أيباك تفشل في مواجهة التحول الأمريكي.. كيف أعادت غزة ولبنان وإيران تشكيل وعي الناخب؟
بقلم د. محمد الايوبي
ليلة الثالث من أغسطس 2026 لم تكن فقط ليلة انتخابية هامشية في تاريخ السياسة الأمريكية؛ بل كانت لحظة فاصلة أعلنت عن انتهاء عصر وبداية عصر آخر.
ففي ولاية ميشيغان، حيث تتقاطع هموم الطبقة العاملة مع انشغالات السياسة الخارجية، سجل التاريخ محطة فارقة: فوز الطبيب التقدمي عبد الرحمن السيد (عبدول) في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ، متغلباً على آلة انتخابية ضخمة ضخت أكثر من 30 مليون دولار لإسقاطه.
لم يكن هذا الفوز مجرد نتيجة انتخابية هامشية، بل كان إعلاناً عن تحول بنيوي في المشهد السياسي الأمريكي، وكشفاً عن ملامح حقبة جديدة تتهاوى فيها أساطير المال السياسي، وتتبدل فيها أولويات الناخب الأمريكي. فما الذي حدث؟ وكيف استطاع مرشح تقدمي، من أصول مصرية، أن يهزم أقوى لوبي في واشنطن؟ وما علاقة ذلك بالتحولات العميقة في الرأي العام الأمريكي تجاه “إسرائيل” بعد حروب غزة ولبنان وإيران؟
انقلاب في بوصلة الرأي العام الأمريكي
تكشف استطلاعات الرأي لعام 2026 عن تحول تاريخي في موقف الأمريكيين من الصراع الفلسطيني “الإسرائيلي”. فبحسب استطلاع غالوب الصادر في فبراير 2026، ولأول مرة منذ أكثر من عقدين، يتعاطف الأمريكيون مع الفلسطينيين (41%) أكثر من “الإسرائيليين” (36%)، بعد أن كانت لـ “إسرائيل” أفضلية بـ 13 نقطة مئوية قبل عام واحد فقط. بل إن النسبة بين الديمقراطيين بلغت 65% متعاطفين مع الفلسطينيين مقابل 17% فقط مع “إسرائيل”.
وهذا التحول لم يقتصر على الديمقراطيين، بل امتد ليشمل المستقلين الذين أصبحوا يميلون نحو الفلسطينيين بنسبة 41% مقابل 30% لـ “إسرائيل”.
والأكثر إثارة للدهشة هو ما كشفه استطلاع معهد “بيو” للأبحاث في يوليو 2026، حيث أصبح 6 من كل 10 أمريكيين يحملون صورة سلبية عن “إسرائيل”، بزيادة 7 نقاط عن عام 2025. كما ارتفعت النظرة السلبية جداً لـ “إسرائيل” إلى 28%، مقارنة بـ 10% قبل أربع سنوات فقط.
وفي مؤشر آخر على عمق هذا التحول، أظهر استطلاع بيو أن 42% من الأمريكيين ينظرون إلى الشعب “الإسرائيلي” بشكل غير إيجابي، ارتفاعاً من 28% في عام 2019، بينما تراجعت النظرة الإيجابية للحكومة “الإسرائيلية” إلى 32% من 41% في الفترة نفسها. والأكثر دلالة: ثلث الأمريكيين يعتقدون أن “إسرائيل” ارتكبت إبادة جماعية في غزة، بما في ذلك 30% من اليهود الأمريكيين أنفسهم.
أما على الصعيد السياسي، فحتى الدعم الجمهوري التقليدي لـ “إسرائيل” بدأ يتآكل. فبحسب استطلاع بيو، ينظر 4 من كل 10 جمهوريين إلى “إسرائيل” بشكل غير إيجابي، وترتفع النسبة إلى 57% بين الجمهوريين دون الخمسين. والأكثر إثارة أن 75% من الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً، و67% ممن تتراوح أعمارهم بين 30 و49 عاماً، يحملون آراء غير إيجابية تجاه “إسرائيل”.
أيباك تواجه “تسونامي” الرأي العام
في هذا السياق من التحول الشعبي الدراماتيكي، جاءت معركة ميشيغان لتكون اختباراً حاسماً لقدرة المال السياسي على عكس اتجاهات الرأي العام. ضخت أيباك ولجانها التابعة ما يزيد على 30 مليون دولار لدعم النائبة هايلي ستيفنز، في أكبر مبلغ تنفقه المنظمة في سباق انتخابي واحد في تاريخها. بل إن بعض المصادر قدرت الإنفاق الإجمالي لصالح ستيفنز بأكثر من 54 مليون دولار من لجان خارجية.
في المقابل، أنفق السيد نحو 3.2 مليون دولار فقط من حساب حملته. أي أن الميزانية كانت متفاوتة بنسبة تجاوزت 11 إلى 1 لصالح ستيفنز وأيباك. وعلى الرغم من هذا التفوق المالي الساحق، خسرت ستيفنز بفارق ضئيل لكنه حاسم (48.7% مقابل 47.3%).
واللافت أن السيد جعل من تمويل أيباك محور حملته، متحدياً المال السياسي بشكل علني. وفي المناظرة الأخيرة، ربط تصويت ستيفنز ضد تعديل كان يمنع المساعدات العسكرية لـ “إسرائيل” بالمال الخارجي، واصفاً إياه بأنه “المقابل الذي يأتي مع الثمن البالغ 30 مليون دولار”. وهذه المعادلة – ربط الدعم لـ “إسرائيل” بالمال السياسي الأجنبي – أثبتت فعاليتها في إقناع الناخبين.
ولم تقتصر هزيمة أيباك على ميشيغان، بل امتدت إلى عدة جبهات. ففي إلينوي، خسرت مرشحة أيباك لورا فاين أمام التقدمي دانيال بيس الذي عارض المساعدات العسكرية لـ “إسرائيل”. وفي نيوجيرسي، خسر المرشح المدعوم من أيباك توم مالينوفسكي، ثم أعلن تأييده لمنافسته التقدمية أنال ميخيا التي اتهمت “إسرائيل” بارتكاب إبادة جماعية.
وتشير تقديرات إلى أن أيباك أنفقت أكثر من 104 ملايين دولار في هذه الدورة الانتخابية، لكن عائد هذا الإنفاق كان محدوداً ومخيباً للآمال.
لماذا فشل المال في شراء الانتخابات؟
السؤال الأهم: كيف استطاع مرشح تقدمي، يتحدث بصراحة عن وقف المساعدات العسكرية لـ “إسرائيل”، أن يهزم آلة انتخابية تمتلك كل أدوات النفوذ التقليدية؟، الجواب يكمن في أربعة تحولات بنيوية:
أولاً: ترابط السياسة الخارجية بالهموم الداخلية. لطالما فصل الناخب الأمريكي بين السياسة الخارجية وقضاياه المعيشية. لكن ارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية، إلى جانب المشاهد المروعة للحرب على غزة ولبنان وإيران التي نقلتها وسائل التواصل الاجتماعي إلى كل بيت أمريكي، جعلت الأمريكيين يتساءلون: لماذا تُصرف أموال ضرائبنا على حروب خارجية بينما نعاني من ارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات؟ استغل السيد هذا الشعور بمهارة، وربط بين دعم “إسرائيل” وحرمان الأمريكيين من الرعاية الصحية والسكن والتعليم.
ثانياً: تنامي الوعي السياسي لدى الجاليات العربية والمسلمة. تحولت الجالية العربية والمسلمة في ميشيغان من كتلة تصويتية محدودة التأثير إلى قوة سياسية فاعلة. ففي مدن مثل ديربورن وواين كاونتي، سجلت نسب مشاركة قياسية، معبّرة عن رفضها للمساعدات العسكرية غير المشروطة لـ “إسرائيل”.
ثالثاً: صعود التمويل الشعبي مقابل المال السياسي، لم يعتمد السيد على المانحين الكبار، بل على آلاف التبرعات الصغيرة، وحشد أكثر من 10,000 متطوع. وهذا النموذج الجديد – القائم على التنظيم الشعبي والتواصل المباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي – أثبت فعاليته في مواجهة آلة المال السياسي التقليدية.
رابعاً: “سمية” العلامة التجارية لأيباك، لم يعد دعم أيباك للمرشح ميزة انتخابية، بل أصبح عبئاً. ففي استطلاعات الرأي، قال 48% من الناخبين الديمقراطيين إنهم “لا يمكنهم مطلقاً دعم مرشح تموله أيباك”. بل إن الكثافة الإعلانية الهائلة التي مولتها أيباك ضد السيد أحدثت مفعولاً عكسياً، حيث شعر الناخبون بأن أصحاب المال يحاولون شراء أصواتهم وفرض مرشحين لا يعبرون عنهم.
أيباك بين خيارين.. التخفي أو الانتحار السياسي
عقب الهزيمة في ميشيغان، وجدت أيباك نفسها أمام مأزق تاريخي. فأعلنت المنظمة أنها تدرس خياراً استثنائياً: دعم المرشح الجمهوري مايك روجرز في الانتخابات العامة لمنع وصول السيد إلى مجلس الشيوخ. وهذه الخطوة، لو تمت، ستكون سابقة في تاريخ المنظمة التي التزمت تقليدياً بدعم الديمقراطيين في الانتخابات العامة.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر كبيرة. فدعم الجمهوري قد يزيد من شرعية اتهامات السيد بأن أيباك “منظمة حزبية” تسعى لخدمة أجندة خارجية على حساب المصالح الأمريكية. كما أن فوز روجرز – المدعوم من دونالد ترامب – قد يضع أيباك في مواجهة مباشرة مع القاعدة التقدمية للحزب الديمقراطي، مما يعمق الانقسامات داخل الحزب.
وفي محاولة يائسة لتجنب وصمة العار، لجأت أيباك إلى استراتيجية جديدة: إخفاء بصمتها عبر تمرير الأموال من خلال جماعات وهمية لا علاقة لها بـ “إسرائيل” ظاهرياً. ففي إلينوي، أنشأت أيباك لجاناً بأسماء محلية مثل “انتخبوا نساء شيكاغو” و”شيكاغو بأسعار معقولة الآن”، وهي لجان تنفق ملايين الدولارات وتخفي أسماء مموليها، وتخفي اسم “إسرائيل” من إعلاناتها وتركز على قضايا محلية كالضرائب والهجرة.
وبحسب تقرير نشره موقع “بروسبكت” الأمريكي، فقد تم تحويل أكثر من ربع دولار من إنفاق أيباك المستقل إلى تسع لجان شراكة وهمية مختلفة. وتكشف وثائق لجنة الانتخابات الفيدرالية أن صندوق “المشروع الديمقراطي الموحد” – الذراع السياسي لأيباك – كان بحوزته نحو 80 مليون دولار نقداً في نهاية يونيو 2026.
لكن هذه الأساليب، التي يرى منتقدون أنها تقوض شفافية الانتخابات، لم تنجح في إخفاء الحقيقة. فالناخبون أصبحوا أكثر وعياً، وبات اسم أيباك كافياً لإثارة غضبهم.
ماذا بعد؟ التحولات قادمة لا محالة
الأكثر خطورة على أيباك هو أن تحولات الرأي العام ليست مؤقتة؛ فالأجيال الشابة من الأمريكيين، التي تقود هذا التحول، تمثل مستقبل السياسة الأمريكية. ومع استمرار الحرب على غزة وتداعياتها الإنسانية، وتوسع رقعة الصراع إلى لبنان وإيران، من المرجح أن تستمر صورة “إسرائيل” في التدهور داخل الولايات المتحدة، مما يضعف تدريجياً القوة التفاوضية لأيباك.
فقد أثبتت انتخابات 2026 أن جرائم الحرب “الإسرائيلية” في غزة ولبنان وإيران – التي نقلتها وسائل التواصل الاجتماعي إلى كل بيت أمريكي – كسرت الصورة النمطية التي ظل اللوبي “الإسرائيلي” يروج لها لعقود. فحجم التوحش الذي مارسته آلة الحرب “الإسرائيلية”، ومشاهد الدمار والتهجير الجماعي، أحدثت انقلاباً كبيراً في نظرة الأمريكيين إلى الكيان الصهيوني. لم يعد بالإمكان تغطية هذه الحقائق بأموال الدعاية والإعلانات المضللة.
وعلى الرغم من كل مما تنفقه أيباك من أموال لتحسين صورة “إسرائيل” في أمريكا، فإن الحقائق الفلسطينية كانت أقوى. فصورة الطفل الفلسطيني تحت الأنقاض، والأم الثكلى، والمدن المدمرة، كانت أكثر تأثيراً من ملايين الدولارات التي أنفقت على الإعلانات التلفزيونية.
في النهاية؛ ما حدث في ميشيغان ليس فقط هزيمة انتخابية لأيباك، بل هو إعلان عن نهاية عصر. عصر كان فيه المال السياسي قادراً على شراء الانتخابات، وعصر كان فيه الدعم الأمريكي لـ “إسرائيل” أمراً محسوماً لا نقاش فيه، وعصر كانت فيه السياسة الخارجية شأناً بعيداً عن هموم الناخب اليومية.
الدرس الذي تعلّمه المال السياسي في ميشيغان هو أن هناك حدوداً لما يمكن أن يشتريه. فالتنظيم الشعبي، والرسالة الواضحة، والصدق مع الناخبين، كلها تبقى أقوى من أي ميزانية انتخابية، مهما كانت ضخمة. وهذه هي الرسالة التي وجهها ناخبو ميشيغان إلى واشنطن: “كفى تدخلاً في إرادتنا، وكفى تمويلاً للحروب باسمنا، وكفى إهداراً لأموالنا في صراعات لا تخدم مصالحنا”.
فقد أثبت ناخبو ميشيغان أن الضمير الجمعي أقوى من المال، وأن الحقيقة أقوى من الدعاية، وأن التاريخ لا يُشترى. وهذا هو الدرس الأهم الذي حملته ليلة الثالث من أغسطس 2026 إلى واشنطن وإلى تل أبيب وإلى العالم أجمع.
