أول الكلام

في الجرحِ وقتٌ للنَّزيفْ

بقلم غسان عبد الله

أقلِّبُ أوراقي‏.. أيدٍ تكتبُ بأظافرِها..‏ أقلامٌ‏ تصبحُ أعوادَ ثقابٍ‏.. أوراقٌ بيضٌ تهربُ من مالئِها‏.. دقّات‏ تتسابَقُ كي تمسكَ رأسَ الرُّعْبِ‏.. نزيفٌ‏ يرنو للمبضعِ مبتسماً.. أقلِّبُ أوراقي ‏وأراني المقتولْ‏.. أحلفُ بالرّوحِ‏ بأنَّ القاتلَ‏ ما كانَ المسؤولْ!!‏.. أتركُ في باحةِ الصمتِ تمتماتي المكبوتةَ دهراً.. أداري الأصحاب من وجع الارتياب.. وأدرأُ الارتيابَ في حضرة الأوجاعِ ولا يتركني الأصحاب..

أتركُ روحَيَ على هودجِ الأحلام المزعومةِ فتُدرِكُني الكوابيسُ.. أقلِّبُ كفَّي حسرةً على ما فاتني من أُنس الحياةِ فلا يرثيني سوى قلبي المتلاشي خلف نبضٍ كليلٍ يذوي في غيهب الغيبِ خلفَ جحافل الأحزان.. يتلفَّت الأصحابُ:‏ مَنْ منَّا رَحَلْ؟‏ مَنْ قد توفّاه الوجَلْ؟‏.. أو من قَرَأْ‏ باسمِ الذي جعلَ السَّوادَ بنبضه‏ كحلاً تداريه المقلْ؟‏.. أو من كَتَبْ بعضاً من اللّهب.. النزيفَ أو انتَحَبْ‏.. فوق الفضاءِ الرَّحبِ في ورقٍ يطالبُ بالسّكوتْ؟‏ مَنْ بيننا..‏ مِنْ بعد هذا الموت‏ يمكن أن يموتَ؟‏ كما يموتُ الصّامتونْ؟‏.

للصمت نَزْعٌ قبل بدءِ العاصفَةْ‏ وترابُها رئةٌ تقاسَمَها الدّخانْ..‏ – ارشُفْ رحيقَكَ من رماد المنفضَةْ‏.. في الروح أعقابٌ تطالبُ بانتظارٍ مرغمٍ‏ يرنو إلى الوقت المكبّل بالمزيدِ‏.. فمن يريدْ؟‏ – أنا لا أريدْ‏ لكنَّني‏ ملقىً على أرضٍ تستفيقُ على صديدْ.‏

قد تَهَبُ المسافةَ دمعةً‏ تغدو حنيناً مفعماً.. تغدو صلاةً.. نيزكاً.. بحراً يضمّ نوارسَ الحلم القديمِ‏ فلا تخفْ..‏ في الجرحِ وقتٌ للنَّزيفْ‏ يا صحبُ.. مَنْ منَّا اختبأ‏ في الجرحِ مختالاً بأنّ الروح‏ لا تخشى الصَّدأْ؟‏ أدري بأنَّكَ صرتَ تشكو‏.. لا بيتَ ولا أولادَ ولا رفاقَ ولا رغيفَ ولا كتابَ‏ ولا قلمْ‏.. فالصّمت محبرة العَدَمْ‏.. وقتٌ سَأَمْ‏.. ألمٌ يغلّفه النّعاسُ فلا يفيقُ‏ ولا يبوحُ ولا ينوحُ ولا يصيحُ‏.. ولا يولِّد فيكَ غيرَ العجز عن وجع التَّورّطِ‏ في انفلات الأسئلَةْ‏.. والوقتُ أجداثٌ يعرّيها السَّواد المرُّ‏ في الفنجان تقرأه امرأة‏ شعثاءُ..‏ تزعمُ أنَّها تدري بما يجري‏ فتغفو واقفاً‏ وتسدّ أجفانَ العيونِ‏ تصمّ أذنَكَ عن سواها‏.. قد تراوغُ كربةَ الأزماتِ‏.. قد تزدانُ بالتَّصديقِ‏.. تفعمُ حلمَ يقظتك المريرةِ‏.. لا مجيءَ سوى المحالِ‏.. ولا محالَ سوى انتظاركَ للوعودْ‏.. خَدرٌ بأعضاءِ الهواءِ المستقرّ على رئات الاكتئابْ‏.. والوقتُ بابْ‏.. ترنو إليه مداعباً‏ تحكي له عن نورسٍ في الأفق‏ عن نخلٍ سوى نخل الجنوب‏.. وعنْ سماءٍ غيرِ أرضكَ‏.. عن رغيفٍ غيرِ خبزِ الوقتِ‏.. قد يبدو خرافَةْ‏.

وترى الرّتاجَ موارباً‏.. يغريكَ أنْ تمضي‏ وقد يدعوكَ أن تحكي قليلاً‏ أو كثيراً‏ عن جراحٍ لاذعاتٍ‏.. عن حياةٍ من جناحاتٍ يبلّلها الأرقْ..‏ عن جنّة ليستْ هناكْ‏ لكنَّها – في أفقكَ العطشان – قد تبدو هناكْ‏.. في السرّ تضحكُ من سذاجةِ بابكَ المزعومِ‏.. لن تَدَعَ المسافةَ تنفلتْ‏ فتلمّ شيئاً من بقاياك القليلةِ:‏ صورةً لحبيبةٍ هجَرَتْ‏.. وريقاتٍ صغاراً كنتَ فيها شاعراً‏.. ورقَ الجدِّ المرحومِ‏.. آخرَ ما اشتراهُ جارُكَ قبلَ رحيلِه الدَّامي إلى المنفى‏.. دعاءَ الوالدَةْ..‏

تتعمَّد السَّيرَ الوئيدَ بشارعِ الحيِّ القديمِ‏.. حيثُ نشأتُكَ الأولى.. وحيثُ أولادُكَ يكبرون.. لعلَّ طيناً يستقرّ على الحذاء إلى الأبدْ‏ فتمرّغُ النَّبضاتِ فيهِ إذا نزّ فيها الحنينْ‏.. ‏أسفي عليكْ‏.. فالبابُ ليس موارباً‏.. قد أحكموا فيه الرّتاجْ‏ وتقاسموا المزلاجَ‏ كلٌّ صَوْبَ ناحيةٍ يصولْ‏.. الصَّمتُ من ذهبٍ‏.. فمن منَّا‏ تورَّط ذاتَ يومٍ أن يقولْ؟‏ قل ما تشاءْ‏.. كن حاذقاً لتحرّفَ الأسماءَ‏ تحريفاً بسيطاً‏ لا يهدّد بالفناءْ‏.. يتساءلون ومن نوى منَّا السّكوتَ‏ فحلَّ ضيفاً – دون أن يدري لماذا -‏ في مضيفٍ داكنٍ يكتظّ بالنَّفَسِ البطيءِ‏ على شفاه القائلينْ‏.. لا لست آخرَهُمْ‏.. ولست الأوَّلَ المنفيَّ في جرحِ الغيابْ‏.. بما يسمّيه الحنينُ‏ نوازعَ الفرحِ القديمْ.. الأمسياتُ وئيدةٌ‏ والزَّيتُ في الفانوس منتحبُ النَّشيجْ‏ وسماجةُ المذياع حشرجةٌ‏ تشاكسُ رهْفَةَ الأذنِ اللَّصيقة بالجدارْ‏.. الوقتُ يقرأُ ما تيسَّر من غبار العاصفَةْ‏ وصراخُ أفئدةٍ يمزّق وحشةَ العين الَّتي‏ نسيتْ تواشيحَ الهطولْ‏.. مدَدٌ يطولْ‏.. وسكينةُ الإسفلتِ فتَّتها الفضولْ‏.. والأرضُ مُشْرِعَةٌ شبابيكَ التّرقّبِ‏ للفصولْ.. هيَ هُزْأَةُ الأشياءِ‏.. مَن منَّا هداه القلبُ – من خجلٍ -‏ لأن ينسى نضوجَ الزَّيتِ‏ من كبدِ السَّماءْ؟‏ هي صُفرَةٌ زرقاءُ تعتمرُ الوجوهَ‏ وأسودٌ لونُ الإزارِ‏ وأحمرٌ لونُ النّضوج على مخدَّات التُّرابِ‏.. ونيزكٌ من كلِّ ألوانِ التَّوهّجِ‏ قد غدا شمساً بجوفِ اللَّيلِ‏ يصرخُ: لا بقاءْ…‏ يتلفَّتُ الأصحابُ‏.. مَنْ مِنَّا احتَمَلَ في اللَّيل أن يغدو لصيقَ فجيعةٍ‏ ويفيقَ عند الصّبح دونَ توجّعٍ‏ صافي المُقَلْ؟‏.. لكَ أنْ تموتَ كما يموتُ الميّتونْ‏ احفرْ بكفِّكَ نعشَكَ الغبشيَّ‏.. لا تسألْ عن التَّاريخِ‏.. ((ولتكتُبْ وصيَّتكَ الأخيرَةَ))‏.. لا تقُلْ كفني هناكْ‏..

امسَحْ حروفَ رخامةِ الماضي‏ عن الأجلِ المُمِضّ‏.. ولا تُنادِ على الجميلةِ‏ أن تكونَ رفيقةَ الرّوح الأخيرةَ‏ لا تسَلْ عن قبرِ جدِّكَ‏.. كي تنامَ مع الجدودْ‏ يا صحبُ قولوا:‏ لا مجيءَ سوى الغيابِ‏.. ولا غيابَ سوى مجيءِ الذِّكرياتِ‏ على فِراشٍ من ضبابِ الأمنياتِ‏.. هو المماتُ‏ رداؤُنا اليوميُّ‏.. لحنُ فراغنا‏.. صوتُ التَّخطِّي في تكسُّرِنا‏.. انتباهةُ أضلعِ التّابوتِ للنَّفَسِ الأخيرِ‏.. ولاحتضانِ المتعبينْ.. ‏يتساءَلُ الأصحابُ‏: مَنْ منّا‏ سيلغي‏ كلَّ أوراقِ التَّوجُّعِ‏ إذْ يعيشُ بلا حنينْ‏.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *