أول الكلام

صباحاتٌ للورد على شرفات أيار “للمقاوم الذي حررنا ومضى..”

بقلم غسان عبد الله

صباحَ الأيائلِ الراكضةِ صوب اصطيادها في أزقة الحارة يا صديقَ الدمِ الجليلْ..‏ كم يشتهيكَ دمُكَ،…‏ والطريقُ انتظارْ.. وصوتكَ يأتي‏ حبيباً إلى شرفةِ القلبِ..‏ يرفو تفاصيلَ حزنٍ.. ‏ ويمضي بالعمر الطري..‏ إلى مرفأٍ من نضارْ..

صباحَ العصافيرِ يا فتى البطولةِ المسيَّجِ بالضرامْ.. صباحَ العصافيرِ‏ تنقرُ من شفتيكَ ساعة التكبير الكلامْ‏.. صباحَ الشهادةِ يصطفيكَ ملاكاً وينتقي لأجلِكَ من قلبِ حوريةٍ كلَّ هذا الهيامْ.. يا صاحبي مهلاً حتى ألقي عليكَ باقةَ أرجوانٍ.. أو لأردَّ عليكَ السلامْ..

على وهدةٍ من رؤى الروحِ‏ كان سيدُ العمقِ يغنّي..‏ وكان يحثُّ الخطى..‏ نحو الأرضِ التي سَرْبَلَتْهُ بماءِ الحنينْ.. على غفلةٍ‏ تلتقيهِ العصافيرُ…‏ تهديهِ‏ ما أغْفَلَتْهُ المواسمُ سرّاً..‏ وكان يثورُ.. ‏مع الغيثِ كان يجيءُ وحيداً،‏ وعميقاً ينتفضْ‏.. تُرانا عشقناهُ حلماً،..‏ وكنّا نسينا‏ دمَهُ المهراقَ.. وكنّا.. وكنا.. وكنا.. شربنا المَدَامَةَ عزَّةً من راحتيهِ.. ‏وكنّا..‏ إذا جُنَّ لَيْلُ الاحتلالِ إليهِ نجرُ الخطى،..‏ والحنينْ.. هو الآنَ‏ سيِّدُ هذا المكان.. ‏مداهُ…‏ رؤاه.. وكلَّ الذي لا يجيءُ من كلامٍ سلسبيلْ.. يُغيِّبُنا…‏ لا نغيبْ.. ينادي…‏ يجيءُ الصدى…‏ ثم يوغلُ فينا‏.. فيا سيِّدَ العُمقِ..‏ هذا زمانُكَ..‏ أدْلِجْ إلى سُدْرَةِ الفجرِ مُطْلَقَكَ العذبَ.. دمَكَ الجليلْ…‏ إنّا نسينا.‏

عند بدايات أيار هذا.. وبجانِبِ الشاطئ‏ الذي رأيتُهُ مرةً واحدةً هذا العام..‏ استعدتُ أخيلتي‏ كي أروّضَ السهوبَ..‏ وكي أودِّعَ ما تبقّى لي من اللغةِ..‏ فلَربما‏ يغادرني وجهي‏ لألتقِطَ الرائحةَ التي ستُمَهِّدُ للخلاصِ أو للخرابِ..‏ ولأمتشقَ الفرارَ‏ كي يدخل بإصرارٍ موئلَ البرودةِ.. بجانبِ الشاطئ‏ سيكونُ للنفير‏ بهجةٌ نائمةٌ‏ وانحناءةٌ مبجّلة‏..

أنا خَشَبٌ صامتٌ‏ وانقسامٌ تحوَّل إلى ما لستُ أدري.. ومن حولي‏ قد يظلّ البياضُ بطيئاً‏ ودافئاً‏ ومذاباً كارتعاشةٍ.. ثم هذه الرطوبةُ حولَّتني إلى اشتعالْ‏.. وإلى نشيدٍ يرتدّ كصخرةٍ..‏ وإلى‏ صدى خائفٍ.. وإلى محاولةٍ تجيءُ على شكل قمر‏.

سأفترضُ جهةً عليلةَ الهواءِ.. وممتلئةً بالورودِ‏ وتعرِفُ‏ متى أستيقظ ومتى يكون دمي على هيئة مخملٍ جيّد‏.. وحين أمتلئُ بضوءٍ عابرٍ لن يكونَ للأزمنةِ‏ جهاتٌ‏ كي تظلَّ تبحثُ عن بقاءٍ‏ أكثرَ عمقاً من الشهداء‏.. وعلى كل حال‏ أنا ضدُّ الافتراضِ وضدُّ أي شيءٍ‏ يشبه أي شيءٍ آخر‏.. وأنا أيضاً‏ لا أستطيع إلاّ أن أكون جبلاً مثَلَ مقاومٍ‏ لأتعلَّمَ الدعاءَ‏ وكيف أشتعل.. أنا‏ متَّهمٌ بهدفي.. وبإضاءةٍ‏ قضمت سلاحنا العميق.‏. بمقاومةٍ لا أُنكِرُها.. لكنني عاشقٌ حدَّ الثمالةِ فماذا أصنع؟.. ‏

وحدَها هذه المقاومة هي التي عرّفتنا بلونها‏ وباختزالِها للعدم..‏ في عمقِها‏ نعضُّ العتابَ‏ لنرى مجرانا فيها‏.. دلالتُها‏ تحتَنا‏ وبحاجةٍ إلى ترسّبٍ يغلّفها‏ وبحاجةٍ أيضاً‏ إلى غذاءٍ راكد‏.. جراحاتُنا‏ لها‏ وفيها‏ ننام‏.. لا سرّ فيها‏ كي نكون أحراراً‏ نراقبها‏ لترتفع..‏ ومن أحزاننا‏ سنعرف كلَّ شيءٍ‏ عن‏ بعضنا البعض.. لا بدَّ من فاصلةٍ لهذه الحبيبةِ الأبديةِ التوقُّدِ.. لا بد من فاصلةٍ للمقاومة.‏ ‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *