بعيداً عن سلام
بقلم غسان عبد الله
سلامُ.. تُرَتّبُ ليلَ غرِّتها لمِشطِ أناملي وأنا أُعِدُّ من المسَايا.. ما أراه مناسباً لتنامَ ذاكرتي بلا ثَقبٍ وأنسى.. سلامُ.. تغنّي للزنابق عِطْرَ أشعاري.. تهدهدُ خوفَها برسائلي وأنا تعاقرُني المنافي لُجَّةَ الخيماتِ.. لا مشكاةَ أفتتحُ الزَّوارقَ باسمها ليلوحَ في الآفاق مرسى.. وكأن ليلَ البعدِ يعبُرها نجوماً، أن يطويني على شوكٍ وما أخفيهِ أقسى.
أيا سلام الحبيبة.. لم أَعُدْ طفلاً لتقطفَني الأراجيحُ السعيدةُ منكِ.. لكنّي على ورق الغيابِ أُسرّبُ الأشواقَ كي أنجو من الغرقِ القريبْ.. متورطٌ بهواكِ.. أشهدُ أن بحرَ العمر يخذلني، وأن مرافئَ الآمالِ ترشَحُ من شقوق يديَّ ذَرَّاتٍ على ثوبي الغريبْ.. وأنا أحبُّكِ.. ملء القلب وملء الروح… متورطٌ بهواكِ، دلّيني على أوتارِ عطركِ كي تطيّرَ رعشتي منها عصافيرَ القصيدةِ، علّميني كيف أغرق واقفاً، ليضمَّ صدري من هوائك خصلةً ويبلِّلَ الماءُ المعطَّرُ من سناكِ سنابلي الظَّمأى، ويُنبِتَنِي الثّرى..
لم أنتبهْ أنّي بِلا جسدٍ أَسيرُ إليكِ، لا عيني تفسّرُ أحجياتِ تعثّري، ساقاي خانت قامتي فهوَيتُ، هل ظلّي سيسنُدني أم الغيماتُ تسكبُ كفّها تحتي لئلاّ يدَّعي الطِّينُ احتضانيَ.. لا أَرَى في النهرِ حداءَ الأُمومةِ.. لا أَرى نخلاً تسامَقَ فوق أكتاف الفلاة.. فكيف تنتظر المحطةُ من حقائبيَ الفقيرةِ أن تغرَّدَ بالهدايا؟..
كلّ ما في اللَّيلِ يدعوني لأبكي، إنَّما عيناك تختطفانِ وحدهما وقارَ الصَّمتِ من جفني وتنتزعان من نجوى بكائيَ عزّةَ الدّمعاتِ، أعرف أنَّ دمعيَ ليس يشبهني تماماً كي أرافقَه على خديَّ، أعرف أن قلبيَ لا يمارسُ صوتَه مثلي ولا يسقي كما كان اعتياديَّاً شراييني، تخطَّى شكلَه الأزليَّ.. خَلّفَ من صدى خفقاته ضحكة جنى فأضاءَ حين سقطّتُ في بئر الضبابْ
من أين أفتتحُ الطريقَ إليكِ أَيَّتُها الحبيبةُ والرهيفةُ مثل ظلِّي؟ كيف أبتكرُ الوصولَ إليكِ من لا شيء يعصفُ في رؤاي؟ أحبُّكِ… وأصرخُ ملءَ الكونِ… ولا أصلُ إلى سقف صوتي.. كلُّ البلاد تقودني لجنازةٍ أهتزُّ فوق حيائها لدقائقَ من ثم تحتفل البلادُ.. فأين أمضي من سقوطيَ كيف تدركني يداي؟.. وأنا على جسرٍ من الدمعاتِ أَكنزُ في خطايَ ملامحَ الأرض الصَّبيةِ آهٍ كم جرَّحتُ جفنَ الدَّرب بالخطواتِ.. كم فرّقتُ عشّاقاً بكفيَ من غصون البرتقالْ!.. الآن أدركُ كم يعذِّبُ عاشقٌ أزهارَ موعدهِ فيقطفها لتختصرَ الكلامْ.. الآن أدركُ كيف تنزِفُ دمعَها عطراً على وطنٍ نرى الأشواكَ بعداً أوحداً لفضائِهِ.. والشَّمسُ إِذْ تدني جدائلَ وهجها.. تَنْشَقُّ ذاكرةُ الأماني وردةً للظّلِّ.. كَمْ نَشْتَقُّ من ضدٍّ يؤرّخُنَا حزَانَى ضدُّهُ الأحلى على بوَّابةِ الصدُّفِ العجيبةِ مثلما تنوي السَّحابةُ أن تخبّئَ سرَّهَا في قريةٍ أَنِسَتْ أَيَائلَ صدرِهَا حتّى إذا تَعِبَتْ من الكتمانِ تنزِفُ بوحَهَا في أيِّ منديلٍ يعطره التُّرابْ.
سلامُ الحبيبةُ التي ارتحَلتْ.. إِنَّ هذا الوقتَ يرجُمني على حبّي وإِنّيَ إذ أحبُّ أُحبُّ أن أتسلّقَ الغيمَ.. المدَى. وأُحِبُّ أن تأتي الشُّموسُ لتقتَدي بضياءِ عينيَ آن يغسلَها النَّدى. وَأُحِبُّ أن تُردي المسافةَ بين قِبلتِنا القديمةِ وانتظاريَ غيمةٌ تَنْفَضُّ هالتُها فيشتعل البُراقْ.. بدمي اتَّكأتُ على هتافِ النَّخلِ يرسم شرفةَ لعناقَنا.. لو تسمعينَ دمي وتكتحلين من أنّاتِهِ لا لَونَ يبدو واضحاً في طيفهِ إلاَّ الجنائزُ، والمدى زنزانةٌ للباب فيها طعمُ بئرٍ لا يورِّثنا القُرى.. حتّى النوافذُ قامرت بزجاجِ معطفها لِتُسكِنَ في ارتجافيَ طَلقةَ البردِ/الرَّدَى.. لن تسمعي صوتي فما للبائسين حمائمُ تحنو على إنشادهم والرّيحُ متعبةٌ وحافيةٌ على جمر الخرائطِ لن تسافرَ بالصَّدى لا ليسَ سرَّاً لم يَعُدْ في الأَرْضِ مُتّسَعٌ لِتَزْرَعَنَا المواعيدُ الجميلةُ عَاشِقِيْنَ عَلَى ضِفَافِ الياسمينْ.. بيني وبينَكِ أَحزنُ القَصَصِ الَّتِي أوحى بها المنفى على مرِّ السِّنينْ.. بيني وبينك إخوةُ البئرِ.. السَّكَاكينُ الَّتي قَطَعَتْ حبالَ الظَّهرِ.. لم تجرحْ خيوطَ القهرِ والـْ.. ما لا يُقالْ.. كَمْ قلتِ لا تقصصْ على الطُّوفانِ رؤياكَ.. احترستُ من انفلاتِ الماءِ فَانْسَرَبَتْ إِلَى قمصانِ بيدرِنا الحرائقُ ليس سرَّاً.. لم يعدْ في اللَّيل متَّسعٌ لأحلامٍ نلوِّنُها كما نهوى فنبصرُنَا.. ونكتشفُ السنابلَ في أصابعنا وأشلاءَ الجهاتْ.. حتَّى فصولُ الحلمِ ضاقت عن مصابيحٍ تُبَعْثِرُ وَحْشَةَ الطُّرقاتِ.. إذ تنأى بقلبيَ عن ظلالكِ فاحلُمي عنّي قليلاً إنما لا تسدلي جفنيكِ ما لم يسرقِ الإغفاءُ صحويَ من جيوب اللَّيلِ ووجيبِ الصلاةْ.. إنّ البردَ لم يخلعْ عباءَتَهُ عن المنفى وهذا الساكنُ الفتَّانُ يرميني بخوفيَ فاغمريني كي أنامْ.. أو.. فاذرفي من همسِ هواكِ على الروحِ صدى التمتماتْ.
