إقليميات

إيران تكسر الحصار الجوي على اليمن.. مقدمة لتصعيد عسكري أم تثبيت واقع جديد؟

بقلم نوال النونو

وجاءت هذه الرحلة بعد أكثر من عشر سنوات من الحصار السعودي الجوي المتواصل على المطارات اليمنية، حيث لم تفلح الطائرات المدنية من الهبوط أو الإقلاع من المطار، نتيجة المنع السعودي، وهو ما تسبب في حرمان آلاف المرضى والطلاب والمغتربين اليمنيين من حقهم في السفر، ما جعل ملف المطار أحد أبرز الملفات الإنسانية والسياسية التي تضغط عليها السعودية لتحقيق مكاسب أمام صنعاء.

ويبرز هنا تساؤل هام: هل تمثل الرحلة الإيرانية بداية حقيقية لإنهاء معاناة اليمنيين وفتح مطار صنعاء الدولي أم أنه مجرد حدث استثنائي يتعلق بنقل وفد كبير من صنعاء إلى طهران للمشاركة في مراسم تشييع الشهيد القائد السيد علي الخامنئي؟.

بالنسبة لصنعاء، فإنها لا تنظر إلى الرحلة الإيرانية كحدث استثنائي مرتبط بنقل وفد للمشاركة في تشييع قائد الثورة الإيرانية، وإنما باعتبارها نافذة لإنهاء الحصار كلياً، وتقليص قدرة السعودية على استخدام هذا الملف كورقة ضغط، وما يؤكد ذلك هو بيان القوات المسلحة اليمنية الذي حذر السعودية من اعتراض الرحلات الجديدة، باعتبار أن صنعاء وطهران قد دشنتا الرحلات الجوية بينهما، وأن أي محاولة للمملكة للاعتراض بالقوة، فإن القوات المسلحة اليمنية سترد باستهداف المطارات والمصالح الحيوية السعودية، وهو تطور لم تكن صنعاء تستخدمه طيلة السنوات العشر الماضية، ما يعني أننا دخلنا معركة كسر الحصار على المطارات اليمنية بالقوة العسكرية. وبالعودة إلى الماضي، فإن الجمهورية الإسلامية حاولت في أبريل 2015م كسر الحصار الجوي على اليمن، في ذروة العدوان السعودي، وأرسلت طائرة مدنية، لكن السعودية أرسلت طائرات حربية وقصفت مدرج مطار صنعاء، وأعاقت وصول الطائرة الإيرانية إلى المطار، ثم لم تكرر إيران المحاولة طيلة عقد من الزمن. ويأتي المتغير في رحلة الثالث من يوليو/ تموز أن السعودية رغم الاستنكار والرفض لهبوط الطائرة الإيرانية إلا أنها لم تقصف مطار صنعاء الدولي كما حدث في السابق، ما يعني أنها تخشى الرد اليمني، وتخشى كذلك الدخول في معركة شاملة مع اليمن، ولهذا أخفقت هذه المرة في ثني الطائرة الإيرانية من الهبوط، وحققت صنعاء انتصاراً جديداً، وثمرته ستكون في انهاء الحصار الجوي عن اليمن نهائياً.

وفي سياق هذه التطورات، أبدى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال لقائه نائب رئيس الوزراء في حكومة صنعاء الفريق الركن جلال الرويشان في طهران (5 يوليو 2026) استعداد بلاده لاستخدام جميع الإمكانات الدبلوماسية من أجل رفع الحصار والتنفيذ الكامل لخارطة طريق السلام في اليمن، ما يدل على أن قرار كسر الحصار عن المطار قد اتخذ بالفعل.

سنوات من الإغلاق والمعاناة الإنسانية

وكان مطار صنعاء الدولي قبل العدوان السعودي عام 2015 ينظم 50 رحلة يومية إلى أكثر من 30 وجهة، وفق تصريحات سابقة لمدير المطار خالد الشايف، لكنه تحول منذ أغسطس 2016 إلى مطار محاصر، عرقل عودة آلاف اليمنيين العالقين في مختلف دول العالم، وحرم المرضى من الأدوية، وتسببت إغلاقه في توقف عدد من المصانع الدوائية المحلية، وحرمان مئات الآلاف من السفر لتلقي العلاج.

وعلى الرغم من الهدنة الإنسانية والعسكرية التي أبرمها المبعوث الأممي هانس غروندبرغ في 6 أغسطس 2021، والتي نصت على رفع القيود عن الموانئ والمطارات اليمنية، فإن تلك الترتيبات لم تنفذ على أرض الواقع، لتأتي الطائرة الإيرانية لتكسر هذا الجمود.

وترى السعودية في هبوط الطائرة الإيرانية تهديداً لـ “سيادة اليمن”، وهو ما أكده المتحدث باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي، معتبراً أن أي تهديد للملاحة أو للمجال الجوي سيقابل بإجراءات “حازمة وغير مسبوقة، ولذا، فإن السعودية أمام خيارين، إما اللجوء للتصعيد العسكري لإعادة فرض القيود، وهو ما قد يؤدي إلى مواجهة أوسع، أو أن تقبل بالواقع الجديد، كاللجوء إلى المفاوضات، والخيارات الدبلوماسية لحفظ ماء الوجه.

وانطلاقاً من المعطيات السابقة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطورات هذا الموقف:

السيناريو الأول: تثبيت واقع جديد في الملاحة الجوية اليمنية

ويقوم على استمرار الرحلات بين صنعاء وطهران، وتحولها من خطوة استثنائية إلى مسار منتظم، وذلك بفضل قدرة صنعاء على حماية استمرار الرحلات، وعدم توجه السعودية إلى تصعيد مباشر، مع قبول إقليمي أو دولي ضمني. ومن مؤشرات تحقق هذا السيناريو هو استمرار الرحلات دون اعتراض سعودي.

السيناريو الثاني: الاحتواء السياسي

ويعتمد على تعامل الأطراف مع الحدث كفرصة لإعادة ترتيب ملف الملاحة الجوية ضمن تفاهمات سياسية أوسع، تتضمن ترتيبات تشغيلية جديدة للمطار وتفاهمات بشأن الرحلات، وإدماج الملف في مسار تسوية أوسع. وهذا السيناريو أقل كلفة للجميع مقارنة بالتصعيد، ومن مؤشراته عودة الوساطة والتفاهمات الجديدة أو تصريحات أقل حدة.

السيناريو الثالث: التصعيد العسكري

ويقوم على محاولة إعادة فرض القيود بالقوة أو منع الرحلات مستقبلاً، مما قد يؤدي إلى انتقال المواجهة من ملف الطيران المدني إلى استهداف مصالح ومنشآت حيوية. وتزداد احتمالية هذا السيناريو في حال اعتبرت السعودية أن التطور يشكل تهديداً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية، ومن مؤشراته اعتراض الرحلات والتهديدات المتبادلة واستهداف المنشآت. ويشكل هبوط الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء الدولي مؤشراً على تحول مهم في طبيعة إدارة ملف الملاحة الجوية اليمنية، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء الحصار الجوي بصورة كاملة، بل يمثل بداية مرحلة اختبار جديدة لقدرة الأطراف على فرض قواعد اشتباك مختلفة.

وبناءً على المعطيات الحالية، يبدو أن سيناريو تثبيت واقع جديد في إدارة الملاحة الجوية أكثر ترجيحاً من سيناريو التصعيد العسكري الشامل، وإن ظل هذا الترجيح مرهوناً بمدى استعداد الأطراف لتجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *