مؤشرات الانتخابات التمهيدية الأمريكية.. التأييد الشعبي لتل أبيب يواصل انحساره
بقلم ابتسام الشامي
تحضر الانتخابات التمهيدية في الولايات المتحدة الأمريكية كدليل جديد على تغير المزاج الشعبي الأمريكي ضد الكيان الصهيوني، وهو تغير يرفع منسوب القلق في تل ابيب لكونه ينتقل من الشارع إلى دوائر صنع القرار.
الحرب على الجبهة الثامنة إنفاق بلا مردود
تزداد المؤشرات الدالة على تراجع التأييد في الأوساط الشعبية الأمريكية للكيان الصهيوني بشكل بدأ يثير قلق تل أبيب بالنسبة لمستقبل علاقتها بأكثر الدول حماية ورعاية، وإذا كان الدعم الغربي وفي مقدمه الأمريكي للكيان الغاصب قد بلغ ذروته على المستوى السياسي والعسكري والإعلامي مع عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، فإن ما رافق العدوان الصهيوني على قطاع غزة في اليوم التالي من توحش وإبادة جماعية للبشر والحجر على مدى ثلاثة أعوام متواصلة، أوجد حالة من الرفض الشعبي العالمي لما تقوم به آلة الحرب الإسرائيلية، وقد عبرت تلك الحالة عن نفسها بالتظاهرات الضخمة في العواصم الأوروبية وحراك الجامعات الأمريكية، وتنامي حالة المقاطعة التجارية والسياسية والاكاديمية لكل ما يرتبط بالكيان الغاصب. وفي ما كانت بعض الأصوات الإسرائيلية الخجولة التي تحذر من تأثير الابادة في تراجع التأييد بما هو ذخر استراتيجي لدولة الاحتلال، فإن رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو الذي قاد عملية “التوحش” أدرك متأخراً حجم الخسائر المترتبة على كيانه بفعلها. وفي أجواء الذكرى الثانية لعملية طوفان الاقصى، اجتمع نتنياهو على هامش مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بمجموعة من المؤثرين الأمريكيين على مواقع التواصل الاجتماعي، في لقاء مغلق داخل القنصلية الإسرائيلية في نيويورك، خاطبهم خلال اللقاء بوصفهم “السلاح الأهم” لتأمين قاعدة الدعم الشعبي لـ “إسرائيل” داخل الولايات المتحدة. وبدا اللقاء كما الخطاب مؤشراً على المخاوف الإسرائيلية المتعاظمة من التحولات الجارية في الأوساط الشعبية الأمريكية، الأمر الذي دفع القيادة الإسرائيلية إلى محاولات التصدي عبر تمويل محتوى مدفوع الثمن لإعادة إنتاج السردية الإسرائيلية وتعميمها في الأوساط الأمريكية. وقد جاء اللقاء بالموازاة مع كشف إعلام العدو تخصيص وزارة الخارجية الإسرائيلية مبلغ 520 مليون شيكل أي ما يعادل 137 مليون دولار إضافي لما تدفعه من أجل برامج لاستقطاب وفود لتعزيز مكانتها على الساحة العالمية. وخُصص المبلغ بحسب المعطيات المتوافرة، لترتيب زيارات لأعضاء برلمانات، وصحفيين، وشخصيات دينية من دول العالم إلى “إسرائيل” وتنظيم لقاءات لهم مع وزراء ومسؤولين إسرائيليين ومواد إعلامية دعائية حول 7 تشرين الأول 2023، وذلك بهدف التأثير في عقولهم وعواطفهم.
وفي مؤشر آخر يعكس الجهد الإسرائيلي لتطويق حالة تراجع التأييد في مختلف الأوساط الأمريكية، كشفت دراسة استقصائية أصدرها “معهد كوينسي” الأمريكي للأبحاث، في شهر تموز الماضي عن تفاصيل ما يُعرف في الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية بـ “الجبهة الثامنة”، وتحدث التقرير الذي حمل عنوان “الجبهة الثامنة: داخل حملة التأثير الإسرائيلية البالغة مليار دولار”، عن صفقات وعقود بالغة الخطورة والحساسية، من ضمنها تعاقد “إسرائيلي” رسمي مع شركة تحمل اسم “Show Faith by Works” بقيمة بلغت 3.2 ملايين دولار، تهدف إلى استهداف جموع المصلين عبر تقنيات “الاستهداف الجغرافي” الرقمي المتقدمة حول الكنائس الكبرى في مناطق الجنوب الغربي الأمريكي أثناء مواعيد العبادة، لمواصلة قذف الحاضرين بالإعلانات الموجهة فور مغادرتهم أبواب الكنيسة لترسيخ المفاهيم المؤيدة للاحتلال في وجدانهم.
الانتخابات الأمريكية
وسط الحملات الممنهجة والمدفوعة الثمن لإعادة إنتاج الصورة الإسرائيلية في الأوساط الأمريكية، جاءت الانتخابات التمهيدية لتعكس نتائجها جانبا من الفشل الإسرائيلي في احتواء موجة تراجع التأييد في الأوساط الشعبية الأمريكية، وبعد الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية نيويورك وميتشغان، تلقى أنصار تل أبيب داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي ضربة انتخابية جديدة، بعدما حسمت المرشحة التقدمية بيغي فلانغان ترشيح الحزب لمقعد مينيسوتا في مجلس الشيوخ، متغلبة بفارق كبير على النائبة أنجي كريج المدعومة من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك”. وبحسب صحيفة هآرتس فإن فلانغان، وهي نائبة حاكم ولاية مينيسوتا، حصلت على نحو 60% من الأصوات في الانتخابات التمهيدية التي جرت الثلاثاء، متقدمة بفارق واضح على كريج. ورأت الصحيفة أن خسارة الأخيرة تمثل “هزيمة جديدة ومؤلمة لأنصار إسرائيل داخل الحزب الديمقراطي، وكذلك للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية أيباك، التي استضافت فعاليات لجمع التبرعات لصالح كريج، وذلك بعد أسبوع واحد فقط من هزيمة النائبة هالي ستيفنز بفارق ضئيل أمام عبد السيد في الانتخابات التمهيدية بولاية ميشيغان، وهي المنافسة التي دار جزء كبير منها حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني”. وكانت فلانغان وخلال حملتها الانتخابية، قد وصفت منظمة “أيباك” بأنها “أشرار خارقون”، كما اتهمت “إسرائيل” بارتكاب إبادة جماعية، وتعهدت بإنهاء مبيعات الأسلحة الهجومية إليها.
الدعم العسكري يجب ان يكون مشروطاً
نتائج الانتخابات في كل من نيويورك وميشغان ومينسوتا شغلت الأوساط الإعلامية والسياسية في تل أبيب وواشنطن، واذ أجمعت المقاربات التحليلية على اعتبارها مؤشراً على حجم التحول في الرأي العام الأمريكي، ذهبت بعض التحليلات للحديث تحول معقد من شأنه أن يهدد مستقبل الدعم الأمريكي لـ “إسرائيل” في ظل انتقال الحالة الاعتراضية ضد العدوانية الإسرائيلية الممارسة بحق الفلسطينيين وشعوب المنطقة، إلى حالة سياسية داخل اروقة صناعة القرار الأمريكي، مع ملاحظة ان ما يسمى بالوجوه التقدمية في الحزب الديمقراطي، تتبنى مسألة اعادة النظر في الدعم العسكري غير المحدود لتل ابيب. في هذا السياق أشارت صحيفة “واشنطن بوست”، إلى حالة استياء من الدعم الأمريكي لـ “إسرائيل”، ألقت بظلالها على عدد من أبرز الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي هذا العام، ويشمل ذلك ولايات نيويورك وكولورادو وميشيغان، حيث واجه عبدول السيد، المعروف بأنه من أشد منتقدي المساعدات العسكرية لإسرائيل، منافسته هيلي ستيفنز، التي حظيت بدعم مالي تجاوز 30 مليون دولار من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك” AIPAC، وجماعات تابعة لها. وتنوه الصحيفة بأن الانقسام بشأن “إسرائيل” لا يقتصر على الحزب الديمقراطي “فعلى الرغم من أن الانقسام بشأن إسرائيل أقل حدة بين الناخبين الجمهوريين، فإنه يتسع داخل صفوفهم أيضاً”. وقد أظهر استطلاع أجرته الصحيفة نفسها بالتعاون مع “إبسوس” الشهر الماضي، أن “غالبية الأمريكيين يؤيدون تقليص أو إنهاء الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، ويشمل ذلك نحو ثلاثة أرباع الناخبين الديمقراطيين”.
وفي قراءتها لمؤشرات نتائج الانتخابات التمهيدية قالت يائيل ستيرنهيل، الأستاذة المشاركة في التاريخ والدراسات الأمريكية بجامعة تل أبيب في تصريح لصحيفة واشنطن بوست “أصبح العداء والغضب تجاه إسرائيل اليوم من القضايا القليلة التي توحد اليمين واليسار في السياسة الأمريكية”. مضيفة أن “كلا الجانبين ينظر إلى إسرائيل باعتبارها الطرف الأقوى الذي يفرض هيمنته على جيرانه، ومصدراً لعدم الاستقرار في المنطقة، ولا يرى أنها تحقق فائدة للولايات المتحدة”.
وليس بعيداً عن هذا التقدير يرى الكاتب وليام غالستون، في مقال في صحيفة “وول ستريت جورنال” بعنوان “لماذا ساءت علاقة الكثير من الأمريكيين بإسرائيل؟”، أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أحدثت تحولاً ملحوظاً في نظرة الأمريكيين إلى “إسرائيل”، بعدما كانت حرب الأيام الستة عام 1967 قد عززت مكانتها لدى الرأي العام الأمريكي، ورسخت صورتها حليفاً عسكرياً مهماً لواشنطن في الشرق الأوسط. وبحسب الكاتب فإن “الحرب الإسرائيلية الطويلة على حركة حماس، فرضت ضغوطاً غير مسبوقة على العلاقات بين واشنطن والقدس، مع تنامي الاعتقاد بأن الرد الإسرائيلي على هجمات السابع تشرين الأول تجاوز حدود التناسب. وأسهمت مشاهد الدمار الواسع في غزة والتقارير المتعلقة بسقوط أعداد كبيرة من المدنيين في تغيير مواقف قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي”.
ويشير غالستون إلى أن التحول لم يقتصر على الأمريكيين عموما، بل امتد إلى اليهود الأمريكيين. مستشهدا باستطلاع رأي لمركز “إيه بي – إن أو آر سي”، حيث بيّنت نتائجه تأييد 42% فقط منهم استمرار العملية العسكرية ضد حماس، بعدما بلغت نسبة تأييد الرد الإسرائيلي الأول على هجوم 7 تشرين الأول 73%، مقابل 16% عارضوه.
ويشير الكاتب أيضاً إلى استطلاع أجرته كلية الحقوق بجامعة ماركيت ونُشر الأسبوع الماضي، أظهر حجم التراجع في صورة “إسرائيل”، خصوصاً بين الشباب. و”بين المستقلين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً، لم يسجل الاستطلاع أي موقف إيجابي تجاه إسرائيل ضمن العينة الصغيرة، مقابل 65% يحملون مواقف سلبية. وبين الديمقراطيين الشباب، بلغت المواقف الإيجابية 5% مقابل 84% سلبية، فيما سجل الجمهوريون الشباب أيضاً غالبية سلبية بنسبة 58% مقابل 29% مواقف إيجابية”.
ويقول غالستون إن تغير الموقف الشعبي انعكس كذلك على النظرة إلى الدعم العسكري الأمريكي لـ “إسرائيل”. فقد أظهر استطلاع ماركيت أن “نسبة الأمريكيين الذين يرون أن واشنطن تقدم لإسرائيل مساعدات عسكرية تفوق حاجتها ارتفعت من 28% عند اندلاع الحرب في غزة إلى 52% حاليا”.
كما يشير إلى أن 16% فقط من الأمريكيين يرون أن المساعدات لـ “إسرائيل” ينبغي أن تكون غير مشروطة، بينما يؤيد 24% ربطها بشروط، و38% إنهاءها. وبين اليهود الأمريكيين، أظهر استطلاع أجرته مجموعة “جي ستريت” في آذار أن 31% يؤيدون استمرار المساعدات دون شروط، مقابل 44% يفضلون ربطها بشروط، و26% يؤيدون إنهاءها. ويخلص غالستون إلى أن “تراجع التأييد لإسرائيل يمثل واقعاً سياسياً جديداً يتعين على الديمقراطيين أخذه في الاعتبار”.
خاتمة
في ما فشلت العدوانية الإسرائيلية ضد قطاع غزة وشعوب المنطقة في دفعهم إلى الخضوع والتخلي عن حقوقهم في أرضهم على الرغم من عظم التضحيات المقدمة، فإنها نجحت في تعرية الكيان الغاصب وتقديمه أمام العالم كياناً إجرامياً إبادياً تعجز الدعاية الإسرائيلية على الرغم من المبالغ الطائلة التي تنفقها عن إعادة تحسين صورته امام الرأي العالمي الذي وفر له على مدى عقود كل أشكال الدعم والتأييد.
