نعشٌ هزم الرهان الأمريكي… وصوتُ الثأر أرعبهم… فهل لا يُرَدُّ الغدرُ إلا بردعٍ نووي؟
بقلم زينب عدنان زراقط
حُجَّةُ الإسلام والمسلمين، آيةُ الله العظمى السيد علي الخامنئي(قده)، أرعب خصومه من داخل النعش!.. تشييعٌ مليونيٌّ مهيبٌ، مددٌ شيعيٌّ وإسلاميٌّ، وكلُّ مَن آمن بالحق، يضجُّون بمشاعرهم الجيَّاشة، لا منكسرين، بل رافعين رؤوسهم وقبضاتهم للأخذ بثأر إمامهم و”قتل ترامب”!.
لم يكن التشييع المهيب مجرد مراسم وداع، بل كان استفتاءً شعبياً دوّى صداه من طهران وجمكران إلى النجف وكربلاء وصدحَ في كل أرجاء العالم، حيث تدفقت أمواج بشرية حملت رسالة واحدة: أن المشروع الذي راهنت واشنطن وتل أبيب على إسقاطه ما زال أكثر حضوراً وتماسكاً. لقد خافوا من مشهد الجماهير أكثر مما خافوا من الصواريخ، لأنهم أدركوا أن العقيدة التي يستند إليها محور المقاومة لم تنكسر، وأن محاولات تفكيكها عبر الحرب والاغتيال قد باءت بالفشل. لم تسقط إيران، ولم تنهزم المقاومة، بل خرجت من المواجهة أكثر تماسكاً، فيما بدا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تواجهان واقعاً جديداً لم يكن ضمن حساباتهما.
ومن هنا، يمكن قراءة التحول الأمريكي السريع بوصفه محاولة لاستعادة زمام المبادرة بعد سقوط رهان إسقاط الداخل الإيراني. فبدل البناء على التفاهمات التي كانت قد بدأت مع طهران، عادت واشنطن إلى سياسة التصعيد، وشاركت في الاعتداءات على إيران إلى جانب إسرائيل، في خطوة عكست ارتباكاً أكثر مما عكست ثقة. ومع تعثر خيار القوة، بدأ البحث عن بدائل إقليمية جديدة، فبرز الانفتاح على تركيا ومحاولة إعادة توزيع الأدوار داخل المنطقة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه يبقى: هل تستطيع واشنطن تعويض ما خسرته في إيران عبر إعادة هندسة تحالفاتها، أم أن موازين القوى التي أفرزتها الحرب باتت تفرض معادلات مختلفة؟
تصعيد عسكري لتنفيس الغضب
مشهد تشييع سيد الأمّة الإسلامية الشهيد الخامنئي، بدّد رهانات الإدارة الأمريكية على أن العدوان العسكري الذي نُفذ بالشراكة مع إسرائيل سيقود إلى إنهاك الداخل الإيراني ويفرض على طهران قبول تسوية بشروط واشنطن. وعلى العكس، أعاد التشييع المليوني رسم صورة مغايرة لموازين القوى، وأرسل رسالة واضحة بأن أي تفاوض لن يكون على قاعدة الإملاءات، بل على قاعدة الندية. ومن هنا، لم يكن مستغرباً أن تتجه الولايات المتحدة سريعاً إلى الغدر بمسار التفاهم الذي كانت قد شرعت فيه، عبر استئناف الاعتداءات العسكرية على إيران، في محاولة لاستعادة أوراق الضغط التي فقدتها بعد فشل العدوان، ولكن كُلٌ بحسابه، وكُلُّ عُدوان يُقابله الرد المناسب.
وفي أعقاب استئناف الاعتداءات الأمريكية، سارعت إيران إلى الرَّد، معلنةً أن أي تصعيد لن يمر دون رد مماثل، ومؤكدةً أن استمرار الاستهداف سيقابل بتوسيع دائرة المواجهة واستهداف المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة. كما شددت طهران على تمسكها بالمعادلة التي أرستها في مضيق هرمز، معتبرةً أن أمن الملاحة فيه لا يمكن أن تتحقق إلا تِبعاً لشروطها والمسارات التي تُحدِّدُها، وليس وفق الرؤية التي تسعى واشنطن إلى فرضها. وفي موازاة ذلك، تصاعدت التحذيرات الإيرانية من أن تكرار ما وصفته بالغدر الأمريكي وتقويض مسار التفاوض قد يدفعها إلى إعادة النظر في عقيدتها النووية بما تراه كفيلاً بضمان أمنها القومي وردع أي اعتداءات مستقبلية، في ظل غياب الضمانات وانعدام الثقة بالطرف الآخر. وفي خضم هذا التصعيد، ومن بعدما “أَفرغ قليلاً من غَليله” أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء العمليات العسكرية، في خطوة رأى فيها بعض المحللين محاولةً لاحتواء تداعيات المواجهة ومنع انزلاقها إلى حرب أوسع بعد أن اتسعت دائرة التوتر في المنطقة.
ومع تعثر خيار القوة، وانهيار الرهان على إضعاف إيران من الداخل، بدأت واشنطن تبحث عن مقاربة جديدة لإدارة الصراع، تقوم على إعادة هندسة شبكة تحالفاتها الإقليمية، ومنح تركيا دوراً أكبر داخل المنظومة الأطلسية، بما يتيح لها تعويض التراجع الذي أصاب الدور الإسرائيلي بعد الحرب. ومن هنا، اكتسبت قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة أهمية استثنائية، لا باعتبارها اجتماعاً دورياً للحلف، بل باعتبارها محطة في مشروع أمريكي لإعادة توزيع الأدوار في الشرق الأوسط، ومحاولة لاحتواء تداعيات فشل العدوان على إيران، واستعادة زمام المبادرة في مواجهة التحولات التي فرضتها الحرب الأخيرة.
هل تبحث واشنطن عن بديل للدور الإسرائيلي؟
لم يكن انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل جاء في لحظة إقليمية بالغة الحساسية أعقبت العدوان الأمريكي – الإسرائيلي على إيران، وما ترتب عليه من تعثر المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران، وعودة المنطقة إلى منطق الردع المتبادل. وفي هذا السياق، اكتسبت القمة أبعاداً تتجاوز إطارها الأطلسي، لتتحول إلى محطة لاختبار قدرة الولايات المتحدة على إعادة ترتيب شبكة حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم تركيا.
فالتحولات التي فرضتها الحرب الأخيرة دفعت الإدارة الأمريكية إلى البحث عن أدوات جديدة لإدارة الشرق الأوسط، بعدما كشفت المواجهة حدود القدرة الإسرائيلية على فرض الوقائع العسكرية، وأظهرت أن العدوان، بدلاً من إخضاع إيران، أعاد تثبيت حضورها الإقليمي ورسخ معادلات ردع جديدة يصعب تجاوزها. وفي ظل هذا الفشل، برز اتجاه داخل مراكز القرار الأمريكية يقوم على توسيع دائرة الحلفاء القادرين على لعب أدوار إقليمية، بحيث لا تبقى إسرائيل وحدها الركيزة الأساسية للمشروع الأمريكي في المنطقة.
ومن هنا اكتسبت تركيا أهمية متزايدة، ليس بوصفها بديلاً كاملاً لإسرائيل، وإنما باعتبارها قوة إقليمية تمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً، وجيشاً كبيراً، وعلاقات متشابكة مع ملفات الشرق الأوسط والقوقاز والبحر الأسود، بما يجعلها قادرة على المساهمة في احتواء تداعيات صعود إيران بعد الحرب.
أنقرة في قلب الحسابات الأمريكية
جاءت استضافة تركيا لقمة الناتو لتمنح هذا التوجه زخماً إضافياً، خصوصاً مع اللهجة الإيجابية التي تبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه نظيره رجب طيب أردوغان، وما تردد عن إعادة فتح ملفات التعاون العسكري، وفي مقدمتها إمكانية عودة أنقرة إلى برنامج مقاتلات 35F-. هذه المؤشرات فسرتها دوائر إسرائيلية باعتبارها محاولة أمريكية لمنح تركيا دوراً أكبر في إعادة صياغة التوازنات الإقليمية، وهو ما يفسر حالة القلق التي سادت الأوساط السياسية والإعلامية في تل أبيب خلال الأيام التي سبقت القمة.
لم يقتصر الانزعاج الإسرائيلي على احتمال حصول تركيا على أسلحة متطورة، بل ارتبط أساساً بالخوف من تغير موقعها داخل الاستراتيجية الأمريكية. فالقيادة الإسرائيلية تدرك أن واشنطن، بعد الحرب على إيران، باتت بحاجة إلى شبكة تحالفات أكثر اتساعاً، وأن الاعتماد الحصري على إسرائيل لم يعد كافياً لإدارة ملفات المنطقة، خاصة بعدما أثبتت المواجهة الأخيرة أن القوة العسكرية وحدها لم تعد قادرة على فرض المعادلات السياسية. ولهذا السبب جاءت تصريحات بنيامين نتنياهو، ووزير خارجيته جدعون ساعر، محذرة من أي خطوات أمريكية قد تعزز القدرات العسكرية التركية أو تمنح أنقرة مكانة متقدمة داخل المنظومة الغربية، في محاولة واضحة لمنع ظهور شريك إقليمي ينافس إسرائيل على موقعها التقليدي.
وعلى الرغم من الرهان الأمريكي على مقدرة تركيا من ملء الفراغ، إلاَّ أن أنقرة، وعلى الرغم من امتلاكها إمكانات عسكرية وسياسية مهمة، تختلف جذرياً عن إسرائيل في طبيعة موقعها وحساباتها. فهي ترتبط بعلاقات اقتصادية واسعة مع دول المنطقة، كما أنها تدرك أن الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران سيهدد استقرارها الداخلي ومصالحها الاستراتيجية. لهذا تبدو السياسة التركية أقرب إلى محاولة تحقيق توازن بين مختلف الأطراف، والحصول على مكاسب سياسية واقتصادية من موقع الوسيط أو الشريك الإقليمي، لا من موقع رأس الحربة في أي مشروع مواجهة مع طهران.
سوريا… ساحة الاختبار الحقيقية
ويبرز الملف السوري باعتباره الساحة الأكثر حساسية في هذا السياق، إذ باتت سوريا إحدى أهم نقاط التنافس على إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بعد الحرب على إيران. فالولايات المتحدة تراهن على توسيع الدور التركي داخل الساحة السورية، بما يسمح بإعادة رسم خريطة النفوذ هناك، وتقليص الحضور الإيراني تدريجياً، وإيجاد ترتيبات أمنية جديدة تتوافق مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية. وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى أي تمدد تركي في سوريا بعين القلق، باعتباره احتمالاً لتراجع هامش حركتها العسكرية والسياسية، خصوصاً في الجنوب السوري ومناطق الاحتكاك القريبة من الجولان المحتل.
وفي هذا الإطار، برزت محاولات أمريكية لدفع السلطة السورية الجديدة إلى لعب دور أكبر في مواجهة القوى المرتبطة بمحور المقاومة، حيث تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بحسب تصريحاته، عن طلبه من الرئيس السوري أحمد الشرع اتخاذ خطوات ضد حزب الله، مشيراً إلى أنه حصل على تعهدات بشأن منع استخدام الأراضي السورية في دعم الحزب أو أي قوى معادية لإسرائيل والولايات المتحدة. ويعكس هذا الطرح محاولة أمريكية لنقل جزء من أعباء المواجهة الإقليمية إلى أطراف محلية، بدل الانخراط المباشر في صراعات جديدة، خصوصاً بعد التداعيات التي خلفتها المواجهة مع إيران.
إلا أن الرهان على الدور السوري يصطدم بتعقيدات كبيرة، فدمشق تواجه تحديات داخلية وأمنية واسعة، كما أن قدرتها على فرض نفوذ كامل على مختلف المناطق ما تزال محدودة، في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية داخل الساحة السورية. كذلك فإن تحويل سوريا إلى منصة مواجهة مع حزب الله أو إيران قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من عدم الاستقرار، ويضع السلطة السورية أمام اختبار صعب بين محاولة الحصول على الدعم الغربي والخليجي، وبين تجنب الانخراط في صراعات إقليمية قد تفوق قدرتها على الاحتمال.
أما تركيا، وعلى الرغم من امتلاكها أدوات نفوذ واسعة داخل سوريا، فإنها لا تبدو مستعدة للذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع إيران أو القوى الحليفة لها، فالحسابات التركية تقوم أساساً على تثبيت النفوذ وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية، لا على الدخول في حرب إقليمية شاملة. ومن هنا، فإن محاولة تحويل أنقرة أو دمشق إلى أدوات لمواجهة إيران قد تصطدم بحسابات واقعية مختلفة، إذ تدرك الدولتان أن أي تصعيد كبير قد يهدد مصالحهما ويعيد إنتاج الفوضى التي عانت منها المنطقة خلال السنوات الماضية.
في الختام، تتزامن هذه التحركات مع أزمة أعمق تتمثل في انهيار الثقة بين واشنطن وطهران بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت إيران، والتي اعتبرتها الأخيرة انتهاكاً للتفاهمات القائمة وتقويضاً لمسار التفاوض.
ومن ثم، فإن أي محاولة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية لن تغير حقيقة أن الأزمة الأساسية ما تزال قائمة، وهي عجز الولايات المتحدة عن فرض شروطها بالقوة، في مقابل تمسك إيران بأوراقها الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، واستعدادها لاستئناف المواجهة إذا استمرت واشنطن في التنصل من التزاماتها. فهل ستستمر هذه النكايات الأمريكية إلى أن يُعلن فشل الاتفاق الذي أُبرم، وأن لا مجال بعد ذلك لاستئناف المفاوضات؟.
تشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة تحاول تعويض إخفاق العدوان على إيران بإعادة توزيع الأدوار بين حلفائها، ومنح تركيا مساحة أوسع داخل النظام الإقليمي، أملًا في احتواء الصعود الإيراني وتقليص الاعتماد على إسرائيل وحدها. لكن هذه المقاربة تواجه معوقات بنيوية؛ فتركيا لا تملك الدوافع التي تدفعها إلى خوض حرب مع إيران، وإسرائيل لم تعد قادرة على فرض الوقائع التي كانت تحققها في السابق، بينما أثبتت إيران أن الضغوط العسكرية لم تؤدِّ إلى إضعافها، بل دفعتها إلى تعزيز تمسكها بمعادلات الردع والعودة إلى سياسة فرض الوقائع بالقوة. والأخطر هو ما لوّحت به إيران بعد الاعتداءات الأخيرة من إمكانية تغيير عقيدتها النووية لضمان أمنها وسلامتها في ظل تكرار الغدر وانعدام الثقة بالطرف الآخر في المفاوضات. فهل تكون عاقبة رذالة ترامب ومراوغته أن تصبح “إيران نووية”، حتى يدرك حدوده، ويكون ذلك الحد الفاصل بين الجمهورية الإسلامية من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى؟.
