لماذا أعاد الاحتلال كتابة “عقيدته الأمنية” بعد انهيارها على صخرة إيران؟
بقلم د. محمد الايوبي
في مشهد يختصر أزمة كيان بأكمله، انعقد مؤتمر هرتسيليا في دورته الـ 22 تحت عنوان: “بين الأمن القومي والمناعة القومية”، لكنه تحول فعلياً إلى جلسة تشخيص علنية لحالة من التيه الاستراتيجي لم تشهدها النخبة “الإسرائيلية” منذ عقود.
فالذي طاف على مسامع الحضور لم يكن خطاباً عن تفوق جوي أو قدرات اختراق، بل اعترافات متتالية بأن آلة الحرب “الإسرائيلية”، رغم امتلاكها أحدث طائرات العالم ومنظومات دفاع لا تضاهى، قد فشلت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية في الحرب على إيران.
والأكثر إيلاماً بالنسبة لهم، أنهم خرجوا ليس بسؤال “كيف ننتصر؟”، بل بسؤال وجودي أكثر إلحاحاً: “كيف نتجنب أن يتحول نصرنا التكتيكي إلى هزيمة وطنية شاملة، وسط مجتمع يتفكك وجبهة داخلية تغلي؟” لم يكن السؤال استفهامًا بلاغيًا، بل اعترافًا علنيًا بأن العقيدة الأمنية التي استندت إليها “إسرائيل” لعقود قد تهشمت على صخرة الواقع الإيراني.
انهيار العقيدة التقليدية.. من “الردع والإنذار” إلى شبح “لا توجد خطة”
لم يعد خافياً على أحد أن العقيدة الأمنية “الإسرائيلية” التي قامت لعقود على ثلاث ركائز هي: “الردع والإنذار المبكر والحسم”، قد تهشمت على صخرة الواقع الإيراني. ففي أقسى نقد وُجه للمغامرة العسكرية، وضع البروفيسور بوعز غانور الإصبع على الجرح معترفاً بأن “إسرائيل وأمريكا حققتا نصراً تكتيكياً في الحملة الأخيرة، لكنهما خسرتا استراتيجياً”؛ فالنظام الإيراني لم ينهر، والبرنامج النووي لم يُقضَ عليه، والصواريخ الباليستية أُعيد بناؤها بسرعة. إنه إقرار بأن الردع لم يمنع طهران من المضي قدماً، وأن الإنذار المبكر فشل في قراءة النوايا، وأن الحسم العسكري لم ينهِ التهديد، بل نقله إلى مرحلة أكثر تعقيداً.
وهنا يتفق رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت مع هذا التشخيص، لكنه يختلف في العلاج، مقترحاً إضافة عنصر خامس هو “المبادرة”. لكن المفارقة المدمرة أن بينيت نفسه، في هجومه على نتنياهو، كشف رقماً سياسياً حساساً يكشف حجم التقصير: إيران، كما قال، “تجاوزت نسب تخصيب 3٪ و20٪ و60٪، بينما لم تبنِ إسرائيل بين عامي 2018 و2021 قدرة كافية أو خطة بديلة”. ويختصر بينيت أزمة النخبة بأكملها بعبارة باتت عنواناً للفشل: “لا توجد خطة”. إنها العبارة التي تفضح أن القوة العسكرية الهائلة لم تعد تعوض غياب التبصر الاستراتيجي، وتجعل الإيرانيين، كما حذر اللواء غلعاد، “يحتاجون فقط إلى الانتظار”.
“إنجازات عسكرية” بلا رؤية سياسية.. معضلة تحويل “النصر إلى مكسب”
لم يتوقف النقد عند حدود الأداء العسكري، بل امتد ليطال “الطابق الاستراتيجي” للكيان بأكمله. ففي مشهد يعكس الإحباط الذي يعم الطبقة الأمنية، صرخ غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الأسبق، معتبراً أن “إسرائيل لا تنجح في استثمار إنجازات الجيش سياسياً، وأن مجلس الأمن القومي ضعيف، والكابينت لا يعرف طرح الأسئلة الصحيحة، وحرب تمتد من دون سعي واضح إلى حالات نهاية”. بل إنه ذهب إلى ما هو أبعد، محذراً من “أن مناطق الأمن في لبنان وسوريا وغزة يجب أن تبقى وسيلة ورافعة، لا أن تتحول إلى احتلال مفتوح لأجيال” – في إشارة واضحة إلى غياب الأفق السياسي الذي يحول الانتصارات الميدانية إلى خرائط نفوذ دائمة.
وهنا يتكامل المشهد مع ما طرحه أفيغدور ليبرمان، الذي أضاف رقماً موازياً ليعلن أن إسرائيل في اليوم 999 منذ السابع من أكتوبر، وأن وضعها الاستراتيجي “لا يمكن أن يكون أسوأ”. فإلى جانب الجبهات المفتوحة ضد إيران وحزب الله وحماس، تأتي الجبهة الداخلية لتشكل خطراً وجودياً لا يقل عن التهديدات الخارجية، في إشارة إلى الانقسامات التي باتت تأكل في نسيج المجتمع “الإسرائيلي”.
الجبهة الداخلية.. العقد المتصدع الذي يهدد المناعة القومية
وهنا تبرز المفارقة الأعظم: ففي الوقت الذي تتحدث فيه النخبة عن مواجهة إيران، تبدو أكثر خوفاً من مجتمعها المتشقق. فقد تحدث الرئيس يتسحاق هرتسوغ عن “لحظة حسم” لا تتعلق بتغيير حكومة، بل بمسار المستقبل المشترك، محذراً من أن مجتمعاً يشعر فيه كل طرف بأنه “أقلية مضطهدة” لا يمكنه الحفاظ على قواعد اللعبة طويلاً. ويربط اللواء غلعاد هذا التصدع بالتهديد الإيراني مباشرة، معتبراً أن استمرار أزمة تجنيد الحريديم وتهربهم من الخدمة العسكرية ينشئ “دولة داخل دولة”، ويضعف قدرة الكيان على تحمل أعباء الحرب الطويلة، مما يجعل الإيرانيين يراهنون على التفكك الداخلي أكثر من راهنهم على قدراتهم الصاروخية.
لقد أدركت المؤسسة الأمنية أن الحرب مع إيران لم تعد فقط مواجهة عسكرية، بل هي اختبار لصلابة النسيج الاجتماعي وقدرته على تحمل التضحيات؛ فالحرب الطويلة تتطلب جنود احتياط، والجنود بحاجة إلى اقتصاد ثابت، والاقتصاد الثابت يحتاج إلى عدالة في توزيع الأعباء، وهذه العدالة تتعارض مع الإعفاءات السياسية التي تمنح للحريديم. وهكذا، فإن المواجهة مع طهران كشفت عن حلقة مفرغة لا يمكن حسمها بالقنابل وحدها.
كارثة الدبلوماسية.. وخارجية متصدعة
لم يغفل المؤتمر البعد الخارجي، لكن ما كشفه زعيم المعارضة يائير لبيد كان أشبه بفضيحة سياسية شاملة، حيث وصف علاقات “إسرائيل” الخارجية بأنها “لم تكن أبداً بهذا السوء”، معتبراً أن “الكارثة” صنعتها الهواية والغطرسة وقراءة الواقع المشوهة. ولم يكتفِ بالعموميات، بل قدّم أرقاماً تفضح حجم التدهور المؤسسي: استبدلت “إسرائيل” 13 مسؤولاً في الخارجية خلال ثلاث سنوات، وتركت منظومة الدعاية الوطنية عامين ونصف دون رئيس، وعيّنت مقربين في مواقع حساسة على حساب المهنية.
إنها اعترافات بأن الدبلوماسية “الإسرائيلية” التي كانت تعتبر خط الدفاع الأول في واشنطن وعواصم الغرب، قد تحولت إلى رهينة للمحسوبية والفوضى، في وقت هي بأمس الحاجة إلى حشد التأييد الدولي لمواجهة العزلة المتصاعدة ونزع الشرعية الذي تطالب به المحافل الدولية.
واشنطن لم تعد الحامي.. تراجع الدعم وكلفة التحالف
لكن الأخطر مما حدث في الداخل، هو ما كشفه النقاش حول الولايات المتحدة، حيث أشار أحد المتحدثين إلى رقم صادم يعكس تحولاً جيو/سياسياً عميقاً: تراجع الدعم لـ “إسرائيل” بين الشباب الجمهوريين في الفئة العمرية 35-50 إلى نحو 50٪، مع ارتفاع التأييد للفلسطينيين في استطلاعات الرأي العامة، مما بدأ يضغط على الكونغرس في ملف المساعدات العسكرية. هذا التحول في الرأي العام الأمريكي يعني أن حجر الزاوية في التحالف الاستراتيجي بدأ يتفتت، وأن “إسرائيل” تواجه أزمة شرعية حتى في عمق حلفائها التقليديين.
وهنا جاء رد المدير العام لوزارة الدفاع، أمير برعام، ليكشف عن وعي مؤلم، حين صرّح بأن إسرائيل تفكر في إيران، بينما تفكر الولايات المتحدة في تايوان، وأنه في عصر “أمريكا أولاً” لم تعد القيم المشتركة كافية؛ فالشراكة تحتاج إلى مصالح باردة، وإلى إسرائيل قوية تستطيع تثبيت المنطقة وتخفيف العبء عن واشنطن. إنه إقرار بأن الكيان الصهيوني لم يعد طفلاً مدللاً في أحضان العم سام، بل أصبح مطالباً بدفع ثمن التحالف عبر تقديم خدمات أمنية ملموسة، وإلا فإن الدعم سيظل يتآكل.
“استراحة عملياتية” أم استنزاف مالي؟
أما على صعيد التكاليف المباشرة، فنقل برعام النقاش إلى أرضية أكثر إلحاحاً، واصفاً المرحلة بأنها مجرد “استراحة عملياتية” وليست نهاية المواجهة. وليس هذا تشاؤماً عابراً، بل تحذير من أن اتفاقات دولية محتملة قد تضخ مئات المليارات في الخزانة الإيرانية، مما يسرّع بناء قوتها مجدداً. ولتعويض هذا الفشل، كشف برعام عن خطة بناء قوة خيالية بقيمة 350 مليار شيكل (نحو 94.6 مليار دولار) تشمل منظومات اعتراض وذخائر هجومية وموارد استخبارية، لاستعادة جاهزية منظومات استنزفت في البر والجو.
لكن السؤال الذي يطرحه هذا الرقم الضخم، ولم يجب عنه المؤتمر، هو: كيف لدولة تعاني من أزمة ثقة داخلية، واقتصاد مثقل بتكاليف الحرب، وعلاقات خارجية في أدنى مستوياتها، أن تتحمل هذه الميزانية الجنونية؟ وإن تمكنت من توفيرها، فهل ستنقذها من مأزقها الاستراتيجي، أم ستزيدها غرقاً في مستنقع السباق التسلحي الذي لا ينتهي؟
إدارة الهزيمة بدلاً من الاعتراف بها
في التحليل الأخير، لم يكن مؤتمر هرتسيليا مجرد منتدى أكاديمي، بل كان مرآة عكست للقادة “الإسرائيليين” صورتهم الحقيقية: كيان يمتلك قبضة حديدية، لكنه يعيش كابوس التفكك. لقد كشفت الحرب على إران أن القوة العسكرية تفقد جزءاً كبيراً من معناها حين تنفصل عن الرؤية السياسية، وعن القانون، وعن الحصانة الداخلية، وعن التحالفات المستقرة.
إن ما حدث في هرتسيليا هو أن “الإسرائيليين” أعلنوا، بطريقة غير مباشرة، أنهم خسروا الحرب على إيران، لكنهم لم يجدوا الشجاعة للاعتراف بذلك علناً. وبدلاً من ذلك، يكتبون عقيدة جديدة تهدف إلى إدارة الهزيمة بدلاً من الاعتراف بها، وإطالة أمد المواجهة بدلاً من البحث عن مخرج، وإنفاق “مليارات الشواكل” لشراء الوقت بدلاً من صناعة المستقبل. وهذا، في التحليل الأخير، هو أخطر ما في الأمر: أن تتحول المؤسسة الأمنية من آلة حرب إلى جهاز بيروقراطي لإدارة الفشل، في وقت يتصدع فيه العقد الاجتماعي وتنهار فيه الثقة بين الدولة ومواطنيها، وتدرك واشنطن أن حليفها القديم قد تحول إلى عبء استراتيجي أكثر منه إلى ركيزة إقليمية.
في النهاية؛ لم يخرج “الإسرائيليون” من ردهات مؤتمر هرتسيليا بشهادة ميلاد لعقيدة نصر جديدة، بل بشهادة وفاة لعقيدة قديمة تهاوت على صخرة طهران. إنهم يدركون في أعماقهم أن حربهم مع إيران قد طويت على هزيمة استراتيجية نكراء، غير أنهم يمارسون خداع الذات بعناد، مفضلين كتابة وصايا لإدارة الانهيار على الاعتراف به، ومصممين على الغرق أعمق في مستنقع المواجهة بدلاً من البحث عن شاطئ نجاة. وفي هذا المزيج المسموم من الهروب من الحقيقة والتشبث بالوهم، يكمن الخطر الوجودي الأكبر، إذ تحول المؤسسة الأمنية إلى دير للرهبان يعكفون على إنعاش جثة استراتيجية فارقت الحياة، بدلاً من امتلاك الجرأة على دفنها وكتابة مشروع جديد من رماد العقل والواقع.
