العراق من بعد سوريا ضمن مخطط أمريكا للمنطقة!!
بقلم زينب عدنان زراقط
“نحن عدوّ أمريكا والهيمنة الأمريكية في المنطقة، نحن عدوّ الكيان الصهيوني والمشروع الصهيوني في المنطقة، نعم ولنا الشرف بأن نكون هذا العدو، ولكن على الرُغم من كل هذه السنين… هم لم يستطيعوا أن يستوعبوا حتى الآن ماذا يعني أن تنتمي إلى إسلام مُحمّدٍ ابن أبي عبد الله (ص) وأن ننتمي إلى كربلاء الحُسين (ع)…”
سماحة السيد حسن نصر الله” (الشهيد الأقدس رضوان الله تعالى عليه)
لقد كانت وما تزال مُعضلة أمريكا، هي تلك الإرادة التي يتشبّث بها محور المقاومة، الذين لا يغرّهم مقامٌ رفيع ولا رياسة، وشعارهم “هيهات منا الذلّة.. لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد”، لماذا هذه الجماعة لم تخضع لا لتهديد ولم تجنح لأي سلامٍ وامتيازات، ولماذا دائماً يحاربونها كلما جاءت لتحتلّ أرضاً أو تستغلّ شعباً…
ومع تنامي حركات المقاومة الإسلامية في العراق ولبنان واليمن التي غذّتها ولادة الجمهورية الإسلامية بفكرها المقاوم الذي أعاد بوصلة الصراع ضدَّ الصهيونية إلى الواجهة بعد أن كانت المنطقة قد سلّمت تسليماً مطلقاً بالخضوع للأمريكي، باتت الولايات المتحدة تستشعر الخطر الحقيقي تجاه تنامي الإسلام المحمدي الأصيل المُتمثّل بهذا المحور، وبخطوات مدروسة تقف خلفها المخابرات الأمريكية والغربية تمّ إنتاج حركات الإرهاب في منطقتنا وخلق الجماعات التكفيرية وبثّها في بلدان محور المقاومة لزعزعة أمنها وإشعال التطرف الديني في مجتمعاتها.
الجماعات التكفيرية ورقةٌ أمريكية
عبر التاريخ وعقودٍ من الزمن إلى الوراء، نُلاحظ أن الأمريكي يستخدم الأدوات الإرهابية مرة كل عقد من الزمن، بعد سقوط نظام البعث الصدامي الذي كان أداةً أمريكية لمحاولة ضرب الثورة الإسلامية، إلاَّ أنَّ الأمريكي تفاجأ بأن إرادة الشعب العراقي الذي التصق بمرجعيته الدينية قد انتعشت فيه روح المقاومة ضدّ أي وجود احتلالي غربي للعراق ما أجبرها على الرحيل على الرغم من محاولة المحتل الأمريكي إدخال تنظيم القاعدة عام 2004 في الساحة العراقية لكي يُحدث انقساماً داخلياً عبر تغذية النزاعات الطائفية التي أشعلها عن طريق أدواته التكفيرية.
ما حدث أن المحتل قد انهزم هو وأدواته في تلك الفترة ما جعله يفكر بإعادة إنعاش تنظيم إرهابي جديد على شكل شبه دولة عام 2014 في سوريا، وكان حينها الأمريكي يهدف من خلالها إلى العودة والتموضع في العراق وسوريا بعد أن تم طرده بفعل ضربات المقاومة التي كانت تستند إلى ظهير سياسي غير خانع أو متآمر .شبه الدولة الإرهابية تم دحرها بفعل الفتوى المباركة ودعم الجمهورية الإسلامية وبفعل تضحيات قادة وشباب الحشد الشعبي ورجال المقاومة الإسلامية العراقية ورجال حزب الله. وفي عامنا المنصرم 2024 عادت الفكرة الأخطر للمنطقة وهي تأسيس دولة محورية في موقعها تقودها حركات الإرهاب والتي ستستفيد من إمكانات وطاقات هذه الدولة إضافة إلى الدعم الدولي والغربي لها.
كافة هذه الحلقات الدورية للتوظيف الأمريكي لهذه التنظيمات الإرهابية هي بسبب إدراك الأمريكي والصهيوني والغربي بأن حركات المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق وفي الجمهورية اليمنية الحديثة والجمهورية الإسلامية قد تنامت قوتها وأصبحت هذه القوى المبدئية حجر عثرة في تنفيذ مشروع صهيوني واسع بتواطؤ مع أنظمة عرب الناتو في الخليج.
إلى سوريا اليوم، حيثُ عمِل الأمريكي والصهيوني بواسطة التركي الذي بيده مفاتيح الجماعات الإرهابية الممولة من قطر على خطف الدولة السورية ومصادرة موقعها الهام وتدمير مكامن قوتها العسكرية ووأد دورها كخط صدّ ضد المشروع التوسعي الصهيوني. ترافق ذلك مع هجمة إعلامية كبرى تضمنت حرباً نفسية ضد محور المقاومة المتمثل بالجمهورية الإسلامية والقوى الشريفة في العراق واليمن وكذلك في لبنان.
هذا الانقلاب يرمي بالدرجة الأساس إلى صناعة المزيد من الضغوط على موقف قوى المقاومة الإسلامية التي وقفت إلى جانب الشعب الفلسطيني في معركة طوفان الأقصى ضمن مبدأ وحدة الساحات التي أنهكت العدو الصهيوني ما جعل الراعي الأمريكي يلجأ إلى قلب الطاولة عبر استخدام ورقة الجماعات الإرهابية لخلط الأوراق في المنطقة وإذكاء الصراع المذهبي وإبرازه على الساحة الإقليمية وبقوة لخدمة مشروع توسعي صهيوني خطير بدأت ملامحه بالبروز في الجنوب السوري والذي لن يتوقف في المدى المنظور نظراً لعمالة الجماعات الإرهابية للأمريكي الذي يمهد الساحة في سوريا وبمساعدة تركية لمشروع تقسيم المنطقة إلى دويلات وكيانات متناحرة هي غاية أمريكية صهيونية ويهدف في مراحله الأولى إلى تأليب الرأي العام وإحداث شرخ في ساحة المقاومة الإسلامية لفك عروة مبدأ وحدة الساحات عبر تحميل قوى المقاومة الإسلامية مزيداً من الضغوط إزاء تمسكها بموقفها المبدئي تجاه القضية الفلسطينية.
الحكومة العراقية انصاعت لإملاءات أمريكا
فبعد ما حصل من متغيرات سياسية في سوريا عملت أمريكا على تحريك حكومات العراق والأردن ومصر ودول خليجية لدعم ما حصل في سوريا، وهذا التحريك هو لإضفاء مشروعية على الطبقة التي أطاحت بالأسد والموصومة بالإرهاب وسفك للدماء.
وبما أن العراق في يومنا قد تعددت فيه المرجعيات والاجتهادات وكُلٌ كان له فتوى إمّا بالإسناد أو عدمه لحقن الدماء وانقسمت الأحزاب وكانت السياسة بعيدةً كل البعد عن المقاومة وعقيدتها التي لطالما نددت بالتواجد الأمريكي على أرضها. حتى انصاعت الحكومة العراقية للإملاءات الأمريكية، في خِضمّ هذه المعمعةِ في سوريا والمنطقةِ، وخضع رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني للضغط الأمريكي والغربي عبر إضفاء مشروعية على حكم الجماعات الإرهابية في دمشق من خلال إسهامه في عقد لقاء عمّان الوزاري والذي مثّل العراق وزير الخارجية الانفصالي فؤاد حسين الذي ألقى بجملة تتعلق بالأكراد فتلقفها “الجولاني” ورد عليه بأنه يحترم حقوق الأكراد في سوريا مما دعا مسعود بارزاني – رئيس إقليم كردستان العراق – إلى الثناء على الجولاني عبر رسالة له رداً على هذه الجملة التي ألقاها “الجولاني” كطُعم له والتي تستبطن إقامة حكم ذاتي للأكراد كخطوة متقدمة للدولة المستقلة التي يخطط الصهيوني لربطها بوجوده اللاشرعي في مناطق في سوريا، وخير إشارة على نوايا الحكم الجديد في سوريا رفعهم لواء عدم محاربة إسرائيل وسكوتهم الطامس عمّا بات الجيش الإسرائيلي محتلاّ إياه في الجنوب السوري من جبل الشيخ وهضبة الجولان والقنيطرة…
وفي خطوةٍ تاليه، جاءت زيارة محمد الحلبوسي – رئيس الوزراء العراقي – لأمريكا ولقائه بمسؤولين أمريكيين مهتمين بمشروع التقسيم الصهيوني للمنطقة، حيث لم تتم متابعة مجريات هكذا لقاء وما الهدف منه خصوصاً بعد سقوط الدولة السورية بيد جماعات ما يُسمّى بـ “تحرير الشام” ضمن مشروع كبير يسعى فيه بعض الساسة السّنّة لإيجاد ضالتهم في إنشاء إقليم سني جديد.
حتى توصلت الحكومة العراقية لخطةٍ في التعامل مع الدولة الجديدة في سوريا، وتم الاتفاق فيما يسمى بائتلاف إدارة الدولة على خطوات يستشعر المرء بها خضوعاً ذليل لهذه التنظيمات الموصومة بالإرهاب بحيث تكون هذه الخطوات مصائد ستؤدي إلى تأزيم الداخل العراقي شيئاً فشيئاً. في حين أن زيارة رئيس جهاز المخابرات ومستشار السوداني لسوريا للقاء “الجولاني” قد جاءت بأوامر مباشرة من رئيس الحكومة ضمن برنامج حكومي برعاية أمريكية وتماشياً مع التحرك الرسمي الأخير للسوداني خلال الأيام القليلة الماضية التي قام خلالها بزيارات غير مطمئنة باتجاه الأردن وكان آخرها للكيان السعودي ولقائه بمحمد بن سلمان. هذه الزيارة التي وُضعت تحت دائرة الشبهة كونها تمت بتوجيه أمريكي لتنسيق المواقف مع السعودية التي تمثل أحد أضلاع المشروع الأمريكي الجديد، ضمن حزمة من مساعي إضفاء الشرعية على نظام سوري جديد برعاية أشخاص تاريخهم متجذّر من الجماعات التكفيرية وتفكيرهم طائفيٌ بحت… تم اصطناعه في أقبية المخابرات الأمريكية والصهيونية والتركية.
تحركات السوداني الغامضة للبعض والواضحة لآخرين تنفي مطلقاً ادعاءاته بأن العراق ينأى بنفسه عن التجاذبات في المنطقة التي تعيش نشوة وانتعاشه تركية في سوريا، كما هو حال الكيان الصهيوني الذي قضم مئات الكيلومترات والمواقع الحساسة الهامة في الأراضي السورية. يتبيّن للمتابع ظهور ملامح مشروع أمريكي جديد يقوم على ثلاثية الأبعاد (تركيا – السعودية – الكيان الصهيوني)، حيث يهيئ الأمريكي الحراك السياسي المُوَجّه في المنطقة باتجاه ذلك دون مواربة أو شك.

خطوات ائتلاف إدارة الدولة
ومما تمّ الاتفاق عليه ما بين العراق والحكومة السورية الجديدة على خطوات بدايتها الانفتاح على ما تسمى بحكومة سوريا وتقديم الدعم والمساعدات لها، وتكثيف زيارة الوفود والتي أسماها ائتلاف إدارة الدولة بأنها وفود فنية. من الخطوات أيضاً هو التعاطي مع سوريا على أساس المصالح الوطنية ولم يوضح لنا من كتب هذه الجملة ماهية المصالح المرجوة من هذا النظام الجديد أن يضع في جدوله العراق كخطوة لاحقة بعد أن يفرض سيطرته على الداخل السوري؟!.
ختاماً، ما جرى في دمشق من ائتلافٍ عراقي مع الحكومة السورية الجديدة – الواضحة المعالم والتوجهات – هو إسقاط رسمي عراقي مُخزٍ لفواتير الدم والإرهاب الذي أقدمت عليها تنظيمات إرهابية أوغلت بدماء العراقيين، من خلال شخصيات عراقية سياسية تدور في الفلك الأمريكي مما يجعلها تقدم المصلحة الأمريكية على كل مصلحة أخرى. فإن غياب الرؤية السياسية لدى معظم أحزاب السلطة في العراق يقود إلى تمكين مشروع أمريكي يستهدف العراق وأمنه مستقبلاً، حيث أن ما يعبر عن استهزاء الأمريكي بالمنطقة هو تمكينها لمنظمات إرهابية على قيادة دولة محورية كسوريا. فإنَّ المثلث الأمريكي الذي يتألف من الإخوان المسلمين إلى جانب الصهاينة والمال السعودي هو محور يستهدف الوجود الشيعي في المنطقة بأسرها، وعليه فإنه يجب عدم الانفتاح على السعودية أو تركيا بزيارات غامضة كون ذلك يسهم في بناء هذا المثلث الخطير.
أفلم يكن أولى على ساسة الحكم في العراق لاسيما السوداني الذي تدور الشبهات حول تحركاته العلنية على أقل تقدير بأن يفكروا بتحصين الواقع العراقي من هجمة مرتدة من داخل سوريا عبر حركات التكفير وبقايا البعث الصدامي بمساعدة خليجية وبرعاية أمريكية والتي ستعمل على إرباك الداخل العراقي وعدم الانفتاح ولا بشكل من الأشكال على سلطة الأمر الواقع في سوريا والعمل على وضع الخطط لتحصين الوضع العراقي الداخلي لا الهرولة بإيعاز أمريكي نحو خرّيج من كلية بوكا الأمريكية للإرهاب -أكبر سجن أمريكي في العراق ومكان تفريخ عناصر تنظيم “داعش” الإرهابي-؟!
وأخيراً… ودليلاً على ما ذكرته هنا هو تناسي الحكومة العراقية للوجودات الأمريكية العسكرية الآخذة بالازدياد كمّاً ونوعاً سواء في العراق كما في سوريا، حيث يؤكد ذلك على صوابية التحليلات.
