ساحة المعركة المستقبلية حاضرة هنا
ترجمة وإعداد: حسن سليمان
تتميز ساحة المعركة المستقبلية بتوفر الأدوات الرخيصة والوفيرة، والأسراب متعددة الأبعاد، والذكاء الاصطناعي القادر على التحليل واتخاذ القرارات، والفجوة المتزايدة بين ما تُتيحه التكنولوجيا وما يُنظّمه القانون والأخلاق.
يجمع السرب بين الكثافة والسرعة والتكرار والاستقلالية والترابط الشبكي، ولذلك فهو قادر على إحداث تأثير لا يعتمد على أداة واحدة، بل على السلوك الجماعي للنظام. في عصرٍ تستطيع فيه الآلات الرؤية والحساب والهجوم بسرعة أكبر، تبرز الحاجة إلى آلية بشرية أقوى، لا كزينة قانونية، بل كضابط تشغيلي وأخلاقي
مقدمة
لا تتطور ساحة معركة المستقبل تدريجياً، بل تقتحم الحاضر بسرعة البرق. ففي غضون سنوات قليلة، تحولت الأنظمة غير المأهولة من كونها أداة استخباراتية إلى وسائل مؤثرة في الحروب الحديثة. أصبحت الطائرات المسيّرة التجارية، التي بدأت كأداة تصوير، إلى جانب استخدامها في المراقبة التكتيكية والتسليح المتنقل، نظاماً تشغيلياً رخيصاً ومتاحاً وقاتلاً ويصعب إيقافه. وتُظهر الحرب في أوكرانيا، والقتال في الشرق الأوسط، والتنافس بين القوى العظمى، أن الأمر لا يتعلق بتحسين تقني تدريجي، بل بتغيير جذري في مفهوم العمليات، وتنظيم القوات، واقتصاد الحرب، وقوانينها.
أربعة اتجاهات تُغذي هذه الثورة: الزيادة الحادة في خطر الطائرات المسيّرة الصغيرة والرخيصة والقابلة للاستهلاك، ودخول المركبات الصغيرة غير المأهولة إلى المجالين البري والبحري، والانتقال من التشغيل المباشر للأنظمة الفردية إلى تشغيل أسراب في الجو والبر والبحر، بل وحتى إلى أسراب متكاملة تُدار بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي. إضافةً إلى ذلك، نشهد دمج قدرات الذكاء الاصطناعي في عمليات الكشف والتجريم وتحديد الأولويات والهجوم، لدرجة إقصاء العنصر البشري من عملية صنع القرار. يثير هذا التوجه الأخير معضلة بالغة الخطورة: فكلما ازداد استقلال النظام في تحديد هوية الهدف ومكانه، ومتى يكون إطلاق النار جائزاً، كلما تضاءلت المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني: التمييز، والتناسب، والحذر، والمسؤولية الإنسانية.
تؤكد المقالة أن التهديد الرئيسي لا يكمن في الأداة ذاتية التشغيل بحد ذاتها، بل في النظام الذي تمثله: الإنتاج الضخم والبسيط، والتواصل الموزع، والبرمجيات القابلة للتعلم، وأجهزة الاستشعار الرخيصة، والاتصال المستمر، والجاهزية التشغيلية لتشغيل أسراب ضخمة من المركبات غير المأهولة بدلاً من المقاتلين. فالسرب العسكري ليس مجرد مجموعة من الأدوات، بل هو نظام موزع، ومتواصل، وقابل للتوسع، ومرن في مواجهة الأعطال. وهو قادر على العمل بعشرات أو مئات أو حتى آلاف المركبات، وتقسيم المهام، واستبدال المركبة المتضررة، ومواصلة المهمة حتى بعد تدمير جزء منها. في هذا الواقع، تكون الأفضلية لمن يستطيع تقصير سلسلة الكشف والهجوم، ونشر أسراب منسقة، والتكيف السريع مع التدابير المضادة.
خطر المركبات غير المأهولة يرتفع درجة
أصبحت الطائرات المسيّرة من أبرز رموز الحروب المعاصرة، إذ تُغيّر معادلة التكلفة والفعالية في ساحة المعركة. فبإمكان مركبة تُكلّف مئات أو آلاف الدولارات تحديد موقع قوة عسكرية، أو تصحيح نيران المدفعية، أو إصابة مركبة مدرعة، أو تعطيل الإمدادات اللوجستية، أو خلق ضغط نفسي مستمر. في أوكرانيا، تبيّن بوضوح أن طائرات اف بي في المسيّرة، والذخائر المتسكعة، والمركبات البرية، والزوارق غير المأهولة، قادرة على إحداث تأثير يفوق تكلفتها بكثير. لقد تحوّلت أوكرانيا إلى ما يُشبه “مختبر حرب المستقبل”، حيث تُغيّر الأنظمة الرخيصة والقابلة للاستهلاك أنماط القتال، وتُجبر الجيوش الكبيرة على التكيّف بوتيرة سريعة.
يتضح هذا الارتفاع في المستوى من جوانب عديدة. أولاً، أصبحت الطائرات المسيّرة متاحة للجميع. لا تقتصر الدول على تشغيلها، بل تشمل أيضاً المنظمات غير الحكومية، والميليشيات، والوحدات الصغيرة. ثانياً، تُدمج هذه الطائرات في جميع مراحل دورة الهجوم: الكشف، والتعرّف، والتجريم، والهجوم، وتقييم الأضرار. ثالثاً، تعمل هذه الأنظمة في بيئة مشبعة بالتدابير المضادة، بما في ذلك الحرب الإلكترونية، والاعتراضات، والتشويش على نظام تحديد المواقع العالمي جي بي اس وأنظمة إطلاق النار الخفيف والكشف، ولذلك فهي تتطور بسرعة نحو الملاحة البصرية، والاتصالات البديلة، والطيران الذاتي، والتوجيه بالألياف الضوئية، والهجوم على مسار غير متوقع. أخيراً، تُغير هذه الأنظمة طبيعة الفضاء الواعي: فكل حركة مكشوفة لأجهزة الاستشعار، ويصبح الفضاء الأمامي شفافاً ومهدداً ومليئاً بمخاطر الهجوم.
كما يُجسد المثال الأوكراني “اقتصاد الاستنزاف” الجديد: فبدلاً من المنصات القليلة والمكلفة، يستخدم كلا الجانبين كميات كبيرة من الأدوات القابلة للاستهلاك. تعمل أوكرانيا على تطوير مفهوم الحرب الذاتية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ولكن لا تزال هناك فجوة بين الطموح التكنولوجي والقدرة التشغيلية الواسعة والناضجة. وهذا يُقدم درساً هاماً: فالثورة لا تحدث في يوم واحد، بل تتقدم عبر آلاف التجارب التشغيلية الصغيرة، التي تُنتج تعلماً أسرع من أي عملية شراء تقليدية.
وقد ازداد الاعتراف بهذا التهديد في إسرائيل أيضاً. أظهر هجوم 7 ت1 كيف يمكن للطائرات المسيّرة الصغيرة والمرتجلة تعطيل الدفاعات، وإلحاق الضرر بأصول الرصد، والمساعدة في عمليات الغزو البري. ومنذ ذلك الحين، تسارع تطوير قدرات الكشف والتشويش والاعتراض، إلى جانب دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة الدفاع ضد الأسلحة الصغيرة والطائرات المسيّرة. وتركز إسرائيل على تطوير أنظمة تهدف إلى تحويل الأسلحة الشخصية أو الأنظمة التكتيكية إلى وسائل فعّالة ضد الأهداف الجوية الصغيرة، باستخدام أجهزة الاستشعار والبرمجيات والقدرة على إطلاق النار لإصابة الهدف.
هذا يعني أن الدفاع ضد الطائرات المسيّرة لا يمكن أن يعتمد فقط على طبقة اعتراض. فهي مكلفة. فعندما ينشر المهاجم أسلحة صغيرة ورخيصة بأعداد كبيرة، لا يستطيع المدافع دائماً الرد بصاروخ باهظ الثمن. لذا، يلزم وجود بنية متعددة الطبقات: الكشف المبكر، والتصنيف الآلي، والحرب الإلكترونية، والتشويش، والسيطرة، والنيران الحركية الرخيصة، والطاقة الموجهة، والحماية المادية، والخداع، والتشتيت، وتحصين البنية التحتية. ولا يقتصر التحدي على اعتراض السلاح فحسب، بل على كسر نسبة التكلفة إلى الفعالية لدى المهاجم.
تتطور المركبات البرية ذاتية القيادة بسرعة من أدوار دعم محدودة إلى عنصر أساسي في الفريق القتالي. في البداية، كانت الروبوتات الأرضية تُستخدم بشكل رئيسي في التخريب، وإبطال مفعول القنابل، واستطلاع المناطق الخطرة، أو مهام نقل المعدات، ولكنها تُستخدم اليوم في الإمداد اللوجستي الأمامي، وإخلاء ساحة المعركة، وفتح الطرق، والاستطلاع المسلح، والهجوم. يُمكّنها الجمع بين أجهزة الاستشعار والاتصالات والملاحة الذاتية والذكاء الاصطناعي من العمل أمام القوات المأهولة، وتقليل المخاطر التي يتعرض لها المقاتلون، وتحديد العدو، والسيطرة على الأراضي، والمساعدة في إغلاق دوائر النيران بسرعة. الخطوة التالية هي مجموعات المركبات البرية المنسقة – أسراب الروبوتات – التي تتكون من مركبات. تقوم إحدى هذه الروبوتات بدوريات، بينما تحمل أخرى الأسلحة أو البضائع، وتعمل ثالثة كحلقة وصل للاتصالات، وتساعد رابعة في عمليات الإجلاء أو الدعم اللوجستي، أو حتى سرب كامل منتشر يهاجم القوات العسكرية كقطيع من الذئاب المفترسة. وبهذا، تتحول الروبوتات البرية من مجرد استجابة موضعية إلى وسيلة قادرة على تغيير طبيعة المناورة البرية.
أما المركبات البحرية وتحت المائية ذاتية القيادة، فتنتقل من العمليات الموضعية إلى نهج شامل للاستطلاع والتهديد والهجوم. فالسفن الصغيرة غير المأهولة وغير المكلفة قادرة على تهديد السفن والموانئ والبنية التحتية الساحلية دون تعريض الطواقم للخطر، كما تجلى ذلك في الحرب في أوكرانيا وإيران. وفي الوقت نفسه، توسع المركبات تحت المائية نطاق التهديد إلى ما دون سطح البحر، من خلال مهام زرع الألغام وجمع المعلومات الاستخباراتية وإلحاق الضرر بالكابلات وخطوط الأنابيب والبنية التحتية الحيوية. وسيؤدي دمجها في أسراب بحرية وتحت مائية إلى صعوبة تحديد العدو لمصدر التهديد، وحماية مساحات واسعة، والحفاظ على حرية الحركة البحرية.
من أسراب الطائرات المسيّرة الفردية
إلى أسراب الطائرات المسيّرة متعددة الأبعاد
يمثل الانتقال من إدارة المركبات المسيّرة الفردية إلى تشغيل الأسراب نقطة تحول. فالسرب ليس مجرد “عدد كبير من الطائرات المسيّرة” أو “عدد كبير من المركبات المسيّرة”، بل هو نظام تتشارك فيه العديد من المركبات المعلومات، وتقسم المهام، وتتبادل الأدوار، وتتكيف مع الظروف المتغيرة، أو حتى تعمل بطريقة لا مركزية، مع هدف واحد يجمع جميع المركبات: تحديد موقع الهدف وتدميره. وتتمثل الخصائص الرئيسية للسرب في التحكم اللامركزي دون قائد واحد، والتواصل المستمر بين المركبات، وقابلية التوسع التي تسمح بالتشغيل بأعداد كبيرة، والاستقلالية النسبية التي تعتمد على الخوارزميات والذكاء الاصطناعي. ويمكن للسرب الفعال أن يُربك أنظمة الدفاع، ويُشبع الرادارات، وينفذ عمليات خداع وهجوم متزامنة، ويحدد مواقع الأهداف على مساحة واسعة، ويستمر في العمل حتى بعد فقدان بعض الأصول. ولا تكمن أهميته التشغيلية في عدد الأصول فحسب، بل في القدرة على التنسيق والتصرف الجماعي فيما بينها.
يمكن تمييز أربعة أنواع رئيسية من الأسراب: أسراب جوية من الطائرات المسيّرة والطائرات بدون طيار، وأسراب أرضية من الروبوتات والمركبات البرية غير المأهولة، وأسراب بحرية وتحت الماء من السفن والمركبات تحت الماء غير المأهولة، وأسراب مركبة، أو “أسراب الأسراب”، حيث تعمل الأصول الجوية والبرية والبحرية ضمن شبكة تنسيق واحدة. ويُعدّ النوع الأخير التحدي الأخطر، لأنه يُطمس حدود ساحة المعركة، ويُلزم المُدافع بالتعامل في آنٍ واحد مع تهديدات قادمة من أبعاد مختلفة، وبسرعات متفاوتة، وبخصائص مُتباينة.
في الجو، تُمكّن الأسراب من شنّ هجمات مُكثّفة على أنظمة الدفاع الجوي، وكشف الأهداف، وتشغيل “الصيادين” و”الأهداف” في آنٍ واحد. أما على البر، فتستطيع السفن غير المأهولة القيام بمهام الاستطلاع، والإمداد اللوجستي، وإجلاء المصابين، وإسقاط الشحنات، أو فتح الموانئ المُعرّضة للهجوم. في البحر، أثبتت السفن غير المأهولة قدرتها على تعطيل القوات البحرية التقليدية، وإلحاق الضرر بالبنية التحتية، وخلق تهديد مستمر للموانئ والجسور ومنصات الحفر والسفن. وتُشكّل ساحة المعركة في أوكرانيا مستقبل حرب السفن ذاتية القيادة في الجو والبحر والبر.
يُعدّ البُعد البحري بالغ الأهمية لأنه يُقوّض الافتراضات السائدة حول التفوق البحري. فبإمكان دولة أو منظمة لا تمتلك أسطولاً بحرياً تقليدياً نشر سفن صغيرة ورخيصة الثمن، بل وحتى انتحارية، لتهديد السفن الكبيرة والموانئ والبنية التحتية للطاقة. وفي الحرب الروسية الأوكرانية، أصبحت السفن غير المأهولة وسيلة فعّالة، لدرجة أنها أجبرت الأسطول الروسي على الانسحاب من مناطق مُحدّدة في البحر الأسود. وهذا يُشير إلى مستقبل سيتم فيه نشر أسراب بحرية وغواصات جنباً إلى جنب مع أسراب جوية وبرية ضمن منظومة واحدة.
ويكمن التحدي الرئيسي في الأسراب في السيطرة. فمع ازدياد عدد المركبات، يصبح التحكم البشري المباشر بكل مركبة أمراً مستحيلاً. لذا، تتطلب أسراب الطائرات المسيّرة استقلالية جزئية على الأقل: اختيار المسار، والحفاظ على التنظيم، وتقسيم الأهداف، وتجاوز العوائق، والتكيف مع فقدان المركبات. توجد برامج أوكرانية تُتيح دمج الطائرات المسيّرة والمركبات البرية في عمليات منسقة، وتقليل عدد المشغلين، ونقل بعض مهام التخطيط والتوزيع والتنفيذ إلى الخوارزمية. حتى وإن بقي الإنسان “مشرفاً”، فإن بُعده عن عملية صنع القرار يتزايد.
من وجهة نظر إسرائيلية، نحتاج إلى تفوق نوعي في مجالات أجهزة الاستشعار، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات الآمنة، والدفاع ضد الطائرات المسيّرة، وهجمات أسراب الطائرات المسيّرة. من جهة أخرى، تواجه إسرائيل أعداءً قادرين على تبني التقنيات التجارية بسرعة، والتعلم من أوكرانيا وإيران وحزب الله، وتشغيل أنظمة بسيطة ولكنها متعددة. لذلك، تحتاج إسرائيل إلى اعتبار الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة عنصراً أساسياً في بناء القوة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، والمركبات البرية غير المأهولة، وأسراب الطائرات المسيّرة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على دور الإنسان في دورة صنع القرار.
تنسجم تصريحات رئيس الأركان بشأن الخطة الاستراتيجية القادمة للجيش الإسرائيلي مع هذا السياق. فبحسب قوله، ستعزز خطط بناء القوات قدرات الروبوتات، وسيتم دمج مكوناتها ضمن فرق القتال، مما سيمكن من التشغيل عن بُعد، وتحسين السيطرة الأرضية وتحديد مواقع العدو، والمساعدة في إغلاق دوائر النيران بسرعة. وهذا يعني أن الروبوتات الأرضية لم تعد تُعتبر مجرد وسيلة مساعدة أو تجريبية، بل عنصراً أساسياً في فريق القتال، يربط بين السيطرة الأرضية، وتحديد المواقع، والمناورة، والقدرة القتالية، وإغلاق دوائر النيران بوتيرة أسرع.
كما أن هذا الانتشار متعدد الأبعاد يُغير مفهوم الدفاع. فلم يعد كافياً حماية سماء البلاد أو حدودها. فالقواعد والموانئ ومحطات الطاقة ومرافق المياه وأنظمة الاتصالات وطرق المرور والقوات تُناور لمواجهة تهديد قد يأتي في آنٍ واحد من الجو والبحر والبر. يجب أن يكون الدفاع شبكياً ومحلياً ومتحركاً وقابلاً للتكيف. ويجب أن يدمج الاستخبارات والحرب السيبرانية والإلكترونية والنيران والحماية والخداع، وأن يعمل بوتيرة الهجوم.
تُظهر حالات الاختبار أنه لا يوجد نموذج واحد مُوحّد للهجوم الجماعي: فالصين تُطوّر مفهوماً ذكياً متعدد الأبعاد للهجوم الجماعي، وتعتمد روسيا على الكمّ الهائل، والاستنزاف، والتكيّف، وتُظهر أوكرانيا ابتكاراً سريعاً، بينما تُطوّر الولايات المتحدة “كتلة ذكية” تجمع بين الكمّ الهائل، والبرمجيات، والاستقلالية، والتحكّم البشري. والدرس المشترك بين جميع هذه النماذج هو أن الهجوم الجماعي يُغيّر مركز ثقل الحرب، من المنصة الفردية إلى السلوك المنهجي. ومع ترابط أبعاد البر والجو والبحر، لا يقتصر دور المُدافع على اعتراض الأدوات فحسب، بل يتعدّاه إلى فهم نمط العمل، وتعطيل الشبكة، وإلحاق الضرر بمراكز الإنتاج والإطلاق، واستعادة التفوق في سرعة اتخاذ القرار.
الذكاء الاصطناعي، والتجريم الذاتي،
وإقصاء العنصر البشري من دورة صنع القرار .. الجانب الأخلاقي
إن أخطر تطور ليس مجرد استخدام العديد من الأدوات، بل العلاقة بين الهجمات الجماعية واتخاذ القرارات باستخدام الذكاء الاصطناعي. يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل كميات هائلة من المعلومات، وتحديد الأنماط، واكتشاف الشذوذ، واقتراح الأهداف، وتحديد أولويات الهجمات، بل وتشغيل المركبات غير المأهولة دون توجيهات بشرية محددة. وبهذا المعنى، يُقصر الذكاء الاصطناعي سلسلة العمل العسكري، ولكنه ينقل أيضاً جزءاً من الحكم البشري إلى الآلة.
يركز النقاش القانوني على أنظمة الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل القادرة على اختيار الأهداف ومهاجمتها دون تدخل بشري إضافي. ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، لا يوجد حتى الآن تعريف دولي متفق عليه لهذه الأنظمة، إلا أن الدول تُطور وتنشر بشكل متزايد أنظمة ذات وظائف ذاتية التشغيل، بما في ذلك الذخائر المتسكعة، وأنظمة الدفاع، والمركبات البرية والبحرية غير المأهولة. إن غياب تعريف واضح لا يُقلل من حدة المشكلة؛ بل على العكس، يسمح للدول بالعمل في منطقة رمادية حيث تسبق التكنولوجيا القانون.
يدرس القانون الدولي الإنساني التقنيات الجديدة وفقاً لمبادئ: التمييز، والتناسب، والاحتياط، والمسؤولية. تكمن المشكلة في أن الأنظمة ذاتية التشغيل تواجه صعوبة في إجراء تقييمات سياقية، لا سيما في البيئات التي يتداخل فيها المقاتلون والمدنيون، وتتغير فيها المعلومات الجزئية بسرعة، وتعتمد فيها التداعيات القانونية لأي إجراء على أدق التفاصيل. وقد دعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في عام 2025 إلى الحفاظ على السيطرة البشرية على قرارات استخدام القوة، بحجة أن فرصة التنظيم الفعال تتضاءل.
وقد أبرزت الأمم المتحدة هذا الخطر بوضوح عندما دعت إلى حظر الأنظمة التي يمكنها التسبب في وفيات بشرية دون سيطرة بشرية، واصفة إياها بأنها غير مقبولة سياسياً وإشكالية أخلاقياً. ولا يقتصر هذا النداء على الجانب الأخلاقي فحسب، بل يتعداه إلى الجانب العملي أيضاً: فالآلة التي لا تفهم السياق البشري، أو النوايا، أو الاستسلام، أو الإصابة، أو الجنسية، أو الظروف المتغيرة في الوقت الفعلي، قد تؤدي إلى أتمتة القتل وتقويض مسؤولية القيادة.
عملياً، لا تلجأ معظم الجيوش إلى أسلوب “الرجل خارج الدائرة” مباشرةً، بل تمر بمراحل وسيطة: الرجل داخل الدائرة، ثم الرجل على الدائرة، وأخيراً الرجل خارج الدائرة. في المرحلة الأولى، يوافق الرجل على كل هجوم؛ في المرحلة الثانية، يُشرف الإنسان ويستطيع التدخل، لكن النظام يُنفّذ جزءاً كبيراً من العملية؛ وفي المرحلة الثالثة، يختار النظام الهدف ويُطلق النار تلقائياً. يكمن الخطر في أن الانتقال من المرحلة الثانية إلى الثالثة لن يتم بقرارٍ واضحٍ ومنظم، بل بتراكم تحسينات البرمجيات، والضغط التشغيلي، والحاجة إلى تقصير أوقات استجابة النظام.
في إسرائيل، نشأ نقاشٌ خاص حول استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تجريم الأهداف وإدارة دوائر إطلاق النار. يجب التمييز بين استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة تحليلية ومنح الآلة صلاحية الهجوم الذاتي، لكن الأداة المساعدة قد تُؤدي أيضاً إلى “انحياز الأتمتة”، حيث يميل البشر إلى تبني توصيات النظام لأنها تبدو دقيقة وسريعة وموضوعية. قد يُؤدي هذا المزيج إلى ثغرة في المسؤولية وتسريع سلسلة القتل.
لا تبدأ المشكلة القانونية والأخلاقية عند لحظة إطلاق النار فحسب. يبدأ الأمر عندما تتعرف الخوارزمية على نمط معين، وتحدد شخصاً أو أداة كهدف، وتوزع المهمة بين الأدوات، وتقترح ترتيباً لأولويات الهجوم. كلما قلّ الوقت والسياق والقدرة المتاحة للمشغل البشري لتحدي توصية الآلة، كلما أصبح التحكم البشري شكلياً فقط. لذا، لا يقتصر السؤال على وجود “عنصر بشري في النظام”، بل يتعداه إلى وجود إنسان قادر على فهم قرار النظام، وإيقافه، ومحاسبته. هذا هو جوهر الأمر.
يكمن الخطر الأكبر في “تطبيع الاستثناء”. أولاً، يُستخدم الذكاء الاصطناعي لمساعدة البشر على التعامل مع فيض المعلومات؛ ثم يُختصر وقت التحقق؛ ثم يُسمح للنظام بإطلاق النار على أهداف محددة مسبقاً؛ وأخيراً، تحت ضغط أسراب من الهجمات، وهجوم مكثف، وأوقات استجابة لا تتجاوز ثوانٍ، قد يُفضل القائد نظاماً يتخذ القرار أسرع من الإنسان. عندئذٍ، سيواجه القانون الدولي أمراً واقعاً: ستحدد الآلات من سيُستهدف، وسيُطلب من البشر، بعد فوات الأوان، تبرير سبب عدم إيقافهم لها.
إن التركيز فقط على “الروبوتات الفتاكة” يُغفل جوهر التحدي: فالاستقلالية ليست حالة ثنائية بين نعم أو لا، بل هي سلسلة متصلة من القدرات التي يمكن دمجها في الأسلحة بدرجات متفاوتة وفي تطبيقات جزئية. ولذلك، لا يكمن الخطر الرئيسي في لحظة إطلاق النار فحسب، بل في التراكم التدريجي للقدرات على البحث عن الأهداف وتحديدها وتصنيفها وترتيب أولوياتها، حتى يبقى البشر حاضرين شكلياً لكنهم يتوقفون عن كونهم صانعي القرار.
التوصيات.. كيفية الاستعداد لساحة المعركة المستقبلية
يتطلب الاستعداد لساحة المعركة المستقبلية تغييراً في التصور، وليس مجرد الحصول على الموارد. يلزم وجود دفاع متعدد الطبقات يجمع بين الكشف والتصنيف والحرب الإلكترونية والاعتراض منخفض التكلفة والطاقة الموجهة والحماية والخداع. لا يقتصر الهدف على اعتراض كل طائرة مسيرة مهما كلف الأمر، بل يشمل تحديد أنماط أسراب الطائرات المسيرة، وكسر التنسيق، وتعطيل الشبكة، وإلحاق الضرر بهجوم العدو.
يجب إنشاء قدرة تشغيلية مستقلة للأسراب. إن الجيش الذي يجهل كيفية تشغيل أسراب الروبوتات سيواجه صعوبة في فهم كيفية الدفاع ضدها. يجب نشر هذه القدرة في الجو والبر والبحر، والاعتماد على الإنتاج المحلي، والتجارب التشغيلية المستمرة، ودمج الوحدات النهائية في عمليات التطوير. الدرس المستفاد من أوكرانيا هو أن سرعة التعلم لا تقل أهمية عن جودة المنصة.
ووفقاً لرئيس الأركان، يجب ترجمة التركيز المتجدد على العمليات البرية إلى مفهوم عملي لفريق قتالي روبوتي متكامل. وهذا يعني أنه سيُطلب من جميع فرق القتال في الكتائب والالوية (أ) تشغيل الطائرات المسيّرة والروبوتات الأرضية وأجهزة الاستشعار والاتصالات والقوة النارية بشكل متكامل، بحيث لا تقتصر الروبوتات على وحدات متخصصة فقط. من شأن هذا التكامل أن يُتيح تحكماً أرضياً أفضل، وتحديداً مبكراً للعدو، وعمليات عن بُعد في المناطق الخطرة، وإغلاقاً سريعاً للدوائر، مع الحفاظ على الإشراف البشري في قرارات الهجوم الحساسة.
يختلف نطاق التهديد الإسرائيلي عن نطاق الدول الكبرى: فهو محدود العمق، ويضم ساحات قتال متعددة قريبة، ويتمتع بمساحة بحرية حيوية للطاقة والتجارة، كل ذلك في مواجهة أعداء من دول وغير دول قادرين على خلق تهديد خطير على جميع الأصعدة. لذا، لا يمكن لإسرائيل انتظار نضوج أجيال متطورة ومكلفة من الأنظمة ذاتية التشغيل؛ بل يجب عليها دخول مجال أسراب الطائرات المسيّرة بنهج التعلم العملياتي السريع: الاختبار، والتشغيل، والبحث، والتحسين، وإعادة الإنتاج، والدمج في وحدات الخطوط الأمامية.
على الصعيد الهجومي، يجب على الجيش الإسرائيلي بناء قدرة أسراب متعددة الأبعاد، لا تقتصر على الطائرات المسيّرة. في الجو، من الضروري تطوير أسراب استطلاع وخداع وتعطيل وهجوم، قادرة على العمل ضد أنظمة الدفاع، وتحديد مواقع منصات الإطلاق، وملاحقة فرق العدو حتى في بيئة مشوشة بنظام تحديد المواقع العالمي جي بي اس أما على الأرض، فمن الضروري تطوير فرق من الروبوتات المناورة التي ستعمل أمام القوات المأهولة، لفتح الطرق، وتحديد مواقع المتفجرات، ومسح المباني والأنفاق، ونقل المعدات، وتمكين شنّ هجمات دقيقة مع تقليل المخاطر على المقاتلين. في البحر، من الضروري تطوير أسراب من السفن غير المأهولة والمركبات تحت الماء لمهام الاستطلاع، وحماية منصات الحفر والموانئ، وكشف التهديدات، والخداع، وإغلاق الطرق البحرية، ومهاجمة سفن العدو أو البنى التحتية المستخدمة لإطلاق المركبات غير المأهولة.
على الصعيد الدفاعي، تحتاج إسرائيل إلى الانتقال من مفهوم الاعتراض النقطي إلى مفهوم الدفاع ضد نظام السرب. يتطلب الدفاع تحديد ليس فقط مركبة واحدة، بل نمط عمل متكامل: مصدر الإطلاق، ومحطات الترحيل، ومسارات التقدم، وتوزيع الأدوار بين المركبات، ومحاولة إغراق الأنظمة القائمة. لذا، يجب تطوير حزم دفاعية محلية للقوات المناورة والقواعد والموانئ ومنصات الحفر ومحطات الطاقة والمنشآت الحيوية، تشمل الكشف الدقيق والتصنيف الآلي والتشويش المتواصل وإطلاق النار الخفيف والدقيق والصواريخ الاعتراضية منخفضة التكلفة والتمويه والحماية المادية وإجراءات العمل في ظل هجوم مكثف. لن يُقاس النجاح بعدد المركبات التي يتم اعتراضها فحسب، بل بالقدرة على تعطيل عمل السرب بأكمله. هذا بالطبع بالإضافة إلى الدفاع ضد التهديدات المألوفة كالصواريخ والقذائف.
يجب تطوير القدرة على ضرب سلسلة القيمة الكاملة لتهديد السرب: مراكز الإنتاج والمستودعات ونقاط الإطلاق ومحطات الاتصالات وأنظمة القيادة والسيطرة والمحطات الأرضية والسفن الأم والبنية التحتية للملاحة. ستُكمّل هذه الخطوة الدفاع المحلي وتحول الرد من المركبة الفردية إلى النظام الذي يُمكّن السرب من العمل.
يتطلب دخول عالم السرب أيضاً تغييراً تنظيمياً. إلى جانب مديريات التطوير، يلزم وجود مركز عملياتي تابع للجيش الإسرائيلي يربط بين فروع القوات البرية والجوية والبحرية، وشعبة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وقيادة القوات الجوية والفضائية، ويُرسي بنية مشتركة للعمليات والاتصالات وتحديد التهديدات المتبادلة والسلامة والأمن السيبراني وتوثيق القرارات والتحكم البشري. لا ينبغي السماح لأي فرع بتطوير نظامه الخاص بمعزل عن الفروع الأخرى. ولن تتحقق الميزة الإسرائيلية إلا إذا كانت هذه الأنظمة جزءاً من نظام قيادة وتحكم متكامل.
يُقترح تحديد حدود قانونية وعملياتية واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة الآلية. يجب التمييز بين نظام دعم القرار ونظام اتخاذ القرار، وتحديد الإجراءات التي يمكن للنظام الآلي تنفيذها ذاتياً، والإجراءات التي تتطلب موافقة بشرية، والحالات التي تتوقف فيها المهمة تلقائياً. أي نظام يؤثر على التجريم أو الهجوم يجب أن يخضع لمراجعة قانونية، واختبارات موثوقية، وتوثيق كامل لمصادر المعلومات، وقدرة تفسيرية، وآلية إيقاف بشرية، ومسؤولية قيادة محددة. لا يُسمح لأي نظام غير مأهول بإطلاق نيران قاتلة على البشر دون تحكم بشري فعال.
ينبغي تطوير مبدأ “الإنسان المسؤول في العملية”. لا يكفي مجرد القول بشكل عام أن البشر جزء من النظام، بل من الضروري تحديد ما يعرفه البشر، ومتى يوافقون، وكيف يمكنهم إيقاف الهجوم، وما هي مسؤوليتهم في حال الفشل. لا يقتصر التحكم البشري الفعال على مجرد ضغطة زر، بل هو قدرة حقيقية على الفهم والتقييم والتدخل. في الوقت نفسه، ينبغي للدول الديمقراطية صياغة معايير مشتركة لفحص الأنظمة ذاتية التشغيل، وتبادل الدروس المستفادة من الحروب، والحد من الأنظمة التي تُعرّض المدنيين للخطر أو تُقوّض المسؤولية البشرية.
أخيراً، يُقترح تعزيز التعاون الدولي في بناء القوات. في مقال سابق تناول استقلال إسرائيل في مجال الأسلحة، اقترحنا إنشاء اتحاد دولي يُركز على تطوير الوسائل الأساسية. ويبدو أن تطوير الأنظمة ذاتية التشغيل في جميع جوانبها مثال جيد على هذه الشراكة.
خلاصة
ساحة معركة المستقبل موجودة بالفعل. تتميز هذه الثورة بأدوات رخيصة ومتعددة، وأسراب متعددة الأبعاد، وذكاء اصطناعي يحلل ويتخذ القرارات بسرعة الآلة، وفجوة متزايدة بين ما تُتيحه التكنولوجيا وما يُنظّمه القانون والأخلاق. يُمثل السرب تغييراً جذرياً: فهو يجمع بين الكثافة والسرعة والتكرار والاستقلالية والترابط الشبكي، وبالتالي فهو قادر على إحداث تأثير لا يعتمد على أداة واحدة، بل على السلوك الجماعي للنظام بأكمله. لا تُلغي هذه الثورة البشر، ولكنها تُهمّش دورهم، إن لم يُعاد تعريف دورهم في النظام.
لقد غيّرت الطائرات المسيّرة اقتصاد الحرب، وتُغيّر الأسراب وتيرة الحرب، وقد يُغيّر الذكاء الاصطناعي طبيعة المسؤولية في الحرب. لن يكون التفوق المستقبلي بالضرورة لمن يمتلك أغلى المنصات، بل لمن يعرف كيف يبني نظاماً متعلماً، مترابطاً، رخيصاً، مُكرراً، وسريعاً – ويحرم الخصم من قدرته على العمل الجماعي.
لذا، يكمن التحدي الحقيقي في شقين: تحقيق التفوق التكنولوجي وحماية أخلاقيات صنع القرار العسكري. ففي عصرٍ باتت فيه الآلات قادرة على الرؤية والحساب والهجوم بسرعة فائقة، تبرز الحاجة إلى آلية بشرية أقوى، لا كغطاء قانوني، بل كضابط عملياتي وأخلاقي. إن المستقبل يتقدم بسرعة البرق، والسؤال هو: هل سنصل إليه مستعدين؟ وهل سنتمكن من ترك المسؤولية في أيدي البشر؟.
معهد القدس للاستراتيجية والأمن – العقيد الأستاذ غابي سيبوني (رئيس برنامج الجيش والاستراتيجية وبرنامج الأمن السيبراني في معهد دراسات الأمن القومي بين عامي 2006 و2020. وفي هذا الإطار، أسس مجلتين أكاديميتين في مجالات البحث المذكورة أعلاه.) العميد إيريز فاينر (خبير في الشؤون العسكرية والأمنية في معهد القدس للاستراتيجية والأمن. شغل مناصب قيادية عليا في جيش الدفاع الإسرائيلي، بما في ذلك قائد كتيبة دوشيفات وقائد لواء إتسيوني، وعمل لاحقاً مساعداً لرئيس الأركان).
