على أعتاب محرم إلى زوجتي: سأبكيها في مجلس الحسين
بقلم غسان عبد الله
غداً سنقرأ في المدى آيةً من النحرِ المجبولِ بالآياتِ.. في أَبَدِ الجُرحِ.. أو في أزلِ الدمعِ.. في المآقي.. وفي منسربات الوجعِ الذي لا يستكين.. وسنحكي قصةَ المجالس التي أحيت ذكراكَ في الحيِّ الذي باتت تزوره ملائكُ العرش كلَّ محرمٍ تستمع إلى نشيج الحزن عليكَ..
ها هنا يا سيدي.. حبيبةٌ لي جلبتْ من أقاصي الكآبةِ حزناً عليك.. واستعادتِ الألق من سحابات الأفق.. عاشتْ وأحيتِ الذكرى سنواتٍ.. أسدلَتْ ستائرَ السوادِ وكتبَتْ رسالاتِ الوجد.. وكان لدمعِها لحظةَ الدعاءِ وعندَ الزيارةِ طعمُ العشقِ لترابِ الطفِ.. وكانت ها هنا بيننا من بين ثنايا الوجعِ في الصدر ومن بين الضلوعِ تستنشق أريج المحرّمِ وتبثُّ عطرها ممزوجاً بحزنها عليك.
ها هي اليوم ليست بيننا.. لعلها في ضيافتكَ سيدي.. تتسامر مع الحوراءِ.. وتهمس في أُذُنِ أمِّ البنين.. ألمحُ طيفها.. أراها تحثني على المضيِّ قُدماً.. فثمةَ من أنبأها أنني أبكي الفقدَ وأستوطنُ الحزنَ الأبيد.. وهي.. التي حرّكت إنساني للبكاء على الحسين.. ها أنذا اليوم سأبكيها في مجلس الحسين..
لِنَبْكِ يا أحبَّةُ.. الذُّنوبَ.. فالدَّمعُ في المحاجرِ يَدُقُّ على الجُفُونِ أشْجَانَهُ.. ولُجَّةُ الماءِ التي لا تعرِفُ السُّكونْ.. زعْزَعَتْها عاتياتُ الرِّياحْ.. وكلُّ ما في القلبِ من حياةٍ سينقضي موتاً لأننا لا نُطْلِقُ الدُّموعَ من عِقالِها، حتى إذا تسامَقَتْ.. أصابَتْ القلوبْ.. فأنْبَتَتْ في تُربةِ الجِراحْ..
عذراً.. لأنني لم أستطع بَعْدُ التقاطَ الباقياتِ من الكلمات.. عذراً أبا عبد الله.. لم أستطع أن أكتبَ كُليمةً واحدةً.. كانت تأنس لسماعِ الحديث عنك.. كانت يبكيكَ فيُبكيني بكاؤها.. آه كم افتقدُها الآن.. عذراً رفيقةَ الجرح والصبر والصلاة.. فالأرضُ الآن لا تسعُ حزني عليكِ.. والكلماتُ غادرتْ مواجعها وحجَّت صوب الجرحِ العظيم..
سيدي يا حسين.. لجراحِكَ الحمراءِ طعمُ الأرضِ، تستبقُ الصلاة تعبداً، وترفلُ بالدعاءِ عندَ أكفِ الضَّارعينْ وتصوغ من نجاواكَ قمحاً، تستعيد به الطريقْ.. تعبِّدهُ للسالكينْ وعلى مدى الأزمانِ يبزغ صوتُكَ البركانُ مئذنةً، فيحكي النَّجيعُ مسكَ الأرجوانْ.!! وتحكي سباياك قصصَ الصابرينْ.. يا سيِّدَ الشُّهداءِ حلِّقْ في تباريحِ الفدا. فالغيمُ أرسى ناظريهِ على ورودِ الجرحِ دمعاً، مالَ يستجدي رفاتَ الصادقينْ، ولم يعدْ في الكفِّ ما أَسقي بهِ ظمأَ الشقائقِ في خدودِ الأرضِ، لم يعدْ من سحابة أو ندى.. أو باقة ياسمينْ.. فانْثُرْ جراحَكَ فوق روحي.. إنَّ أرضَ الطفِّ تذروني رماداً فوق أرصفةِ البُكا.. حتى استطالت مقلتاي تسكُّعاً يستمطر التربَ السجينْ.. فكيف تُدركني السعادةُ حينَ يدرِكُ حياتيَ صخبُ الحريقِ.. ويغزوني الطغاةُ برأسكَ الشريفِ على القنا.. كيفَ – سيدي – تُراني أسْتَكينْ؟؟ وكيف يقطفُ عِطرُ أوردتي الكواكبَ من ضفافِ الطَّفِ حين تَرُدُّنِي الجنَّاتُ عن أبوابِها بغيرِ دموعي عليكَ.؟!.. لأعودَ وحديْ أسْتَظِلُّ نداءَكَ الغافي على مطرِ البكاءْ.. متعثراً ببقايا مرسايَ الحزينْ.. يا سيِّدَ الجراحاتِ يا ألقَ السائرينْ.. تعبْتُ أعبُّ المسافاتِ لأدركَ نداءكَ.. فلا أجدُ سوى الصدى يترددُ بين حينٍ وحينْ.. كيفَ أعودُ للأفراحِ وقد غالني السيفُ قبيلَ النحرِ منكَ.. ولمْ أزَلْ أواصِلُ هذا الأنينْ.. كيفَ أرنو للفجرِ وقدْ سفحوا نورَهُ عند أقدامكَ.. أو أرتِّبُ الخطواتِ كي أرى رَكْبَ السبايا.. فتُدْميني الشجونْ.. والنارُ تَعصِر في مسامي ملحَ جراحيَ، وقد آنستُ ماءً خلف ظلي.. وحين راودهُ احتراقي عليكَ عن مواسمهِ أحْرَقَتْهُ الميادينْ.. الغيثَ يا وطنَ المواجعِ والقلقِ.. ذاك انبعاثُكَ قد أتى يا قِبْلةَ الحائرينْ.. عادت إلى أرواحِنا انكساراتُ الصورْ.. وظلالُك المُثلى ترفرفُ في حنايا الانعتاق كجمرةٍ في الخافِقَيْنْ.. تبكي النوارسُ صرخةَ الفرحِ الشهيدِ بلا رؤى.. كالمستغيثِ من الولادِة بالبكاءِ.. فهل تخبئُ في مواقيتِ انتصارِكَ على الجرحِ سيِّدي لحظةً من ياسمينْ.؟.. هل من جوابٍ يقطف الشكَّ المهاجرَ في مدارات اليقينْ.؟.. آهٍ.. يا لجراحاتِ الحُسينْ.
