أول الكلام

بعيداً عن سلام

بقلم غسان عبد الله

أيا سلام الحبيبة.. لم أَعُدْ طفلاً لتقطفَني الأراجيحُ السعيدةُ منكِ‏.. لكنّي على ورق الغيابِ‏ أُسرّبُ الأشواقَ كي أنجو‏ من الغرقِ القريبْ‏.. متورطٌ بهواكِ..‏ أشهدُ أن بحرَ العمر يخذلني،‏ وأن مرافئَ الآمالِ‏ ترشَحُ من شقوق يديَّ ذَرَّاتٍ‏ على ثوبي الغريبْ.‏. وأنا أحبُّكِ.. ملء القلب وملء الروح… متورطٌ بهواكِ،‏ دلّيني على أوتارِ عطركِ‏ كي تطيّرَ رعشتي‏ منها عصافيرَ القصيدةِ،‏ علّميني‏ كيف أغرق واقفاً،‏ ليضمَّ صدري من هوائك خصلةً‏ ويبلِّلَ الماءُ المعطَّرُ من سناكِ‏ سنابلي الظَّمأى،‏ ويُنبِتَنِي الثّرى..

لم أنتبهْ‏ أنّي بِلا جسدٍ أَسيرُ إليكِ،‏ لا عيني تفسّرُ أحجياتِ تعثّري،‏ ساقاي خانت قامتي‏ فهوَيتُ،‏ هل ظلّي سيسنُدني‏ أم الغيماتُ تسكبُ كفّها تحتي‏ لئلاّ يدَّعي الطِّينُ احتضانيَ..‏ لا أَرَى‏ في النهرِ حداءَ الأُمومةِ‏.. لا أَرى‏ نخلاً تسامَقَ فوق أكتاف الفلاة.. فكيف تنتظر المحطةُ‏ من حقائبيَ الفقيرةِ‏ أن تغرَّدَ بالهدايا؟‏..

كلّ ما في اللَّيلِ يدعوني لأبكي،‏ إنَّما‏ عيناك تختطفانِ وحدهما‏ وقارَ الصَّمتِ من جفني‏ وتنتزعان من نجوى بكائيَ‏ عزّةَ الدّمعاتِ،‏ أعرف أنَّ دمعيَ‏ ليس يشبهني تماماً‏ كي أرافقَه على خديَّ،‏ أعرف أن قلبيَ‏ لا يمارسُ صوتَه مثلي‏ ولا يسقي كما كان اعتياديَّاً‏ شراييني،‏ تخطَّى شكلَه الأزليَّ.. خَلّفَ من صدى خفقاته ضحكة جنى فأضاءَ حين سقطّتُ في بئر الضبابْ‏

من أين أفتتحُ الطريقَ إليكِ‏ أَيَّتُها الحبيبةُ‏ والرهيفةُ مثل ظلِّي؟‏ كيف أبتكرُ الوصولَ إليكِ‏ من لا شيء يعصفُ في رؤاي؟‏ أحبُّكِ… وأصرخُ ملءَ الكونِ… ولا أصلُ إلى سقف صوتي.. كلُّ البلاد تقودني لجنازةٍ‏ أهتزُّ فوق حيائها لدقائقَ‏ من ثم تحتفل البلادُ‏.. فأين أمضي من سقوطيَ‏ كيف تدركني يداي؟.. وأنا على جسرٍ من الدمعاتِ‏ أَكنزُ في خطايَ‏ ملامحَ الأرض الصَّبيةِ‏ آهٍ كم جرَّحتُ جفنَ الدَّرب بالخطواتِ‏.. كم فرّقتُ عشّاقاً بكفيَ‏ من غصون البرتقالْ!‏.. الآن أدركُ كم يعذِّبُ عاشقٌ‏ أزهارَ موعدهِ‏ فيقطفها لتختصرَ الكلامْ‏.. الآن أدركُ‏ كيف تنزِفُ دمعَها عطراً‏ على وطنٍ‏ نرى الأشواكَ بعداً أوحداً لفضائِهِ‏.. والشَّمسُ إِذْ تدني جدائلَ وهجها..‏ تَنْشَقُّ ذاكرةُ الأماني‏ وردةً للظّلِّ‏.. كَمْ نَشْتَقُّ من ضدٍّ يؤرّخُنَا حزَانَى‏ ضدُّهُ الأحلى‏ على بوَّابةِ الصدُّفِ العجيبةِ‏ مثلما تنوي السَّحابةُ أن تخبّئَ سرَّهَا‏ في قريةٍ أَنِسَتْ أَيَائلَ صدرِهَا‏ حتّى إذا تَعِبَتْ من الكتمانِ‏ تنزِفُ بوحَهَا‏ في أيِّ منديلٍ يعطره التُّرابْ‏.

سلامُ الحبيبةُ التي ارتحَلتْ‏.. إِنَّ هذا الوقتَ يرجُمني‏ على حبّي‏ وإِنّيَ إذ أحبُّ‏ أُحبُّ أن أتسلّقَ الغيمَ..‏ المدَى.‏ وأُحِبُّ أن تأتي الشُّموسُ لتقتَدي‏ بضياءِ عينيَ‏ آن يغسلَها النَّدى. وَأُحِبُّ أن تُردي المسافةَ‏ بين قِبلتِنا القديمةِ‏ وانتظاريَ‏ غيمةٌ‏ تَنْفَضُّ هالتُها فيشتعل البُراقْ‏.. بدمي اتَّكأتُ على هتافِ النَّخلِ‏ يرسم شرفةَ لعناقَنا..‏ لو تسمعينَ دمي‏ وتكتحلين من أنّاتِهِ‏ لا لَونَ يبدو واضحاً في طيفهِ‏ إلاَّ الجنائزُ،‏ والمدى زنزانةٌ‏ للباب فيها طعمُ بئرٍ‏ لا يورِّثنا القُرى‏.. حتّى النوافذُ قامرت بزجاجِ معطفها‏ لِتُسكِنَ في ارتجافيَ‏ طَلقةَ البردِ/الرَّدَى..‏ لن تسمعي صوتي فما للبائسين حمائمُ‏ تحنو على إنشادهم‏ والرّيحُ متعبةٌ‏ وحافيةٌ على جمر الخرائطِ‏ لن تسافرَ بالصَّدى‏ لا ليسَ سرَّاً‏ لم يَعُدْ في الأَرْضِ مُتّسَعٌ‏ لِتَزْرَعَنَا المواعيدُ الجميلةُ‏ عَاشِقِيْنَ عَلَى ضِفَافِ الياسمينْ‏.. بيني وبينَكِ أَحزنُ القَصَصِ الَّتِي‏ أوحى بها المنفى على مرِّ السِّنينْ‏.. بيني وبينك إخوةُ البئرِ‏.. السَّكَاكينُ الَّتي قَطَعَتْ حبالَ الظَّهرِ‏.. لم تجرحْ خيوطَ القهرِ‏ والـْ.. ما لا يُقالْ‏.. كَمْ قلتِ لا تقصصْ على الطُّوفانِ رؤياكَ‏.. احترستُ من انفلاتِ الماءِ‏ فَانْسَرَبَتْ إِلَى‏ قمصانِ بيدرِنا الحرائقُ‏ ليس سرَّاً‏.. لم يعدْ في اللَّيل متَّسعٌ‏ لأحلامٍ نلوِّنُها كما نهوى‏ فنبصرُنَا‏.. ونكتشفُ السنابلَ في أصابعنا‏ وأشلاءَ الجهاتْ‏.. حتَّى فصولُ الحلمِ ضاقت‏ عن مصابيحٍ تُبَعْثِرُ وَحْشَةَ الطُّرقاتِ‏.. إذ تنأى بقلبيَ عن ظلالكِ‏ فاحلُمي عنّي قليلاً‏ إنما لا تسدلي جفنيكِ‏ ما لم يسرقِ الإغفاءُ صحويَ‏ من جيوب اللَّيلِ‏ ووجيبِ الصلاةْ.. إنّ البردَ لم يخلعْ عباءَتَهُ عن المنفى‏ وهذا الساكنُ الفتَّانُ‏ يرميني بخوفيَ‏ فاغمريني كي أنامْ‏.. أو.. فاذرفي من همسِ هواكِ على الروحِ صدى التمتماتْ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *