سيناريو المماطلة وعدم الالتزام بالاتفاقات، فإن هذا يفتح أبواباً لصنعاء للرد، وسيكون باب المندب أهم الأوراق الاستراتيجية التي سيتم اشهارها أمام السعودية في المرحلة المقبلة.
ما حدث مؤشرات إيجابية ترسلها السعودية نحو صنعاء، ويبدو أن فشل العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية جعل المملكة تغير من نظرتها للكثير من الملفات في المنطقة ومن بينها عدوانها على اليمن؛ لأن استمرار المملكة في المماطلة سيدفع صنعاء نحو استهداف منشآت الطاقة السعودية وقصف تصدير النفط في ينبع بالبحر الأحمر، وهذا سيعطل الاقتصاد السعودي تماماً وسيضاعف من محنة الاقتصاد العالمي الذي يعاني نتيجة إغلاق مضيق هرمز.
أما إذا كانت السعودية تعمل وفق خطة تكتيكية من أجل المناورة فقط، فإن الصبر اليمني له حدود، ولا يمكن لصنعاء أن تدخل في مفاوضات قادمة مع المملكة إلا بوسائل ضغط كبيرة سيكون عنوانها في المرحلة المقبلة “البحر الأحمر” ولا شيء سواه.
