هامش ثقافي

الفكر الصهيوني وثقافة نبذ الآخر

بقلم غسان عبد الله

إن الثقافة في واقعها (تؤنسن)، وهذا هو دورها الذي نعرفه، وهي التي وحدها تقوم به، فهي جلدٌ للإنسان وهواؤُه والضوءُ الذي في عينيه، لا تعلَّم، إنها تربية، أي أصالة وانتماء، وتنشئة على خيارات، وعيش لهوية وحرية. غير إن الظروف الحياتية عند بعض البشر حَولت الثقافة عن مسارها الصحيح، من أجل تحقيق أهداف سياسية، وهي أهداف تأتي في إطار نظرية المؤامرة، ما أدى إلى ظهور ما يسمى: (بثقافة الإرهاب أو الانتقام)، وغير ذلك من الأسماء التي هي في ظاهرها تمثل حقاً، وفي باطنها مؤامرة على الغير.

وقفتُ على أمور تأكدتُ خلالها أن ثقافتنا في هذا العصر قد تحوّلت في بعض جزئياتها إلى ثقافة (انتقامية)، تبثُّ خلالها الضغائنَ والأحقادَ وتنشرُ سبلَ الكراهيةِ والفرقة.. وإلى غير ذلك من الأمور التي لن تخفى على كلِّ من يحمل عقلاً ويقف على وسائل التواصل الحديثة، خصوصاً في تويتر – سابقاً – منصة (X).

إن من وراء ذلك أناساً يتخفون وراء الكواليس، وبأسماء وهمية، وبشخصيات غير حقيقية. إن من أهم من يقف وراء هذه الأمور شخصيات تحاول بث السموم بين الناس لتضرب بعضهم بعضاً، فتنشأ الفرقة وتتحقق الأهداف الخفية.

لقد سبق هذا الأمر ما قرأناه في الروايات والقصص اليهودية، حيث وقفوا – وهم شعب يقرأ – على آداب الأمم ومن ضمنها الأدب العربي، حيث وجدوا في الأدب الشعوبي بغيتهم، فأخذوا ما فيه من بذيء القول وقميئه، ونسبوه لأنفسهم في رواياتهم، وأطلقوه على العربي، حيث وصفوه بأقذع الأوصاف: فعيشهم مذموم، ومسكنهم حقير، وطعامهم تعافه النفس، أهل سذاجة، لا يميزون الخبيث من الطيب. ولأن القصة – خصوصاً القصيرة – من أكثر الأشكال الأدبية لفتاً للانتباه، فهي والرواية أكثر التصاقــاً بمشاكل الناس وهمومهم؛ فإن المفكر اليهودي ومنه (كاتب القصة والرواية) قد تمادى في تشوية صورة العربي، بما في ذلك الفلسطيني، وتحقيرها، فهو محتقر ومزدرى، لديه تراث عميق من شهادة التزوير، وتراث أعرق من القتل والإجرام. يقول الكاتب ج.كويهين: إن العربي مخلوق غريب، يرتدي جلباباً ممزقاً، وغطاء قذراً للرأس، تلتف زوجه بثوب ويسير أطفاله حفاة، إنه ليس قذراً فحسب، بل هو أيضاً لص وكذوب وكسول وعدواني، هو من عرب قذرين. وقال يهوديٌّ آخر: إن العرب غير جديرين بملكية الأرض ولا بزراعتها، ويقول عن الشخص الفلسطيني أنه شخص دميم صغير، روحه شريرة مليئة بالغيرة والكراهية، انفعالاته العاطفية مبتذلة، يلهث وراء النقود، لا يمكن أن يكون محل ثقة، ولا يصون كلمته أبداً.

لقد تمادى الكتّاب اليهود في إطلاق الكلمات البذيئة على الشخصية الفلسطينية بلا حدود ولا قيود، غير مبالين، هادفين لغرس الصور البذيئة في ذهن من يقرأ. وهكذا يزرعون الصور في العقول لتتحول مع مرور الأيام إلى كراهية وحقد دفين، ومن ثم تتساوى الكلمة مع قذيفة المدفع لتنفيذ ما يراه المجتمع اليهودي، وهم قوم غضب الله عليهم ولعنهم لا يعيشون إلّا على بعث هذه الأحقاد، عبر الكلمة، معتمدين في ذلك على ذكرياتهم، تلك التي عاشت وتعيش في كنف الآخر.

إن ثقافة نبذ الآخر راسخة منذ القدم في الفكر الصهيوني، فالصورة العميقة للفلسطينيين في نظر المستوطنين: أنهم كالكائنات الغريبة، يجب ألا تكون أصلاً، أما صورة فلسطين فهي أرض قاحلة لا سكان فيها سوى مجموعة أشخاص من البدائيين.

إن هذا الواقع قد جعل بعض الكتّاب الفلسطينيين يحوِّلون أدبهم إلى أدبِ مواجهة، ولكنه في بعض جزئياته يحمل الألفاظ والألقاب نفسها، على أن الغالب التزام الحديث عن الذات والمفارقة بين اليهود والعرب.

قال نزار قباني: “لا يمكن للكاتب أن يهرب من ريحة البشر، ومن مصافحة البشر، ومن أكل خبز البشر ومن النوم في سرير واحد مع أحزان البشر. إنه في الخطوط الأمامية إذا كان كاتباً حقيقياً“.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *