رسائل تشييع الإمام الخامنئي.. طهران أكثر قوة وتماسكاً
بقلم ابتسام الشامي
لا يكمن نجاح الجمهورية الإسلامية الإيرانية في تشييع إمام المستضعفين الشهيد السيد علي الخامنئي في تنظيم الحشد المليوني المشارك، وإنما في تكريس مراسم التكريم المرافقة، إلى فعل سياسي يعكس النتائج الميدانية للحرب العدوانية من جهة ويؤكد متانة النظام وقوته الشعبية من جهة ثانية.
التشييع لا يمكن فصله عن نتائج الحرب
لم تكن مراسم تشييع الامام الشهيد السيد علي الخامنئي(قدس) سواء في امتداد جغرافيتها بين إيران والعراق، أو في مداها الزمني على مدار اسبوع، مجرد مظاهر تكريم لشخصية استثنائية في تاريخ إيران الحديث كان لها دورها المفصلي في صقل التجربة السياسية للثورة الإسلامية عبر استكمال عملية بناء نظام الجمهورية بمؤسساته المختلفة كخليفة لمؤسسها الإمام الخميني المقدس، وإنما انطوى الحدث الجماهيري العظيم على أبعاد سياسية لا يمكن تجاوزها في قراءة المرحلة الجديدة من عمر إيران الثورة والدولة، لاسيما وأن التشييع الذي جاء بعد أربعة أشهر من الشهادة المظلومة للإمام الخامنئي، سبقه عدوان أمريكي إسرائيلي واسع النطاق استهدف نظام الجمهورية الإسلامية بالتغيير وكان الإمام الشهيد في مقدمة ضحاياه. إلا أن العدوان الذي أفشلت القوات العسكرية والشعب الإيراني أهدافه وتمظهرت نتائجه السياسية الأولية في اتفاق الإطار الموقّع بين واشنطن وطهران، احتاج إلى مشهد أكثر قوة لتبيانه فكان التشييع المليوني المهيب الذي أذهل قوى العدوان، لدرجة أن الرئيس الأمريكي المجرم دونالد ترامب عبّر عن تفاجئه بحشود المشيعين، قبل أن يحاول التقليل من أهمية ما يجري متحدثاً عن “الدموع الكاذبة” لهؤلاء الذين لم يحملوا حبهم ووفاء لإمامهم الشهيد فحسب وإنما بالاقتصاص من قتلته وعلى رأسهم ترامب شخصياً.
على أن محاولات التشويش على مراسم التشييع عبر ترهات الرئيس الأمريكي والأفعال العدوانية لقواته العسكرية ضد عدد من الجزر الإيرانية، لم تؤثر في أهمية الحدث ولا في رمزيته وقراءة أبعاده السياسية التي تولاها الإعلام الغربي نفسه، واصفاً تشييع الإمام الخامنئي بجنازة العصر.
الدلالات الرمزية للحشد الجماهيري
وفي هذا الإطار ركزت وسائل الإعلام العالمية في مواكبتها التشييع على ما انطوى عليه الحدث من دلالات، حيث “جري تنظيم مراسم الجنازة كموكب للنصر يمر عبر 3 مدن إيرانية ومكانين مقدسين في العراق المجاور، وهو ما يظهر للمؤيدين أن رجل الدين لم يهزم قط، حتى بعد موته” وفق ما ذكرته شبكة سي أن أن الأمريكية، التي نقلت عن سيناتوسي، وهو الباحث في مركز السياسة الدولية قوله إن “الاغتيال جعل خامنئي أقوى رمزياً في الموت مما كان عليه وهو على قيد الحياة، حيث يجري الآن تصويره بوصفه مرجعية دينية (نالت الشهادة)، على غرار الأئمة الشيعة المقدسين الذين تُوفوا، حيث أكدت طريقة وفاته صحة رؤيته للعالم”. مضيفة أن من أهم رمزيات مشهد التشييع أن “النظام لم ينج من حرب وجودية فحسب، بل سيخلد بإصرار زعيمه الراحل بوصفه رمزاً لقدرته على الصمود”. واعتبرت الشبكة الأمريكية نقل جثمان الإمام الشهيد إلى العراق “رمزاً للصورة التي تتبناها الجمهورية الإسلامية كقوة ثورية عابرة للحدود” وقال توسي معلقاً على هذا المشهد “لقد امتد أتباعه – الخامنئي – الدينيون إلى العراق وباكستان والبحرين ومجتمعات شيعية أخرى، ولهذا السبب، فإن المواكب المخطط لها في النجف وكربلاء ذات أهمية كبيرة.. إنهم يعززون الشعور بأن هذه ليست مجرد جنازة رسمية إيرانية، بل حدث يتجاوز الحدود الوطنية”.
وربطاً بتشييع جثمان الامام الشهيد في العراق ورمزيته السياسية والدينية، أكد تقرير لصحيفة واشنطن بوست، أن “الحشود الغفيرة التي قدرت بالملايين والتي حضرت جنازة خامنئي في النجف وكربلاء أظهرت محدودية الدور الأمريكي في العراق”. ونقل التقرير عن مسؤولين قولهم إن “هذا الحزن العميق يهدف إلى إظهار استمرار العلاقات الوثيقة بين العراق وإيران على الرغم من مساعي الولايات المتحدة لتعزيز نفوذها في بغداد”.
وفي سياق متصل، وصفت صحيفة الغارديان البريطانية التشييع بأنه استعراض للوطنية كما أنه مراسم للحداد. مضيفة أن كثيراً من المشاركين رأوا فيه دليلاً على أن إيران، بوصفها حضارة عريقة، واجهت قوة عظمى وخرجت من الحرب أكثر صلابة. واستشهدت بلافتة رفعها أحد المشاركين كتب عليها “نحن الشعب صواريخ إيران الحقيقية”، ورأت في العبارة تلخيصاً للتحول الذي أراد كثير من الإيرانيين التعبير عنه، أي الانتقال من صورة الضحية إلى صورة المجتمع القادر على الصمود وردع المعتدين.
بدورها لاحظت صحيفة ديلي ميل أن مراسم التشييع تحولت إلى منصة قوية للتعبير عن المشاعر المعادية للولايات المتحدة و”إسرائيل”، وذكرت الصحيفة البريطانية “أن المشيعين شوهدوا وهم يحرقون العلمين البريطاني والأمريكي ويرشقون صور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالحجارة، فيما انتشرت لافتات كُتب عليها “اقتُلوا ترامب” على طول الشوارع. كما عُلّقت دمية تمثل ترامب في ساحة الإمام الحسين، بينما حمل المشيعون ملصقات تحمل صور ترامب وبيت هيغسيث وجيه دي فانس وبنيامين نتنياهو، وقد رُسمت على وجوههم علامات التصويب”.
الأبعاد السياسية
ومن الدلالات الرمزية للتشييع إلى أبعاده السياسية كما استنتجها المعلقون الغربيون الذين رأوا فيها تأكيداً للنتائج الميدانية للحرب، وفي هذا الإطار، اعترفت صحيفة وول ستريت جورنال بأن مراسم التشييع “شكلت استعراضاً هائلاً لتحدي الجمهورية الإسلامية للغرب”. أما أستاذ العلوم السياسية الأمريكي روبرت بيب فقد اعتبر أن الحدث ليس مجرد جنازة، بل “تحول استراتيجي قد يغير حسابات التفاوض الإيرانية، لأن الحشود لا تغير ميزان القوة العسكرية، لكنها تغير الإرادة السياسية، وترفع ثقة القيادة الإيرانية، بما يجعل مطالبها التفاوضية أكثر تشدداً في مرحلة تتزامن مع هشاشة الاقتصاد العالمي واحتمال تعرض أسواق الطاقة لصدمات جديدة”. ورأى الباحث الأمريكي أن السؤال ما بعد التشييع “لم يعد يدور حول استئناف المفاوضات مع واشنطن، بل حول حجم التنازلات التي قد تطالب بها طهران الطرف الآخر مستفيدة من تبدل البيئة السياسية”.
وفي سياق متصل كتبت صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” أن “الحرب التي كان يراد منها إضعاف الجمهورية الإسلامية ربما أسهمت، على العكس، في تعزيزها”. وخلصت إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران “أعادت تشكيل البيئة السياسية الداخلية، ورفعت منسوب الثقة لدى القيادة الإيرانية”، كما أنها أعادت “رسم أولويات المفاوضات مع الولايات المتحدة، بحيث أصبحت ملفات العقوبات والأصول المجمدة والاستثمار جزءاً من النقاش بعدما كانت بعيدة المنال قبل الحرب”.
وحول الأبعاد السياسية للحدث أكدت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن “حجم المسيرات المليونية في تشييع الخامنئي وعمقها الجماهيري يمثلان تحولاً استثنائياً ومنعطفاً تاريخياً كبيراً تشهده البلاد في تاريخها”. في ما نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن مراقبين قولهم إن “الحضور الجماهيري الكثيف يعكس مستوى التلاحم الشعبي الذي برز خلال مراسم التشييع، ويُنظر إليه بوصفه مؤشراً على تماسك الداخل الإيراني في أعقاب الحرب الأخيرة”.
خاتمة
انتهت مراسم تشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، لكن مفاعيلها لم تنتهِ بعد وليس مقدراً لها أن تنتهي قريباً، وذلك لارتباطها أولاً بنتائج ما مضى من الحرب العدوانية وما يمكن أن يكون عليه الموقف الإيراني إزاء المحاولات الأمريكية الخروج عن نص مذكرة التفاهم، وما يمكن أن تقود إليه تلك المحاولات من تفجير المذكرة والعودة إلى الحرب مجددا.
