إقليميات

فلسطين في فكر الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي.. عقيدة تحرر واستراتيجية مقاومة حتى الرمق الأخير

بقلم د. محمد الايوبي

وفي هذا السياق، احتلت فلسطين مكانة استثنائية في فكر الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي. حيث شكّلت القضية الفلسطينية محوراً ثابتاً في فكر وممارسة الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، قائد الثورة الإسلامية في إيران، الذي استشهد في 28 فبراير 2026. لم تكن فلسطين عنده فقط قضية سياسية هامشية أو ملفاً من ملفات السياسة الخارجية، بل كانت بوصلة الأمّة وقضيتها المركزيّة، ومفتاحاً استراتيجياً لفهم الصراع الحضاري بين مشروع المقاومة ومشروع الهيمنة العالمي. إن المتتبع لخطب الإمام الخامنئي وتصريحاته ومواقفه العملية يجد أن فلسطين تحتل موقعاً متميزاً لا يكاد يضاهيه أي موضوع آخر في أولوياته الفكرية والسياسية.

إن ما يميز رؤية الإمام الخامنئي للقضية الفلسطينية هو شموليتها ووضوحها وثباتها. فهي رؤية لا تعرف التردد أو التلون، ولا تخضع للمتغيرات السياسية أو الضغوط الدولية. إنها رؤية تستند إلى مبادئ ثابتة، وتقدم حلولاً عملية، وترفض كل أشكال التسوية والتفريط بالحقوق الفلسطينية.

الأسس الفكرية لرؤية الإمام الخامنئي تجاه فلسطين

استند الإمام الخامنئي في تحليله للقضية الفلسطينية على المبدأ القرآني القاضي بوجوب مقاومة الظلم والطغيان، وعدم الرضوخ للمحتل الغاصب.  ففي قوله تعالى:﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾، وجد الأساس المتين الذي تقوم عليه فكرة امتلاك القوة لردع العدو، وليس للعدوان. فامتلاك القوة، في رؤيته، هو السبيل الوحيد لإرهاب العدو ومنعه من التمادي في ظلمه وعدوانه.

وأضاف إلى هذا المبدأ القرآني بعداً آخر مستمداً من قوله تعالى:﴿ وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾، ليشير إلى أن العدو الصهيوني لن يرضى عن المسلمين ما لم يتنازلوا عن دينهم وهويتهم ومقدساتهم وأرضهم. وهذا يعني أن منطق المساومة والتنازل لن يجدي نفعاً مع عدو هذا طبعه وهذه طبيعته.

نظرية المقاومة كخيار استراتيجي ورفض التسوية

بلور الإمام الخامنئي نظرية متكاملة للمقاومة، جاعلاً منها الخيار الاستراتيجي الوحيد، وهي نظرية لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية. فالمقاومة في فكره ليست رد فعل عابر، بل مشروع حضاري يستند إلى إرادة الشعوب، ويعيد للأمة كرامتها وهويتها. وكان يرى أن السابع من أكتوبر (طوفان الأقصى) شكّل زلزالاً غير قابل للترميم داخل الكيان الصهيوني، وأنه ثمرة طبيعية لسنوات من الظلم، مما يضع الصراع في إطار “الحق في مواجهة الباطل”، ويمنح المقاومة شرعيتها الأخلاقية والإنسانية والدينية.

وفي مقابل ذلك، كان رفضه للتسوية قاطعاً وصارماً. اعتبر ما يسمى بـ “عملية السلام” خديعة كبرى تستهدف تصفية القضية، وأكد أن المفاوضات التي جرت على مدى عقود لم تؤد إلا إلى مزيد من التنازلات وشرعنة الاحتلال. وهو يرفض منطق “الأمر الواقع”، مؤكداً أن مرور الزمن لا يضفي شرعية على الغصب، وأن التنازل عن أي شبر من فلسطين هو خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين، واعتداء على حقوق الأجيال القادمة، لأن فلسطين في رؤيته وقف إسلامي لا يجوز التفريط به أو المساومة عليه.

وحدة الأمة الإسلامية كشرط للتحرير

يربط الإمام الخامنئي بين تحرير فلسطين ووحدة الأمة الإسلامية. ففي رؤيته، إن تفرق المسلمين وتمزقهم هو السبب الرئيسي الذي سمح بقيام الكيان الصهيوني واستمراره. ولذلك، فإن استعادة الوحدة الإسلامية هي الشرط الأساسي لتحرير فلسطين والمقدسات.

حيث دَعا في هذا السياق إلى تجاوز الخلافات المذهبية والطائفية والقومية بين المسلمين، وإلى التركيز على القواسم المشتركة التي تجمعهم، وفي مقدمتها الإيمان بالله ورسوله، والولاء للقرآن الكريم، والتمسك بقضية فلسطين. وهو يحذر من المشاريع التقسيمية التي تستهدف تمزيق الأمة وإضعافها، ومن محاولات شغل المسلمين بقضايا هامشية عن قضيتهم المركزية.

الممارسة العملية في مناصرة القضية الفلسطينية

لم يكتف الإمام الخامنئي بالتنظير والتأطير الفكري للقضية الفلسطينية، بل ترجم رؤيته إلى ممارسة عملية تمثلت في دعم المقاومة الفلسطينية بكل أشكالها. وهذا الدعم لم يكن سرياً أو ملتبساً، بل كان معلناً وواضحاً، على الرغم من كل الضغوط والتهديدات التي تعرضت لها إيران بسبب هذا الموقف.

فإيران، بقيادة الإمام الخامنئي، كانت ولا تزال الداعم الأكبر للمقاومة الفلسطينية، مادياً ومعنوياً وسياسياً وعسكرياً. وهذا الدعم لم يكن موجهاً لفصيل دون آخر، بل كان لكل الفصائل المقاومة التي تتبنى خيار الجهاد والمقاومة ضد الاحتلال. وقد أثمر هذا الدعم عن تطوير قدرات المقاومة الفلسطينية، حتى أصبحت قادرة على ردع الكيان الصهيوني وإلحاق الهزائم به في معارك متعددة.

كما ترجم رؤيته إلى أدوات حراكية مؤثرة. تبنّى إعلان الإمام الخميني (آخر جمعة من رمضان) يوماً عالمياً للقدس، وعمل على تعزيزه وتطويره حتى أصبح حدثاً عالمياً تشارك فيه ملايين المسلمين وأحرار العالم في مختلف القارات. رأى في هذا اليوم أداة سنوية لتجديد العهد مع فلسطين، وإيصال صوت المظلومين إلى العالم، وكسر العزلة المفروضة على القضية.

وقاد الإمام حملة شرسة ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني، معتبراً إياه خيانة وطعنة في ظهر الشعب الفلسطيني، ولا يقل خطورة عن الاحتلال نفسه لأنه يمنح الكيان شرعية ويسهل مخططاته التوسعية. وحذّر من الاختراق الصهيوني للمجتمعات الإسلامية عبر التغلغل الثقافي والإعلامي، ودعا إلى اليقظة. وقد أثمرت مواقفه الحازمة في إفشال العديد من محاولات التطبيع، وشكّلت حافزاً للشعوب الإسلامية للضغط على حكوماتها لوقف أي خطوات في هذا الاتجاه.

توظيف القدرات الإيرانية لخدمة القضية

تحت قيادة الإمام الخامنئي، تم توظيف القدرات الإيرانية المتنوعة لخدمة فلسطين. فعلى الصعيد السياسي، أصبحت إيران المدافع الأقوى عن الحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية والمتصدي الأبرز للمخططات الصهيونية والأمريكية. وعلى الصعيد الإعلامي، دُعمت قنوات متعددة اللغات لنقل معاناة الشعب الفلسطيني وكشف جرائم الاحتلال. وفي المجال الثقافي، دُعمت البحوث والمؤتمرات العالمية لنصرة فلسطين، بينما قُدمت مساعدات إنسانية كبيرة للشعب الفلسطيني، خاصة في غزة المحاصرة. هذا التوظيف المتكامل جعل من دعم فلسطين مشروع دولة لا مجرد موقف هامشي.

الثبات على الموقف حتى الرمق الأخير

أكد الإمام أن الثبات على الموقف الحق هو مبدأ إسلامي أصيل مستمد من القرآن:﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾. والثبات في رؤيته لا يعني الجمود، بل الاستمرار في نصرة الحق مع تطوير الوسائل. وهو يعتبر أن الثبات على نصرة فلسطين هو اختبار حقيقي للإيمان، فمن يدعي حب الله ثم يتخلى عن نصرة إخوانه في فلسطين، فدعواه كاذبة.

واجه الإمام على مدى عقود ضغوطاً هائلة بسبب هذا الموقف: عقوبات اقتصادية، تهديدات عسكرية، حملات إعلامية ومحاولات عزل. لكنه صمد، معبراً عن فلسفته بعبارة خالدة: “لن نتخلى عن فلسطين حتى لو هددنا العالم كله”. وكان يرى أن هذه الضغوط هي ثمن طبيعي لموقف الحق، ودليل على صحة الموقف، فالعدو لا يضغط إلا على من يشكل خطراً على مخططاته.

واستمد ثباته من إيمانه الراسخ بوعد الله للنصر، مستشهداً بقوله:﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ ﴾، مؤكداً أن زوال “إسرائيل” ليس مجرد أمنية، بل حقيقة قرآنية وتاريخية تدل عليها سنن الله. وفي هذا السياق، كان يحذر من اليأس ويدعو للتفاؤل والعمل، متمسكاً بالهدف النهائي: تحرير كل شبر من فلسطين، من النهر إلى البحر.

لقد رفض الإمام كل الحلول الجزئية كـ “صفقة القرن” أو “حل الدولتين”، معتبراً أنها تهدف لتصفية القضية وتثبيت الاحتلال، ودعا إلى التمسك بالهدف الكامل وعدم الالتفات للمشاريع المشبوهة.

البعد الاستراتيجي في الرؤية الخامنئية لفلسطين

كان يرى الإمام الخامنئي أن القضية الفلسطينية ليست فقط قضية إقليمية أو قومية، بل هي قضية الأمة الإسلامية المركزية. وهي في رؤيته تمثل جوهر الصراع بين الإسلام والاستكبار العالمي، وبين الحق والباطل، وبين المستضعفين والمستكبرين. وهو يحلل القضية الفلسطينية في إطار نظرية شاملة للصراع العالمي، حيث يرى أن الكيان الصهيوني هو رأس حربة للاستكبار العالمي في المنطقة الإسلامية، وأن دعم هذا الكيان هو جزء من استراتيجية الهيمنة على العالم الإسلامي وثرواته ومقدساته. وانطلاقاً من هذه الرؤية، كان يدعو الإمام الخامنئي إلى اعتبار القضية الفلسطينية البوصلة التي تحدد مواقف الدول والشعوب الإسلامية، وإلى جعلها المعيار الأساسي للولاء والبراء في العلاقات الدولية.

كما أسهم الإمام الخامنئي في بناء ـمحور المقاومة، وقد أثبت هذا المحور فعاليته في مواجهة المشاريع الصهيونية والأمريكية، وفي تعزيز قدرات المقاومة. ويشكل دعم فلسطين أحد أهم أهداف محور المقاومة وأبرز تجلياته العملية. فقد نجح هذا المحور في مساندة غزة، وفي إفشال العدوان على لبنان، وفي تغيير موازين القوى في المنطقة لصالح المقاومة. وكان يري الإمام الخامنئي أن تعزيز هذا المحور وتوسيعه هو ضرورة استراتيجية لمواجهة التحديات القائمة، ولتحقيق النصر النهائي على العدو الصهيوني. وهو يدعو كل القوى المناهضة للهيمنة إلى الانضمام إلى هذا المحور، أو على الأقل إلى التنسيق معه في المواقف والقضايا المشتركة.

فلسطين في إطار الصحوة الإسلامية

كان يربط الإمام الخامنئي بين نصرة فلسطين والصحوة الإسلامية التي تشهدها المنطقة منذ عقود. فهو يرى أن دعم فلسطين هو من ثمار الصحوة الإسلامية، وفي الوقت نفسه هو من عوامل تعزيزها وتعميقها.

ويحلل الإمام الخامنئي الحركات الإسلامية المعاصرة من منظور موقفها من القضية الفلسطينية. ففي رؤيته، لا يمكن لحركة إسلامية أن تكون صادقة في إسلاميتها ما لم تتبن قضية فلسطين وتعمل على دعمها ونصرتها. والقضية الفلسطينية هي المحك الحقيقي لصدق هذه الحركات والتزامها بالإسلام.

وكان يدعو الإمام الخامنئي الحركات الإسلامية إلى جعل فلسطين في مقدمة أولوياتها، وإلى عدم الانشغال بصراعات جانبية أو خلافات هامشية تبعدها عن قضية الأمة المركزية.

ففي النهاية؛ جمع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي في فكرته عن فلسطين بين التأصيل الديني والرؤية الاستراتيجية والممارسة العملية. لم تكن القضية عنده شعاراً يُرفع في المناسبات، بل التزاماً مبدئياً وواجباً شرعياً وإنسانياً، جسّده في أقواله وأفعاله حتى آخر لحظات حياته. من خلال كتاباته وخطاباته ولقاءاته ودعمه المستمر للمقاومة، رسم الإمام خريطة طريق لمشروع تحرري يمتد عبر الأجيال، قائماً على عقيدة راسخة ورؤية استراتيجية واضحة.

وما زالت فلسطين في فكر الإمام الخامنئي قضية حية، ليس لأنها جزء من الماضي، بل لأنها مشروع للمستقبل، تنتظر من يحمل الراية بعد غيابه، ويواصل المسير حتى تحقيق النصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *