إقليميات

ما تأثير نتائج الانتخابات التشريعية على المشهد السياسي في الجزائر؟

بقلم توفيق المديني

وحسب ما أعلنته السلطة الوطنية المستقلة، بلغ عدد المصوتين 5 ملايين و71 ألفا و20 ناخبا من أصل 23 مليونا و872 ألفا و756 مسجلاً.

فوز أحزاب الموالاة

وكما هو كان متوقعاً، فازت أحزاب الموالاة للسلطة الجزائرية التي تضم خمسة أحزاب رئيسة، جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وجبهة المستقبل، وحركة البناء الوطني، وصوت الشعب، بـ 256 نائباً من مجموع 407 نواب في المجلس الشعبي بنصيب الأسد في هذا الاستحقاق الانتخابي، إِذْ حصلتْ على ثلثي مقاعد البرلمان، أي 256 مقعدً من أصل 407 مقاعد، ما يجعل السلطة في أريحية كبيرة في تشكيل الحكومة وتمرير القوانين والتشريعات في المرحلة المقبلة.

فقد حصل حزب جبهة التحرير الوطني – حزب السلطة التاريخي  – على 90 مقعداً من أصل 407 مقاعد، منها 85 مقعداً داخل الجزائر و5 مقاعد ممثلة للجالية الجزائرية في الخارج، دون أن يحصل على الأغلبية، مسجلاً تراجعاً بـ8 مقاعد مقارنة بالانتخابات الماضية.

وجاء حزب التجمع الوطني الديمقراطي – الموالي للسلطة – في المركز الثاني بحصوله على 73 مقعداً بزيادة 16 مقعداً مقارنة بالانتخابات السابقة، مسجلاً أكبر نجاح مقارنة ببقية الأحزاب. كما رفع حزب جبهة المستقبل -المقرب من السلطة- عدد مقاعده من 48 إلى 59، ليحتل المرتبة الثالثة، وفي المقابل تراجعت حصة الأحرار (المستقلين) من 85 مقعداً إلى 32 مقعداً.

تراجع الإسلاميين في الانتخابات

على الرغم من أنَّ الإسلاميين مُنِيُوا بهزيمةٍ في الانتخابات التشريعية التي جرت بعد انتفاضات “الربيع العربي” في أيار/مايو 2012، إذ لم تحصل الأحزاب الإسلامية مجتمعة سوى على 59 مقعداً، من بينها 48 مقعداً (15 امرأة) لتجمع “الجزائر الخضراء” (الذي يضم حركة مجتمع السلم “الإخوان المسلمون” التي كانت تشغل 59مقعداً في المجلس المنتهية ولايته ما سمح لها بالمشاركة في الحكومة بأربعة وزراء، وكان يقودها أبو جرة سلطاني)، فإنَّ الأحزاب الإسلامية الجزائرية، تراجعت في ظل هذا الاستحقاق الانتخابي الأخير، إِذْ احْتلتْ حركة مجتمع السلم، أكبر الأحزاب الإسلامية (معارضة) المرتبة الرابعة بـ44 مقعداً، وخسرت 22 مقعداً، تليها حركة البناء الوطني (إسلامي موالي) بـ38 مقعداً، فيما حصل حزب صوت الشعب على 17 مقعداً. وعلى الرغم من تقهقر شعبية الأحزاب الإسلامية خلال العقود الثلاثة الماضية، بسبب مشاركة عدد منها في الحكومات السابقة، ثم انقسامها وتشظيها، إلا أنَّها تشترك في هذا الضعف مع معظم أحزاب المعارضة الرئيسية.

في هذا السياق، قال رئيس حركة مجتمع السلم عبد العالي حساني في مؤتمر صحافي، يوم الثلاثاء: “نحن حزب مسؤول وسنقوم بتقييم جدي للنتائج وبنقاش داخلي بشأنها، ليس لنا أي حرج وعقدة اتجاه النتائج، وإذا كان يتعين علينا تغيير القيادة فليكن ذلك، لكننا نحمّل السلطة مسؤولية تقزيم حركتنا، لقد تعرضنا لعملية تقزيم. وهناك نتائج مطعون فيها في عدة ولايات لها علاقة بالنتائج النهائية، حركتنا ليست مجرد أرقام وإنما هي رصيد من المساهمة في بناء البلاد”. في المقابل، تحدث رئيس حركة البناء الوطني عبد القادر بن قرينة، عن أنَّ الحركة تعرضتْ لظلم انتخابي حرمها من مزيد من المقاعد، مشيراً إلى وجود خروق في بعض مكاتب التصويت، وعن “تصويت الموتى” في أحد المراكز الانتخابية.

أحزاب المعارضة العلمانية

 هناك ستة أحزاب سياسية تمثل الأضلاع الرئيسة للكتلة الديمقراطية شاركت في هذه الانتخابات التشريعية، وهي “جبهة القوى الاشتراكية” و”التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية”، وهما أبرز أحزاب المعارضة ويتمركزان في منطقة القبائل (ذات الغالبية من السكان الأمازيغ)، و”الحركة الديمقراطية الاجتماعية” (وريث الحزب الشيوعي سابقاً)، وحزب “العمال” التروتسكي الذي تقوده لويزة حنون، وحزب “العمال الاشتراكي”، و”الاتحاد من أجل التغيير”.

وخيبتْ جبهة القوى الاشتراكية (اشتراكي معارض)، بحصولها على 12 مقعداً فقط، وحصل حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية على سبعة مقاعد، وحزب العمال اليساري الذي تقوده المرشحة الرئاسية السابقة لويزة حنون على ثلاثة مقاعد، وتراجعت كتلة المستقلين إلى 38 مقعداً. وفازت أحزاب الوسط، حزب الفجر الجديد، والحرية والعدالة، بستة مقاعد لكليهما، وحزب الكرامة بخمسة مقاعد.

جبهة العدالة والتنمية

يتزعمها عبد الله جاب الله، المعارض الإسلامي المخضرم، الذي أسس حركة النهضة في 1990، وحقق معها مفاجأة عندما حل رابعاً بـ 34 مقعداً، قبل أن ينفصل عنها عقب قرر مجلسها الشورى دعم عبد العزيز بوتفليقة في رئاسيات 1999.وأسس جاب الله حزبه الثاني؛ حركة الإصلاح الوطني، وحقق معه مفاجأة ثانية، بحصوله على 43 مقعدا في انتخابات 2002، محتلاً المرتبة الثالثة ومتزعماً التيار الإسلامي، بينما انهارت حركة النهضة بحصولها على مقعد وحيد.

غير أن جاب الله، الذي يتمتع بشخصية كاريزمية، تعرض لحركة تصحيحية أطاحت به من رئاسة الإصلاح، لكن لم ييأس بعد أن خسر ثاني حزب يؤسسه، وأسس حزباً ثالثاً تحت اسم “جبهة العدالة والتنمية” في 2011. كان جاب الله، يأمل أن يحقق مفاجأته الثالثة مع حزبه الجديد في انتخابات 2012، لكنه لم يحصل سوى على 7 مقاعد فقط.

في هذه الانتخابات التشريعية التي جرت يوم الخميس 2تموز/يوليو2026، فاز حزبان آخران من الكتلة الإسلامية، حزب جبهة العدالة والتنمية التي يقودها الشيخ عبد الله جاب الله أحد أبرز مؤسسي العمل الإسلامي في الجزائر، بأربعة مقاعد، وحركة النهضة بمقعدين، بينما لم يحصل 11 حزباً مشاركاً على أي مقعد.

لا تؤثر نتيجة الانتخابات التشريعية الجزائرية في طبيعة التحالفات الحزبية، لكون الدستور يمنحُ رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في هذه الحالة، صلاحية تشكيل الحكومة واختيار الوزير الأول (رئيس الحكومة)، من دون أن يكون مضطراً إلى استشارة هذه الأحزاب، خصوصاً في ظل النظام الرئاسي القائم في الجزائر.

ظاهرة العزوف الانتخابي

الظاهرة الجديدة التي باتت تسيطر على المشهد السياسي الجزائري، وباتت تقلق أركان الدولة الجزائرية وبقية الأحزاب السياسية سواء المؤيدة للسلطة أو المعارضة، تكمن في العزوف الشعبي عن المشاركة الانتخابية، حيث أصبحتْ فئات واسعة من الشعب الجزائري تتعامل تجاه الاستحقاقات الانتخابية بنوعٍ من السلبيةِ القاتلةِ، واللامبالاة، ليقينها التام بأنَّ كل مظاهر المشاركة السياسية لم تعُدْ تحقق الأهداف المرجوة، لاسيما عملية التغيير الحقيقية في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة الجزائرية.

كانت الرسالة الأبرز التي أوضحتها هذه الانتخابات هي تحوّل العزوف الشعبي عن الانتخابات إلى مقاطعةٍ حقيقية، ما يُعَدُّ بمنزلة عقابٍ غير معلنٍ لمؤسسة البرلمان، المتهم الأول بتزكية مشاريع حكومية أقرّت إجراءاتٍ اقتصاديةً قاسيةً ومؤثرةً في الوضع المعيشي لأغلب المواطنين الذين يعيشون وضعاً اقتصادياً غاية في الصعوبة. فقد صوتت نسبة 10٪ من الناخبين بأوراق بيضاء، وكان الناخبون الجزائريون الرازحون تحت وطأة غلاء المعيشة، يُعَبِرُّونَ عن معارضتهم للطبقة السياسية الحاكمة من خلال الصمت ومقاطعة الانتخابات التشريعية.

 في خمسة استحقاقات انتخابية جرت بعد حراك 2019، ظل العزوف قائماً في حدود 77٪من الكتلة الناخبة، هل لهذا علاقة بمآلات الحراك؟ فقد بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 21.24٪، لتصبح أضعف نسبة مشاركة في تاريخ المسار الانتخابي في الجزائر، مقابل نسبة مشاركة وصلت إلى 23٪ في انتخابات عام 2021 رقم هو الأدنى تاريخياً، بحسب الأرقام الرسمية غير النهائية التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات الإثنين الماضي. ومن أصل 24 مليون شخص يحق لهم الاقتراع، أشارت السلطة إلى أنَّ 5.6 ملايين شخص أدلوا بأصواتهم، علما بأنَّ أكثر من مليون من هذه الأصوات اعتبرت لاغية، ليكون الرّقم النهائي أقرب إلى 20٪، أي  18 مليون عازف عن الانتخابات في الجزائر.

يُعّدُّ العزوف الانتخابي شكلاً من أشكال الاحتجاج الصامت، في ظل غياب إمكانية الاحتجاج، وضرباً من ضروب العقاب تجاه السلطة والنخب السياسية. فعندما تكون مساحات التعبير ضيقة أو منعدمة، يكون الفعل الانتخابي شكلاً من أشكال المناهضة والتنديد بوضع معين. فقد تحول العزوف الانتخابي إلى قضية معقدة جداًفي الجزائر، وهو ناجمٌ عن طاهرة انعدام الثقة، وهي معضلة بنيوية. انعدام الثقة بالفعل الانتخابي في حد ذاته طالما أفرغ من محتواه، وانعدام الثقة بالجهات التي تدير الفعل الانتخابي وتنظمه، بالإضافة إلى انعدام الثقة بشكل رهيب بين الفئات الشعبية والنخب السياسية التي لم تعدْ تمثل قيم التغيير أو لا تحملها أصلاً.

هل تتجه الجزائر لخيار تشكيل حكومة وحدة وطنية؟

أسفرت النتائج الأولية للانتخابات التشريعية، التي أعلنت عنها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، عن خريطة سياسية جديدة وتوازنات مغايرة لما كانت عليه الأمور قبل الحراك الشعبي، على الرغم من أنَّ هذه التوازنات الجديدة نسبيةً، فهي لم تفرز أغلبية رئاسية.

وبحسب المادة (65) من النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني، التي تشترط حيازة 15 مقعدا على الأقل لتشكيل كتلة برلمانية، تمكنت سبعة تشكيلات سياسية من استيفاء هذا الشرط. وتضم هذه الأحزاب: جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وجبهة المستقبل، وحركة مجتمع السلم، وحركة البناء الوطني، وكتلة الأحرار، إضافة إلى حزب صوت الشعب. ومن المنتظر أن تشكل هذه الكتل العمود الفقري للعمل البرلماني خلال العهدة الجديدة، سواء في تشكيل اللجان الدائمة أو إدارة النقاشات المتعلقة بمشاريع القوانين والرقابة على عمل الحكومة.

وسجلت النتائج تراجعاً لافتاً في حضور المرأة داخل البرلمان، بعدما فازت النساء بـ 32 مقعدا فقط من أصل 407 مقاعد، وهو أدنى مستوى للتمثيل النسوي منذ سنوات.

لقد أشار التعديل الدستوري (نوفمبر/ تشرين الثاني 2020) إلى نوعين من الحكومات، يمكن أن تفرزهما الانتخابات التشريعية، في أحدهما يمكن أن تتشكّل من أغلبية تفـوز، لا تكون من مناصري برنامج الرّئيس عبد المجيد تبون، وفي الآخر تكون مناصرة له، وتتشكّل ببرنامجه. فقد  ضبطت المادة 103 من الدستور المعدل في  2020 شكل الحكومة وفق التوصيف التالي: “يقود الحكومة وزير أول في حال أسفرت الانتخابات التشريعيــة عــن أغلبية رئاسية”، في حين “يقود الحكومة رئيس حكومة، في حال أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية برلمانية”.

يجمع الخبراء والمحللون الملمون بالشأن الجزائري أنَّ طبيعة النظام السياسي القائم في الجزائر هو نظام رئاسي، ويكتسب منصب رئيس الجمهورية في الجزائر أهميته من حجم الصلاحيات التي يمنحها الدستور لهذا المنصب، فالرئيس هو رئيس الجهاز التنفيذي المباشر، يساعده وزير أول (رئيس الحكومة)، وهو رئيس السلطة القضائية بصفته القاضي الأول في البلاد، ويُعيّن ثلث أعضاء الغرفة العليا للبرلمان، وله حق التشريع بمراسيم بين دورتين برلمانيتين، كما له حق حل البرلمان. وبهذه الحقوق فإنه الحاكم المطلق عملياً.

 الحكومة الحالية التي ينتظر أن تقدم استقالتها إلى الرئيس عبد المجيد تبون في غضون أيام بعد تثبيت المحكمة الدستورية للنتائج النهائية، لا تضم أي تمثيل لأحزاب الحزام الرئاسي. وعلى هذا الأساس يكون تبون المستفيد الوحيد من الانتخابات الجزائرية أكثر من الأحزاب السياسية نفسها، كونه حصل على أريحية نيابية تعفيه من أي التزامات مع الأحزاب بشأن تشكيل الحكومة وصياغة خياراتها، وضمان تمرير القوانين والتشريعات التي يعتزم طرحها في المرحلة المقبلة، ومن دون تعطيل للموازنات أو مناكفة نيابية. ويركز تبون حالياً على المشروعات الاقتصادية ومواصلة الإصلاح الهيكلي للاقتصاد الجزائري، وتنفيذ خطة الإصلاح النقدي وحزمة المشاريع الحيوية الكبرى ذات الصلة بالقطاعات الطاقة والمناجم والبنية التحتية وتطوير الزراعات والدفاع والجيش، والتي يلخصها تبون في بندين اثنين: بناء اقتصاد منتج وجيش قوي.

خاتمة

ما دامت طموحات الشعب الجزائري لم تتحقق، و في ظل الأزمة البنيوية التي يعيشها النظام العالمي الرأسمالي الليبرالي الأمريكي المتوحش، وتفجر الحرب الأمريكية -الصهيونية على إيران، فإنَّ تأثير نتائج الانتخابات التشريعية الجزائرية سيكون مختلفاً عن تشكل الانتخابات التشريعية في الديمقراطيات الكلاسيكية الغربية وسواها المنتشرة في آسيا وجنوب إفريقيا، والتي تُعّدُّ إحدى أهم الآليات الدستورية لإعادة إنتاج السلطة وإعادة توزيع موازين القوة داخل النظام السياسي، إذ تسمح بتجديد النخب السياسية، وإعادة تشكيل الأغلبية البرلمانية ، ومساءلة السلطة التنفيذية من خلال المؤسسات التمثيلية. غير أن هذه الوظيفة النظرية تفقد جزءا كبيرا من فعاليتها في الأنظمة التي لا تكون فيها المؤسسات المنتخبة هي المركز الحقيقي لصنع القرار.

هل ستغير نتائج الانتخابات التشريعية المشهد السياسي في الجزائر، في ظل سيطرة كتلة الموالاة على ثلثي المقاعد، الأمر الذي سيمنحها فرصة الهيمنة على مكتب البرلمان والهياكل واللجان النيابية القطاعية، والتحكم في المسارات التشريعية للقوانين والمبادرات النيابية؟.

يرى الخبراء أنَّ أداء السلطة التشريعية متمثلة في البرلمان ستكون ضعيفة ، خصوصاً أنَّ البرلمان المنتهية ولايته لم يبادر في السنوات الخمس الماضية إلا بتقديم مبادرة تشريعية واحدة فقط، وهي قانون تجريم الاستعمار، وتوقع محللون أن ينكفئ النواب في الكتل النيابية عن مناكفة الحكومة والمداخلات الحادة والاستجوابات النيابية المحرجة لها، لئلا يكون مصيرهم في الانتخابات المقبلة الإحالة على المادة 200 من القانون الانتخابي، التي سمحت للسلطة بإقصاء عدد كبير من نواب البرلمان ومنعهم من الترشح مرة أخرى لأسباب غير دقيقة، على خلفية مواقفهم ونشاطهم النيابي الذي رأت فيه السلطة خروجا عن الخط العام. وهذا يعني أن عدداً كبيراً من النواب سيدخلون إلى البرلمان وعينهم على أفق انتخابات 2031.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *