هل يتوحد اليسار المغربي استعداداً للانتخابات البرلمانية المقبلة؟
بقلم توفيق المديني
في خطوةٍ سياسيةٍ مهمةٍ، حسم وحزب “فيدرالية اليسار الديمقراطي المغربي، عمر محمود بنجلون، و”الحزب الاشتراكي الموحد” يوم الأحد 10آيار/ مايو 2026، تحالفهما الانتخابي استعداداً لخوض غمار الانتخابات التشريعيات التي ستقام في المغرب يوم 23 سبتمبر/ أيلول المقبل، وذلك في خطوة قد تقوّي حظوظ اليسار في المشهد البرلماني القادم.
وجاء ذلك بعد مصادقة كل من المجلس الوطني للحزبين، على قرار التحالف لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة بلوائح مشتركة.
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في المغرب (خريف 2026)، بدَتْ لافتة عودة الحزبين إلى طاولة التنسيق، التي توّجت بالاتفاق على إحداث آلية تقنية مشتركة، أوكلت إليها مهمة وضع تصور عملي للتنسيق الانتخابي، خاصة ما يرتبط بتدبير الترشيحات وتقاسم الدوائر، بالاستناد إلى نتائج انتخابات عام 2021، باعتبارها مرجعاً لتحديد الحزب الأحق بقيادة اللوائح في كل دائرة. وذلك في خطوة قد تقوّي حظوظ اليسار في المشهد البرلماني القادم. وجاء ذلك بعد مصادقة كل من المجلس الوطني للحزبين، على قرار التحالف لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة بلوائح مشتركة.
فمن هو حزب “فيدرالية اليسار الديمقراطي” المغربي؟
تشكل حزب “تحالف اليسار الديمقراطي” المغربي من ثلاثة أحزاب سياسية مغربية، هي: حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي، والحزب الاشتراكي الموحد، في الرباط يوم 30 يناير/كانون الثاني 2014، وهي جميعها أحزاب يسارية من حيث الانتماء الإيديولوجي والسياسي.
وجاءت الصيغة الجديدة للتحالف بعد حوالي خمس سنوات من الحوار في إطار ما يعرف بـ “تحالف اليسار الديمقراطي” – الذي أعلن عنه عام 2007 – بغرض تقوية صفوف اليسار في الساحة السياسية والتنسيق بينها قبيل الانتخابات المحلية (البلدية والقروية) في 12 يونيو/حزيران 2009.
يتبنى حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي كما هو واضح من تسميته الإيديولوجيا الماركسية المنفتحة، أو لاشتراكية الديمقراطية على الطريقة الأوروبية، ويتكون برنامجه السياسي من إحدى عشرة نقطة، على رأسها “النضال الديمقراطي الجماهيري السلمي للمساهمة في الانتقال من نظام “مخزني” إلى نظام ديمقراطي”. ويعتبر أن النظام الديمقراطي يتلخص “في ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم، ونظام يقوم على الفصل الحقيقي للسلطات واستقلال القضاء وربط القرار السياسي بصناديق الاقتراع”.
كما ينص برنامجه على “الانخراط الحقيقي في النضال الاجتماعي بكل أشكاله من أجل التوزيع العادل للثروة الوطنية وتحقيق العدالة الاجتماعية” والنضال من أجل انتخابات حرة ونزيهة، وإصلاح التعليم إصلاحا عميقا، و”تحديث الثقافة الوطنية ودعمها استنادا إلى هويتها العربية الإسلامية الأمازيغية المنفتحة”.
اختلفت ظروف نشأة كل حزب من الاحزاب الثلاثة المشكلة لفدرالية اليسار الديمقراطي وسياقها التاريخي والسياسي، فحزب الطليعة نشأ في مايو/أيار 1983 نتيجة انشقاقه عن الحزب الاشتراكي للقوات الشعبية، وبقي يحمل اسم “الاتحاد الاشتراكي.. اللجنة الإدارية”. غيّر اسمه إلى “حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي” في أكتوبر عام 1991، ولم يغير موقفه المقاطع للانتخابات إلا في 7 سبتمبر/أيلول 2007 حيث شارك في الانتخابات البرلمانية. وكذلك الأمر بالنسبة لحزب المؤتمر الوطني الاتحادي، ولد نتيجة انشقاق عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عقب فشل المصالحة بين المنسحبين من المؤتمر السادس وببن الزعيم عبد الرحمن اليوسفي الأمين العام لحزب الاتحاد يومها. عقد مؤتمره التأسيسي عام 2001. أما الحزب الاشتراكي الموحد فتشكل من مجموعة تيارات يسارية كانت تشتغل من قبل في المجال النقابي والجمعوي، وظل الحزب منذ نشأته في المعارضة.
نحو مسعى لبناء يسار مغربي موحد وتعددي
يسعى حزب فيدرالية اليسار المغربي إلى توسيع دائرته وانضمام باقي الأحزاب اليسارية المغربية الأخرى كالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية، ويشترط عليها امتلاك قرارها واستقلالها عن نفوذ الدولة وتحكمها، وهو يسعى كذلك إلى العمل المشترك مع القوى اليسارية والديمقراطية في المنطقة المغاربية والعربية.
ويتقاسم الحزبان عملياً المشروع السياسي نفسه، خاصة تبني فكرة الملكية البرلمانية حداً أدنى للإصلاح السياسي، كما كانا قد ساهما في تأسيس تحالف “فيدرالية اليسار الديمقراطي” (الذي ضم حزب الاشتراكي الموحد والطليعة الديمقراطي والمؤتمر الوطني الاتحادي) في 30 يناير/ كانون الثاني 2014، في محاولة لتوحيد جبهة اليسار المغربي. ومنذ ذلك الحين، وعلى امتداد الاستحقاقات الانتخابية التي عرفتها البلاد، خاضت تلك الأحزاب الانتخابات باللائحة الموحدة للتحالف. غير أن المسار الوحدوي انحل عشية تشريعيات 2021، حين قرر الحزب الاشتراكي الموحد، بشكل مفاجئ، سحب توقيعاته من اللوائح المشتركة لـ “فيدرالية اليسار الديمقراطي” لدى وزارة الداخلية المغربية، والتقدم بلوائح منفردة دون الحزبين اللذين رافقاه منذ عام 2014، وهو القرار الذي أدى حينها إلى انقسام حاد في البيت اليساري، وبعثر أوراق التحالف الذي كان يراهن عليه كثيرون لتشكيل قطب يساري قوي.
خريطة أهم الأحزاب اليسارية التاريخية في المغرب
أولاً: الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ويُعَدُّ الحزب اليساري التاريخي في المغرب، فقد خرج من أحشاء ” الاتحاد الوطني للقوات الاشتراكية” الذي تأسس في عام 1959، وكان من قادته عبد الله ابراهيم والمهدي بن بركة الذي اغتيل سنة 1965 في الخارج وعمر بنجلون الذي اغتيل بدوره سنة 1975 وعبد الرحيم بوعبيد الذي تزعم حزب الاتحاد الاشتراكي المنشق عن الاتحاد الوطني منذ نشأته عام 1975 وحتى وفاته عام 1992 ليخلفه عبد الرحمن اليوسفي أحد القادة السياسيين التاريخيين الذي ارتبط منذ الخمسينيات بتيار المقاومة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي وجيش التحرير، وأحد مؤسسي الاتحاد بشقيه الوطني والاشتراكي .
انعقد المؤتمر العام السادس لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الأربعاء 28 آذار 2001، واستقطب بلا شك مجموعات وتيارات ظاهرها أنها تنتمي لحزب واحد، وحقيقتها ما ستسفر عنه وقائع المؤتمر الموعود. ويعود آخر مؤتمر لحزب الاتحاد الاشتراكي إلى سنة 1989 (المؤتمر الخامس)، حيث اختار عبد الرحمن اليوسفي مكتباً سياسياً موالياً له، لم يتم انتخابه منذ أكثر من عشر سنوات.
ثانياً: حزب التقدم والاشتراكية، وهو الحزب الشيوعي سابقاً الذي تأسس عام 1943، وغير الحزب اسمه في مؤتمره الثالث في تموز 1966، وقرر على إثره إطلاق اسم جديد على الحزب “حزب التحرر والاشتراكية”، وتحول بعد خروجه إلى العلنية عام 1974 إلى حزب التقدم والاشتراكية.
وعلى الرغم من أن حزب التقدم والاشتراكية يعتبر فرعا ًمن فروع الوطنية المغربية الحديثة فإن المؤسسة الملكية اتخذت منه موقفا ً معاديا ً بسبب تبنيه الايديولوجية الماركسية اللينينية في العقدين الأولين من مرحلة ما بعد الاستقلال. وحصل حزب التقدم والاشتراكية على مقعد واحد في البرلمان عام 1977 شغله الأمين العام الراحل للحزب علي يعته. وحصل الحزب على 9 مقاعد في الانتخابات الاخيرة.
تجربة اليسار المغربي الفاشلة
في نقل الملكية المغربية الإقطاعية إلى ملكية دستورية
بات التناوب على السلطة حقيقة ملموسة في المغرب، منذ أن أشرفت حكومة عبد الرحمن اليوسفي الائتلافية، زعيم الحزب الاشتراكي للقوات الشعبية سابقا، على خوض تجربة حكومة التناوب منذ سنة 1998. وقد علق المغاربة عامة واليسار خاصة آمالاً كبيرة على هذه التجربة بهدف إحداث تغييرات ديمقراطية، حيث جاء اليوسفي من قلب معاناة الديمقراطية في صراعها مع تقاليد المخزن، وكان يمثل الأبوة النابضة والحكيمة لليسار الخائب المتشرذم، والمتذمر دائماً.
ومن المعلوم أن المغرب يحاول أن يشكل الوعاء لاستيعاب الديمقراطية. وعملية الاستيعاب هذه تقتضي من دون شك إجراءات تتميز بالقدرة على تحقيق الوئام بين الإيديولوجيا الديمقراطية الوافدة من الغرب، والثقافة السياسية السائدة لدى الدولة المخزنية في المغرب، بصورة تتماشى مع ذهنيات الشعب المغربي.
عندما خلف والد الراحل الحسن الثاني في يوليو عام 1999، كان الملك محمد السادس هو الملك 23 من السلالة العلوية التي تحكم المغرب منذ أكثر من ثلاثة قرون، وهي أقدم سلالة في التاريخ المعاصر. ومع أن الملكية في المغرب تتحول تدريجياً إلى نظام ملكي دستوري، فإن هناك قوى سياسية مغربية عديدة، تضم في صفوفها: حركة الشباب، والتيارات العلمانية، وحركة العدل والإحسان التي يقودها الشيخ عبد السلام ياسين، تدعو إلى إقامة ملكية برلمانية على الطريقة البريطانية، إذ تقول حركة 20 فبراير – تاريخ بدء الحركة الاحتجاجية الشعبية التي عمت المدن المغربية الرئيسية – :” إننا نريد ملكاً يسود، لكنه لا يحكم”.
ويعترف قادة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بأن اليسار ” تبرجز”، وأن الجماهير الشعبية في الأحياء الفقيرة لم تعد تثق بالأحزاب الاشتراكية، بل أصبحت تستقطبها جمعية العدل والاحسان التي يقودها الشيخ عبد السلام ياسين، و هي جمعية إسلامية أصولية.
خاتمة
يؤكِّدُ التحالف بين الحزبين اليساريين في المغرب في خطابه السياسي والإعلامي على بعث برسالة واحدة هي أن التنظيمات اليسارية تتجاوز أعطابها وتتجه نحو شعب اليسار بجواب على مطلب الوحدة آليةً لتحقيق الغاية الوطنية والتقدمية طريقاً ثالثاً بديلاً عن الثنائية القاتلة بين المحافظة والرأسمالية المتوحشة وتصحيح المسار الديمقراطي والاشتراكي في المغرب نموذجاً جهوياً. ويضيف هذا التحالف: “إذا أصلحت الآليات وأحسنت الاستراتيجيات والتكتيكات السياسية سيعود شعب اليسار لصناديق الاقتراع لخلق ميزان قوى جديد كما كان قائما في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي على الرغم من اختلاف السياق ووجود دستور متقدم نسبياً وتراكم حقوقي بعيد عن ممارسات الماضي ونمو البنية التحتية”.
في الواقع التاريخي المغربي، إذا لم يبلور هذا التحالف اليساري المغربي مشروعاً وطنياً ديمقراطياً لإعادة بناء الدولة الوطنية المغربية، والذي يقتضي أولاً وأساساً، تقديم أجوبة عقلانية وتاريخية للمعضلات التي يعاني منها المغرب منذ فجر الاستقلال وليومنا هذا.
الأولى: يشكل تجذر المؤسسة الملكية ومركزيتها في البنية السياسية للنظام المغربي معطى تاريخياً قائماً، من الصعب جداً أن يقبل الملك محمد السادس القيام بالإصلاحات الدستورية، لانتقال المغرب من ملكية إقطاعية إلى ملكية دستورية على الطريقة البريطانية، حيث تكون السلطة التنفيذية للبرلمان، فالملك محمد السادس لا يمكن له أن يتنازل عن صلاحياته المطلقة، باعتبار المكانة الدينية والرمزية للملك، والمتحكم في كل مؤسسات الدولة. ومن الواضح أن تطور المسألة الدستورية في المغرب، وتجذير المسلسل الديمقراطي لتأمين التداول السلمي على الحكم بين السلطة والمعارضة، مرتبط اشد الارتباط بتحديث أجهزة الدولة ومؤسساتها لتكون مؤهلة للعبور إلى القرن الحادي والعشرين وثورته المعلوماتية المستمرة، وبالالتزام بالقيم السياسية الديمقراطية المعاصرة. غير أنَّ مثل هذه الرؤية لا يمتلكها الملك محمد السادس، وليس لديه الرغبة الملكية في إرساء أسس التداول السلمي على السلطة بوساطة الانتخابات، حتى لوكان اليسار المغربي المعارض يتعامل بقدر عالٍ من النضج السياسي والعمل في صياغة مدركاته السياسية لمتطلبات المرحلة الراهنة.
الثانية: معضلة التطبيع بين النظام المغربي والكيان الصهيوني، حيث تحول هذا الأخير إلى حليف استراتيجي للنظام المغربي في منطقة المغرب العربي لممارسة استراتيجية التطويق والمحاضرة للدولة الوطنية الجزائرية. علماً أن معظم الشعب المغربي مناهض للتطبيع مع العدو الصهيوني. وتقود الحركة الإسلامية الراديكالية في المغرب، جمعية “العدل والإحسان”، طليعة هذا النضال ضد التطبيع.
الثالثة: وهي اجتماعية، إذْ أصبح المغرب يعاني من فوارق طبقية واجتماعية فاضحة في المدن الكبرى حيث غالبية السكان مهمشة، جراء فرض طبقة رأسمالية متوحشة من المرتهنين الخوة على البلاد مستأثرة بالمناصب والامتيازات، متوزعة الثروات الوطنية ومجذرة أسوأ أشكال التخلف في نظام لا يزال إقطاعياً إلى حدٍ بعيدٍ يقوده الملك محمد السادس. كما أن الخيارات الاقتصادية الاجتماعية التي تبناها النظام في نطاق ارتماء المغرب في نظام العولمة الليبرالية الأمريكية المتوحشة، قادت هذه الخيارات عينها إلى ازدياد الفقر، وتنامي أحياء الصفيح في الدار البيضاء وغيرها من المدن المغربية، التي باتت مصدر الانفجارات الشعبية الكبيرة التي شهدها المغرب طيلة عقدي الثمانينيات والتسعينيات، وفي انتفاضة الربيع العربي سنة 2011.
الرابعة: إنَّ تنامي الفساد الذي ينخر المملكة المغربية مثل الغرغرينا، وازدياد عدد الأغنياء الجدد وبروزهم يجعل الفارق بين الأضداد ظاهراً للعيان و هو خارج ســيطرة الدولة .كما أن استمرار القمع البوليسي مع منع قيام الاحتجاجات الشعبية، وقمع الصحافيين المنتقدين، والزَّجِ بهم في غياهب السجون، هذه العوامل كلها قادت إلى “انتفاضات الجوع” العديدة، أغرقها النظام في الدماء مثلما حدث مع مثلا في الدار البيضاء في حزيران /يونيو1981(66 قتيلاً) و في مراكش وتطوان كانون الثاني /يناير عام 1984(أكثر من 110 قتلى) وفي فاس وطنجة في كانون الأول /ديسمبر عام 1990(20 قتيلاً). وقد ساعد العنف الرسمي، والرعب الناتج منه، النظام طويلاً في تأخير عمليات الإصلاح الضرورية.
