إقليميات

عيد الغدير في اليمن.. إرث تاريخي يتجدد كل عام

بقلم نوال النونو

وامتلأت ساحات أمانة العاصمة وبقية المحافظات اليمنية صباح الخميس بآلاف المحتشدين الذين رفعوا الرايات والشعارات المعبرة عن المناسبة، مؤكدين اعتزازهم بذكرى يوم الولاية وما تمثله من ارتباط بالإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، فيما تخللت الفعاليات الزوامل والقصائد والأنشطة الشعبية التي عكست أجواء الفرح والابتهاج بالمناسبة.

وينظر اليمنيون إلى يوم الولاية باعتباره محطة سنوية جامعة تستحضر التاريخ والعقيدة والهوية، وتجدد الارتباط بمسار يرون أنه رافقهم منذ دخولهم الإسلام قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، معتبرين أن أهمية المناسبة تتجاوز المشهد الاحتفالي إلى أبعاد أعمق تتصل بالهوية التاريخية والثقافية والدينية للشعب اليمني.

ويقول نائب رئيس الهيئة العامة للأوقاف والإرشاد الدكتور العلامة فؤاد ناجي أن الأمة أحوج ما تكون اليوم إلى فهم الولاية واستيعاب أبعادها الحقيقية، مشيراً إلى أن القرآن الكريم نهى عن تولي اليهود والنصارى، وحذر من الارتماء في أحضان أعداء الإسلام، مبيناً أن الله سبحانه وتعالى أمر الأمة بتولي الله ورسوله والإمام على وأعلام الهدى.

وأوضح الدكتور ناجي في كلمته بهذه المناسبة أن الولاية تمثل حصانة للأمة من الوقوع في دائرة التبعية والخضوع لأعدائها، معتبراً أن احتفاء اليمنيين بيوم الولاية يجسد مدى تمسكهم بهذا المبدأ الذي تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى استهدافه وإضعاف حضوره في الأمة، لافتاً إلى أن الارتباط بالولاية يمثل أحد أسباب القوة والانتصار والوقوف إلى جانب قضايا الأمة ومحور المقاومة، مؤكداً أن التمسك بها هو تمسك بالقيم والأخلاق والمبادئ التي تحفظ للأمة عزتها واستقلالها.

ارتباط تاريخي بخط الولاية

وبحسب القراءة التاريخية التي يقدمها اليمنيون لهذه المناسبة، فإن ارتباطهم بخط ولاية أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام يعود إلى بدايات الإسلام الأولى، عندما قدم الإمام علي إلى اليمن مبعوثاً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدخل اليمنيون في دين الله أفواجاً وارتبطوا بمبدأ الولاية باعتباره امتداداً للهداية الإلهية وحصناً يحفظ الأمة من الانحراف والفرقة.

ومع حادثة غدير خم والبلاغ النبوي المشهور: “من كنت مولاه فهذا علي مولاه“، ترسخت في الوجدان اليمني الأبعاد الدينية والإيمانية والسياسية للولاية، لتتحول إلى محطة سنوية يستحضر فيها اليمنيون معاني الولاء لله ورسوله وأمير المؤمنين وأعلام الهدى، ويجددون من خلالها ارتباطهم بمسار يرون أنه شكّل جزءاً أصيلاً من هويتهم عبر القرون.

وتشير الشواهد التاريخية إلى أن أبناء اليمن كانوا من أوائل المناصرين للإمام علي عليه السلام، وشاركوا إلى جانبه في معارك الجمل وصفين والنهروان، وهو ما خلده الإمام علي نفسه في قصيدته الشهيرة التي امتدح فيها قبائل همدان ومواقفها في نصرة الحق، حين قال: “ولو كنت بواباً على باب جنة لقلت لهمدان ادخلوا بسلام“.

كما استمر حضور هذا المسار في التاريخ اليمني خلال مواجهة الحكم الأموي، ثم في مراحل الاستقلال السياسي التي شهدها اليمن، وصولاً إلى قيام الدولة الزيدية في صعدة أواخر القرن الثالث الهجري، وما تلاها من محطات تاريخية حافظت على حضور الولاية في الحياة الدينية والثقافية والسياسية للمجتمع اليمني.

وحوربت هذه المناسبة بقسوة في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، بدعم من المملكة العربية السعودية التي دفعت بالتيار الوهابي التكفيري لمحاربتها ومحاربة الزيدية في صعدة واليمن، فكان نظام صالح يزج في السجن كل من احتفى بعيد الغدير أو تكلم عنه.

لكن ومع انتصار ثورة 21 سبتمبر التي قادها أنصار الله ضد صالح، عادت الاهتمام بهذه المناسبة إلى الواجهة، وباهتمام كبير من زعيم أنصار الله السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، ولهذا نجد الفعاليات والندوات والمسيرات تقام في صنعاء وكل المحافظات، كما يرافقها خطاب للسيد الحوثي في الثامن عشر من شهر ذي الحجة كل عام، متحدثاً عن مناقب الإمام عليه السلام، وسيرته العطرة، وأهمية الولاية لله ولرسوله، ومخاطر تولي اليهود والنصارى.

مناسبة لتجديد الهوية الإيمانية

وتحمل المناسبة في بعدها السياسي والثقافي رسائل تتجاوز الداخل اليمني إلى محيطه الإقليمي والدولي، إذ ينظر قطاع واسع من اليمنيين إلى الولاية باعتبارها مرجعية فكرية وثقافية تفسر مواقفهم الراهنة من قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ومواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية.

ولهذا تُقدَّم المناسبة بوصفها تجديداً للعهد على التمسك بخيار الاستقلال والسيادة ورفض التبعية، واستحضاراً لقيم العدل والكرامة التي يمثلها الإمام علي عليه السلام في الوعي الإسلامي.

كما تعكس المناسبة والحضور الواسع فيها استمرار حضور هذا المبدأ في الوجدان الشعبي، وتؤكد أن يوم الولاية لا يزال بالنسبة لليمنيين مناسبة جامعة تربط الماضي بالحاضر، وتجمع بين البعد الإيماني والبعد الوطني، وبين استحضار التاريخ والتعبير عن الموقف تجاه التحديات الراهنة.

وما بين تاريخ يمتد لأربعة عشر قرناً وحاضر يشهد تحولات وصراعات كبرى في المنطقة، يواصل اليمنيون إحياء يوم الولاية باعتباره مناسبة لتجديد الهوية الإيمانية واستذكار مسار طويل من الارتباط بالإمام علي عليه السلام، ورسالة تؤكد تمسكهم بما يرونه خياراً يحفظ للأمة استقلالها وكرامتها في مواجهة مشاريع الهيمنة والتبعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *