لقاء علمائي كبير للتجمع والمركز الإسلامي للتبليغ والحوزات العلمية
بدعوة من تجمع العلماء المسلمين والمركز الإسلامي للتبليغ والحوزات العلمية في لبنان أقيم لقاء علمائي كبير، وكان كلمة لنائب رئيس الهيئة الإدارية سماحة الشيخ زهير الجعيد قال فيها:
السلام عليكم سادتي العلماء ورحمة الله وبركاته…

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين ناصر المستضعفين وقاصم الجبارين ومذل المنافقين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين قائد الغر الميامين سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه ونهجه الى يوم الدين.
قال تعالى في محكم تنزيله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ، أصحاب السماحة والفضيلة، أيها الجمع الكريم من علماء الأمة من كافة الطوائف والمذاهب، أقف اليوم بين أيديكم لا لأرثي رجلاً عابراً في صفحات التاريخ، بل لأؤبن طوداً شامخاً وأمة تجسدت في رجل، أقف باسم تجمع العلماء المسلمين في لبنان، وبصفتي عالماً من أهل السنة والجماعة لأنعي إلى الأمة الإسلامية وإلى أحرار العالم قائداً استثنائياً وفقيهاً مجدداً وعالماً ربانياً، الإمام القائد السيد علي الحسيني الخامنئي رضوان الله تعالى عليه، إن الحزن الذي يعتصر قلوبنا اليوم ليس مجرد عاطفة تتبدد مع الأيام، بل هو حزن بحجم الفراغ الذي يتركه غياب هذا الجبل الأشم، لقد فقدنا خيمة استظل بها المستضعفون وليس المسلمون فقط، وعقلاً استراتيجياً فذاً وقلباً لم ينبض إلا بحب الإسلام والمسلمين جميعاً بمختلف بلدانهم وطوائفهم ومذاهبهم، وعشق فلسطين، وما أدرانا عشق إمامنا لفلسطين كم بلغ؟
لقد كان الراحل الكبير مصداقاً لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾، فلم ترهبه أساطيل المستكبرين ولم تثنِ عزيمته حصارات أو عقوبات، أيها السادة العلماء، لقد عرفنا الإمام الخامنئي قدس الله سره في خنادق العلم قبل خنادق المواجهة، كان فقيهاً يغوص في أعماق الشريعة ليستخرج منها فقه المقاومة وفقه الاستنهاض وفقه بناء الدولة والمجتمع، لم يكن الدين عنده طقوساً تمارس في الزوايا المظلمة، بل كان ثورة على الظلم ورفضاً للخضوع، ومن هذا المنطلق تجلت قيادته السياسية التي آمنا بها والتففنا حولها والتزمنا بها في تجمع العلماء المسلمين في لبنان، نحن في لبنان لا نقرأ الإمام الخامنئي من بطون الكتب فحسب، بل نقرأه في تضاريس الجنوب والبقاع والضاحية، وفي قرى الجنوب والبقاع الغربي التي تحررت عام 2000، لقد كان دعمه المطلق تخطيطاً وتسليحاً واحتضاناً هو الركن الأساس في صناعة ذلك النصر المؤزر الذي كسر اسطورة الجيش الذي لا يقهر. وحين نوجه البوصلة نحو فلسطين نجد جوهر هذا القائد، لقد دعم الإمام الخامنئي رحمه الله تعالى الشعب الفلسطيني وفصائل مقاومته دعماً مطلقاً، لم يسأل يوماً عن مذهبهم ولم يفرق بين سني أو شيعي، بل كان المقياس الوحيد لديه هو من يقف في وجه الصهيونية، فهو منا ونحن منه.
لقد دفعت الجمهورية الإسلامية الايرانية أثماناً باهظة، وحوصرت وعوديت وشويطنت، لأنها ببساطة رفضت المساومة على مسرى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، هذا هو الصدق الذي نبحث عنه في زمن التخاذل، وهذا هو التطبيق العملي لقول نبينا الأكرم، “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه”.
أيها الإخوة العلماء، إذا كان من شيء يجب ان نستحضره اليوم بكل محبة ولين، فهو مشروع الوحدة الإسلامية الذي أفنى الإمام الراحل عمره في تشييد بنيانه، لم تكن الوحدة لديه شعاراً للمناسبات، بل كانت عقيدة ونهجاً، لقد حارب مشاريع التفرقة والفتنة، وكان ينظر إلى تجمع العلماء المسلمين في لبنان كنموذج ريادي يُحتذى به، كان يؤمن بدورنا ويدعم ثباتنا في وجه الأعاصير المذهبية التي عصفت بالمنطقة، لقد علمنا الإمام ان المذاهب هي اجتهادات في فهم الدين وليست خنادق للاقتتال فيما بيننا، وأن العدو الأوحد لهذه الأمة هو الاستكبار العالمي والصهيونية.
إخوتي العلماء، إننا في لحظة الوداع هذه لا نكتفي بالبكاء بل نجدد العهد والبيعة والنهج، وفي ظل هذه الظروف العصيبة التي يمر بها بلدنا لبنان والمنطقة، وباسم تجمع العلماء المسلمين، وبناءً على الرؤية السياسية الثاقبة التي أرساها الامام الراحل، نعلن موقفنا الصارم والواضح، إننا نرفض رفضاً قاطعاً مسار واشنطن التفاوضي الذي يُراد فرضه بين الدولة اللبنانية والكيان الصهيوني، إن واشنطن ليست وسيطاً أبداً بريئاً وعادلاً، بل هي شريك كامل في سفك دمائنا، وما تحاول تمريره في أروقة السياسة هو التفاف خبيث لتحقيق ما عجز عنه العدو في ميدان القتال أمام شبابنا من المقاومة الإسلامية، إن بوصلتنا السياسية المستندة إلى فقه المقاومة التي أسسها الإمام الخميني ومن بعده الإمام الخامنئي، واليوم يسير على نهجها ودربها الإمام مجتبى الخامنئي وموازين القوة، نتمسك بمسار جنيف باسم تجمع العلماء المسلمين، نتمسك بمسار جنيف بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة، ذلك المسار الذي فُرض بصلابة، فرض بصلابة المحور، لا بالتهاون ولا بالتراخي ولا بالذل، ولكن من خلال صلابة كل المحور من فلسطين إلى بيروت إلى بغداد إلى صنعاء إلى طهران (الجمهورية الإسلامية، الإمام الخامنئي) والذي هو الذي وضع شروطاً لا حياد عنها، أولاً الوقف الفوري والكامل والحرب على لبنان، ثانياً الانسحاب الشامل لجيش الاحتلال الإسرائيلي من كل شبر من أراضي لبنان، ثالثاً استعادة كافة الأسرى دون قيد او شرط، رابعاً البدء الفوري بورشة إعادة البناء والإعمار.
هكذا تكون الحقوق وتُؤخذ بالقوة التي فرضتها الجمهورية الإسلامية بثباتها وشهودها وقوتها ودينها وعقيدتها الجهادية، وبدبلوماسيتها الملتزمة بقرار الإمام السيد مجتبى الخامنئي حفظه الله، موقفنا الشرعي والوطني واضح لا لبس فيه، “لا تفاوض تحت النار، ولا تنازل عن حبة تراب من أرضنا، ولا تراجع عن سيادة لبنان”، فسيادة لبنان يصنعها هؤلاء المجاهدون على الحدود وليس من يزحفون على بطونهم من القصر الجمهوري إلى واشنطن، هذا هو عهدنا وهذه هي ثوابتنا التي لا تلين.
وفي الختام إن العظماء لا يموتون بل يرحلون، لتثمر دماؤهم ومواقفهم ألف انتصار، إن الراية التي رفعها الإمام الخميني (قدس الله سره الشريف) وحملها بقوة وأمانة الإمام السيد علي الخامنئي (رضوان الله عليه)، وسار على نهجها الإمام السيد مجتبى الخامنئي، ويوم استشهاد سيدنا الأقدس السيد حسن نصر الله (قدس الله سره) وصفيه السيد هاشم صفي الدين رحمهم الله تعالى، سارا تحت هذه الراية وهذا النهج، هذه الراية لن تسقط ابداً، إننا في تجمع العلماء المسلمين سنة وشيعة، نؤكد استمرارنا في هذا النهج المقاوم الأصيل، ونعلن وقوفنا الثابت خلف خليفة هذا الخط وحامل هذه الأمانة الإمام القائد السيد مجتبى الخامنئي (حفظه الله تعالى وسدد خطاه)، سنمضي معه وتحت قيادته مستلهمين من مسيرة والده العظيم كل معاني الثبات والعنفوان حتى تحقيق كامل الأهداف التي وضعت وحتى نصلي جميعاً، كما وعدنا الإمام الراحل قدس الله سره في القدس الشريف، رحم الله إمامنا وقائدنا وأسكنه فسيح جناته مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحَسُن أولئك رفيقا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

