إقليميات

هل تُصان السَّيادة بالتَّفاوض تَحتَ النَّار أم بِقوَّةِ المُقاومَةِ؟

بقلم زينب عدنان زراقط

سنواتٌ من الصبر والثبات والمواجهة، كُتبت بالنار والدم، لم تكن يوماً معركة حدود أو نزاعاً على بقعة جغرافية فحسب، بل معركة وجود وهوية وسيادة وكرامة أمة بأكملها.

فيا أيها الذي تُراهنُ على بقاء الجيش الإسرائيلي فوق ذرّة تراب من أرض جنوبنا، رهانك حتماً فاشل، وفشله من المُسلّمات اليقينية لدى المقاومة من خلال دحر العدو. لكن القضية اليوم لم تعد محصورة فقط بتحرير أرضٍ مُحتلة، بل تجاوزت ذلك إلى مشروع أكبر عنوانه إنهاء الهيمنة الصهيونية والأمريكية عن منطقتنا، حيث أن الهدف الأسمى الذي ارتقى لأجله الشهداء هو “زوال إسرائيل من الوجود”، كما “إزالة الوجود الأمريكي” الذي لم يجلب لشعوب المنطقة سوى الحروب والانقسامات والاحتلالات المقنّعة.

لكن، وفي لحظةٍ يُفترض أن تتوحد فيها الدولة خلف تضحيات شعبها ومقاومتها، يبرز سؤال خطير يفرض نفسه بقوة على اللبنانيين جميعاً: إلى أين يُدفع لبنان اليوم؟ وهل ما يجري من مفاوضات مباشرة تحت عناوين “التهدئة” و”الاستقرار” ليس سوى إعادة إنتاج لمسار قديم سقط بالدم والانقسام والفوضى؟ وهل يُعاد فتح الباب مجدداً أمام مشروع شبيه باتفاق 17 أيار الذي قُدّم يوماً باعتباره “الحل الواقعي”، فإذا به يتحول إلى أحد أخطر أبواب الحرب الأهلية والانهيار الوطني؟ وهل يمكن للتاريخ اللبناني، المثقل بالجراح والانقسامات، أن يعيد نفسه مرة أخرى حين تتشابه الظروف والضغوط والشعارات؟.

بين تضحيات المقاومة ومشروع الصراع الوجودي في المنطقة

إذا ما نظرنا إلى جليل ما قدمناه من أغلى قادتنا، من شهيدنا الأقدس السيد حسن نصرُ الله (رض)، إلى شهيد الأمة الإسلامية السيد علي الخامنئي (رض)، إلى شهدائنا بالألوف، إلى القرى التي تهدمت بيوتها وآثارها بالكامل وأُزيلت معالمها، إلى القبور التي نُبشت وقباب المساجد التي تحطمت ولم تسلم من الصواريخ، إلى شجر الزيتون الذي اقتلعوه وجنى الخيرات التي سرقوها… نُدرك أن كل هذا الفداء لم يكن ليكون ثمنه مجرد انسحاب إسرائيلي من أراضٍ لبنانية محتلة، بل هو بداية اضمحلال هذه الغدة السرطانية التي زرعت في قلب المنطقة، ولعلّ “نتنياهو” يكون آخر رئيس وزراء لدى الكيان الصهيوني يجرّ معه هذا الاستيطان الهجين إلى الهلاك، كما قد يكون “ترامب” آخر الوجوه التي تقود التواجد الأمريكي في الشرق الأوسط نحو الزوال والانكفاء.

إلّا أن ما يُقرح هذا القلب، أنّه على عكس الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تتكاتف بكل أحزابها وتياراتها خلف المرشد الأعلى نصرةً لبلادهم وضد أطماع الأعداء، والدولة في ظهر الحرس الثوري والجيش تؤازره وتقف سدّاً منيعاً في المحافل الدولية لترسيخ شروط الوطن وضمان حقوقه وأمنه ورفع العدوان عنه، وفي يدها ورقة القوة التي تفرض نفسها، ألا وهي “المقاومة”؛ نرى لبنان في المقلب الآخر يعيش حالة تخلٍّ رسمي وسياسي خطير عن عناصر قوته.

فالحكومة، بدل أن تكون في ظهر المقاومة التي دفعت الدم دفاعاً عن لبنان، تطعنها في ظهرها، وتُسلّم أرض الجنوب عربون رضى لإسرائيل وأمريكا. الشهداء في حساباتهم مجرّد أرقام لا يُسأل عنها، فيما يهرولون إلى التفاوض المباشر أذلّاء، دون أي ورقة قوة بأيديهم، “سمعاً وطاعة”، يصافحون المجرمين قتلة الأبرياء، وينكرون فضل إيران التي كان من أوّل شروطها وقف العدوان العسكري عن لبنان.

ولا بل، وفي سابقة تُعدّ الأخطر والأكثر وقاحة في تاريخ العلاقة اللبنانية الإيرانية، سوّلت لهم أنفسهم الجشعة أن تتقدّم الدولة اللبنانية بشكوى رسمية إلى الأمم المتحدة ضد إيران للمرة الأولى، متهمةً طهران بخرق اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية والتدخل في القرار السيادي اللبناني وتوريط البلاد في حرب مدمرة خلافاً لإرادة الدولة، في وقتٍ كانت فيه إيران تعلن صراحة أن أولويتها وقف العدوان الإسرائيلي عن لبنان وحماية شعبه.

وفي موازاة ذلك، أفصحت جهات سياسية أنّ مفاجأة جلسة التفاوض المباشر في واشنطن بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، برعاية أمريكية، تتصل بمقترح أمريكي لتشكيل لجنة تنسيق أمني على غرار التنسيق الأمني بين “إسرائيل” والسلطة الفلسطينية، وكذلك التنسيق الأمني بين “إسرائيل” والحكم الجديد في دمشق. وموضوع هذا التنسيق، بحسب ما يُطرح، هو “حل القضايا الأمنية”، لكن المعنى الحقيقي لذلك، كما يراه كثيرون، يتجاوز العناوين التقنية إلى مشروع خطير يضع الدولة اللبنانية يداً بيد مع الإسرائيلي بهدف “نزع سلاح المقاومة”، ويشي أيضاً بما لديها من معلومات عن أسماء مسؤولين في المقاومة، وربما يكلفها مستقبلاً بالتقصي والتحري وبدء عمليات اعتقال سياسية بحق المقاومين أنفسهم.

وهنا، يعود السؤال الأخطر: أليس هذا هو المسار نفسه الذي بدأ به اتفاق 17 أيار؟ ألم يبدأ يومها أيضاً تحت عناوين “الاستقرار” و”الترتيبات الأمنية” و”إنهاء الحرب”؟ ألم يُسوّق للبنانيين على أنه “الحل الواقعي الوحيد” قبل أن يتحول إلى مشروع فتنة وانقسام داخلي وانهيار وطني شامل؟.

التفاوض المباشر اليوم هل يعيد مشهد 17 أيار بصيغة جديدة؟

بدأت المفاوضات المباشرة بين لُبنان و – إسرائيل – فيما لا يزال دخان الجنوب يتصاعد من القرى المدمرة، والدم لم يجف بعد ولم تندمل جراح الأهالي.. أما الشهداء، فكثيرٌ منهم، لا يزالون في العراء ولم يُوارَوا الثرى بعد. والأسوأ أن هذه المفاوضات تُعقد فيما العدو لا يزال ينتهك السيادة اللبنانية بشكل يومي وفاضح؛ طائراته المسيّرة تجوب الأجواء فوق مختلف الأراضي اللبنانية دون رادع، والغارات والسيارات المستهدفة تملأ الطرقات والشوارع، والتوغلات العسكرية في الجنوب مستمرة، إلى جانب عمليات تفجير المنازل والاعتداءات المتواصلة على القرى الحدودية. وكأنّ السلطة اللبنانية قررت الذهاب إلى طاولة التفاوض فيما العدوان قائم بكل أشكاله، والحصار والضغط والتهديد لم يتوقفوا لحظة واحدة، في مسارٍ يُدفع إليه لبنان تحت النار، وعلى وقع النزف والخراب والابتزاز السياسي والعسكري. في مشهد يعيد إلى الأذهان أكثر المراحل قتامة في تاريخ البلاد، صورة تكاد تشبه، إلى حدّ مقلق، الظروف التي سبقت اتفاق 17 أيار 1983. فكما جاء ذلك الاتفاق في ظل اختلال كبير في موازين القوى بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وفي ظل ضغوط خارجية وشعارات تتحدث عن “الاستقرار” و”الحلول الواقعية”، تأتي المفاوضات الحالية وسط انهيار اقتصادي وسياسي غير مسبوق، وضغط أمني وإقليمي خانق، ومحاولات لفرض وقائع جديدة تحت عناوين التهدئة والترتيبات الأمنية. وكأن التاريخ يعيد ترتيب مشاهده القديمة بأسماء مختلفة، فيما يبقى لبنان الساحة نفسها المفتوحة على التجاذبات الخارجية والانقسامات الداخلية.

في عام 1983، قُدّم اتفاق 17 أيار للبنانيين على أنه الطريق الوحيد لوقف الحرب واستعادة الدولة وإنهاء الاحتلال، تماماً كما يجري اليوم تسويق أي تفاهم أمني أو تفاوض مباشر باعتباره ضرورة لحماية الاستقرار ومنع الانفجار الكبير. لكن التجربة اللبنانية أثبتت آنذاك أن الاتفاقات التي تُولد تحت الضغط العسكري والسياسي الخارجي لا تنتج سلاماً حقيقياً، بل تؤسس لانقسامات أشد خطورة وفي خلفيتها انزلاق خطير نحو مسار تطبيعي مقنّع. فقد شعر قسم كبير من اللبنانيين يومها أن القرار الوطني يُنتزع منهم تدريجياً لصالح ترتيبات تُرسم خارج الحدود، وأن الحديث عن “الأمن” كان يخفي محاولة لإعادة تشكيل موقع لبنان السياسي والاستراتيجي بما يخدم المصالح الإسرائيلية.

فالتاريخ اللبناني، كما يراه كثيرون، لا يكرر نفسه صدفة، بل يعيد إنتاج مآسيه كلما توفرت الظروف ذاتها: ضغط خارجي، انقسام داخلي، سلطة ضعيفة، وشعارات تعد اللبنانيين بالاستقرار فيما تقودهم إلى مزيد من الانفجار. وحين سقط اتفاق 17 أيار عام 1984، لم يسقط بهدوء أو عبر تسوية سياسية طبيعية، بل سقط على وقع انفجار داخلي واسع وانهيار ميداني وأمني كبير. جاءت انتفاضة 6 شباط لتكشف أن الاتفاق الذي قُدّم باعتباره مدخلاً للاستقرار تحوّل إلى عنصر تفجير إضافي، فسقطت معه رهانات السلطة، وتعمقت الفوضى والانقسامات، ودخل لبنان مرحلة أكثر دموية من الحرب الأهلية. وهذه الصورة تحديداً هي ما يستحضره كثيرون اليوم: الخوف من أن تبدأ التفاهمات تحت عنوان “تنظيم الوضع الأمني”، ثم تتحول تدريجياً إلى عبء داخلي يفجر التوازنات الهشة ويعيد إنتاج الصراع داخل الشارع اللبناني نفسه. واليوم، يعود القلق نفسه بصيغ مختلفة، مع الخشية من أن تتحول المفاوضات المباشرة، مهما كانت عناوينها التقنية، إلى بوابة لتفاهمات تتجاوز الحدود العسكرية نحو مسارات سياسية وأمنية أعمق، ما قد يهدد بتفجّر الشارع اللبناني وإشعال موجة صدامات داخلية حادة.

بين التنازل والقوة: سيادة لا تُصان إلا بالثبات والمقاومة

من هنا، يتصاعد الاستنكار في لبنان تجاه مشهد الدولة التي تبدو وكأنها تذهب إلى التفاوض وهي عارية من أوراق القوة بدل أن تتمسك بها. فبدل أن تقف خلف المقاومة التي واجهت العدوان وقدّمت آلاف الشهداء دفاعاً عن لبنان، يظهر المشهد الرسمي وكأنه يسارع إلى تقديم التنازلات السياسية والأمنية تحت عنوان “الاستقرار” و”منع التصعيد”، في مسارٍ لا يمكن أن ينتج سيادة حقيقية ولا استقراراً فعلياً، بل يفتح الباب أمام تفاهمات تُفرض بقوة موازين مختلة، تماماً كما حدث في تجارب سابقة دفع لبنان ثمنها دماً وانقساماً وحروباً داخلية.

وفي هذا السياق، يبرز التطور في استخدام الطائرات المسيّرة من نوع FPV المعتمدة على الألياف الضوئية بوصفه مثالاً على تحوّل نوعي في موازين القوة الميدانية، إذ أربك منظومات الحرب الإلكترونية لدى العدو وقلّص فعالية التشويش التقليدي إلى حدّ ملحوظ. فهذه التقنية، التي تعتمد على توجيه الطائرة عبر كابل ألياف ضوئية بدل البث اللاسلكي، وفّرت قدرة تحكم دقيقة ومستقرة ومحصّنة نسبياً من الاعتراض، ما سمح بتنفيذ عمليات نوعية في بيئة شديدة التعقيد.

ومن هنا، يطرح هذا التطور سؤالاً سياسياً مباشراً: لو أن الدولة اللبنانية بنت خياراتها التفاوضية والسياسية على موازين القوة التي راكمتها المقاومة وأربكت بها العدو، بدل التعامل معها كعنصر خارج المعادلة، لكانت اليوم في موقع مختلف تماماً، أكثر توازناً وندّية، تُشدّ فيه أزرها بقوة ردع فعلية، لا أن تذهب إلى طاولة التفاوض وهي تتخلى تدريجياً عن عناصر القوة التي يمكن أن تفرض شروطها وتحمي سيادتها.

ختاماً، إن أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس فقط العدوان الإسرائيلي المباشر، بل محاولات إعادة تشكيل وعيه السياسي وجرّه تدريجياً نحو مسارات سبق أن اختبر نتائجها الكارثية. فالتاريخ اللبناني ليس مجموعة أحداث منفصلة، بل سلسلة تجارب مترابطة، وكل محطة تجاهل فيها اللبنانيون دروس الماضي دفعت البلاد أثماناً باهظة من دمائها ووحدتها واستقرارها.

لقد سقط اتفاق 17 أيار يوم سقطت رهانات أصحابه على إمكانية فرض معادلات تتناقض مع إرادة الناس وكرامة الوطن، وسقط لأن لبنان لا يُبنى على الخضوع ولا على الارتهان ولا على التفاهمات التي تُفرض تحت الضغط والاحتلال. واليوم، يعود الخوف من أن تتكرر المأساة نفسها، لكن بأدوات وعناوين جديدة، فيما يُطلب من اللبنانيين مرة أخرى أن يصدقوا أن “التنسيق الأمني” سيجلب لهم الاستقرار، تماماً كما قيل لهم قبل أربعة عقود.

غير أن الشعوب التي دفعت كل هذه التضحيات، وقدّمت كل هذا الدم، لا يمكن أن تقبل بأن تتحول تضحياتها إلى أوراق تفاوض أو جسور عبور نحو مشاريع تُعيد إنتاج الهيمنة نفسها التي قاومتها لعقود. ولذلك، فإن استحضار تجربة 17 أيار اليوم ليس نبشاً للماضي، بل تحذيراً من مستقبل قد يكون أكثر خطورة إذا أصرّ البعض على السير في الطريق ذاته، ظناً منهم أن التاريخ يُنسى، فيما الحقيقة أن التاريخ لا يُنسى، بل ينتظر من يكرر أخطاءه ليعيد إنتاج مآسيه من جديد.

لذلك، فإن جوهر الدرس اليوم واضح: حماية السيادة لا تكون بالانكفاء ولا بالتنازل، بل بالثبات والصمود وامتلاك عناصر القوة القادرة على فرض المعادلات، لأن منطق التاريخ في هذه المنطقة لم يكن يوماً إلا لمن يملك القدرة على الردع لا لمن يقدّم التنازلات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *