المغرب أمام أزمة الهجرة غير النظامية
بقلم توفيق المديني
تُعَدُّ الهجرة غير الشرعية مشكلة عالمية معاصرة، حيث يلاحظ أنَّ قارات العالم المختلفة تُعَانيِ بشكل أو بآخر من هذه المعضلة، مثل أوروبا، وأستراليا، وأمريكا الشمالية.
وعلى الرغم من حداثة مشكلة الهجرة غير الشرعية في إطار العلاقات الدولية، فإنّ الاهتمام بها من قبل السياسيين والأكاديميين والعامة قد زاد بشكلٍ ملحوظٍ منذ عقد التسعينيات من القرن العشرين، حيث أصبح عشرات الآلاف من الأفارقة والعرب يهاجرون على متن ما يعرف بقوارب الموت من الشواطئ الليبية والمغربية إلى السواحل الإيطالية والإسبانية. فقد دفع تأثير معضلة المهاجرين غير النظاميين إيطاليا إلى عقد اتفاقيات ثنائية بهدف الحدّ من تدفّقهم. فمعاهدة 2008 للصداقة والشراكة نصّت بصراحة على تنسيق وتعاون بين الطرفين في هذا الشأن.
تدابير أمنية لمواجهة دعوات عبور جماعي جديدة نحو سبتة ومليلية
أعلنت السلطات المغربية، اليوم الأربعاء12آب/أغسطس2026، اتخاذ “جميع التدابير الضرورية” للتصدي لدعوات جديدة إلى العبور الجماعي غير القانوني نحو مدينتي سبتة ومليلية الخاضعتين للاحتلال الإسباني في 15 آب/أغسطس الجاري، بعد رصد منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تحض على تكرار محاولات العبور التي شهدتها المنطقة نهاية تموز.
وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية المغربية رشيد الخلفي إن السلطات اتخذت إجراءات للتصدي لأي محاولة للعبور غير القانوني واعتراض كل من يسعى إلى المشاركة فيها. وأكد أن جاهزية الأجهزة الأمنية “ليست مرتبطة بموعد معين”، بل تأتي ضمن منظومة يقظة مستمرة، خصوصاً في المناطق القريبة من معابر سبتة ومليلية، مشيراً إلى تعزيز الإجراءات وتكييفها وفق تطورات الوضع والمخاطر.
وأوضح الخلفي أن وزارة الداخلية رصدت خلال الأيام الأخيرة منشورات ورسائل مجهولة المصدر عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحرض على تنظيم عمليات عبور جماعي، محذراً من أنها تنطوي على مخاطر على سلامة الأشخاص وتسعى إلى استغلال ملف الهجرة في أعمال تحريضية يجرّمها القانون.
وتأتي الإجراءات بعد أحداث 30 و31 تموز2026، حين قالت السلطات الإسبانية إن أكثر من 70 ألف شخص حاولوا العبور من المغرب إلى سبتة، قبل إعادة غالبيتهم. وعزت السلطات المغربية تلك الأحداث إلى انتشار معلومات مضللة بشأن حكم قضائي يتعلق بآلية ردع الهجرة غير النظامية
صعوبات تواجه عودة القاصرين المغاربة من سبتة
وفي إطار متصل، دعت الداخلية المغربية السلطات الإسبانية، إلى تحمّل مسؤولياتها، والعمل على تسريع إجراءات إعادة القاصرين غير المصحوبين، الموجودين بمدينة سبتة إلى أسرهم في المغرب، وتجاوز العقبات الإدارية والقضائية التي تؤخر هذه العملية، مؤكدة أهمية “آلية العودة الفورية” في تعزيز التدخلات الميدانية. وكان وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي طالب بعودة الأطفال والقاصرين المغاربة غير المصحوبين إلى وطنهم، مؤكداً حق الرباط في استعادة مواطنيها، بعدما جرفهم سيل الهجرة غير النظامية، يوم 31 تموز/يوليو الماضي، إلى مدينة سبتة التي تحتلها إسبانيا شمال المغرب، فقد سلّط، في الوقت ذاته، الأضواء على حجم التعقيدات القانونية والإنسانية والديبلوماسية التي تحيط بهذا الملف الشائك. وحمّل الوزير وهبي إسبانيا مسؤولية مصير هؤلاء الأطفال، مشدداً على أن بلاده ستطالب بعودتهم على المستويين القانوني والديبلوماسي، وأنها غير مستعدة للتخلي عنهم.
وفي المقابل، حرص وهبي على التأكيد أن متانة العلاقات التي تجمع الرباط ومدريد، وما بلغته من مستوى متقدم من التعاون والتنسيق، تقتضي إيجاد حل سريع لهذا الملف، باعتبار أن المكان الذي يمكن أن يضمن مستقبلاً أفضل لهؤلاء الأطفال والقاصرين هو حضن عائلاتهم ووطنهم والمدرسة، لا الارتماء في أتون الهجرة غير النظامية ومساراتها الخطرة، التي قد تحولهم إلى ضحايا لمختلف أشكال الاستغلال، سواء من طرف تجار البشر، أو المتربصين بالمهاجرين القصر، أو شبكات الاستغلال الجنسي.
وفي إطار متصل، دعت الداخلية المغربية السلطات الإسبانية، إلى تحمّل مسؤولياتها، والعمل على تسريع إجراءات إعادة القاصرين غير المصحوبين، الموجودين بمدينة سبتة إلى أسرهم في المغرب، وتجاوز العقبات الإدارية والقضائية التي تؤخر هذه العملية، مؤكدة أهمية “آلية العودة الفورية” في تعزيز التدخلات الميدانية.
وشدّدت الداخلية المغربية على أن مكافحة “الهجرة غير النظامية” وشبكات الاتجار بالبشر”، لا يمكن أن تقوم على جهود طرف واحد، مضيفة أن ذلك يقتضي تحمل مختلف الأطراف لمسؤولياتها والوفاء بالتزاماتها، في إطار تقاسم المسؤولية. وسجلت السلطات في سبتة، شكاوى عن تعرض قاصرين من الذين وصلوا خلال موجة عبور المهاجرين من المغرب في الأيام الماضية لاعتداءات جنسية، مع بلوغ مراكز الإيواء طاقتها الاستيعابية القصوى وحرص ناشطي المجتمع المدني على توفير مأوى لمئات الأطفال المشردين في الشوارع.
لقد جرت إعادة أعداد كبيرة من المغاربة البالغين الذين دخلوا سبتة أخيراً إلى وطنهم، لكن مدريد ما زالت حائرة إزاء ما يجب أن تفعله حيال القاصرين غير المصحوبين، الذين تقول أرقام رسمية إسبانية إن عددهم يبلغ 1342 قاصراً.
فالقانون الإسباني لا يعامل القاصر غير المصحوب معاملة المهاجر البالغ الذي يمكن أن يخضع لإجراءات الترحيل إلى موطنه الأصلي. وبمجرد تحديد شخص على أنه قاصر وغير مصحوب، تدخل سلطات حماية الطفولة على الخط، ويصبح مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل” عنصراً أساسياً في أي قرار يتعلق بمستقبله. ومن ثم، فإن وجود اتفاق إسباني – مغربي بشأن إعادة القاصرين إلى بلادهم لا يعني أن مدريد تستطيع نقلهم جماعياً إلى المغرب بمجرد صدور طلب من الرباط.
المغرب يرفضُ إنشاء مراكز إيواء للمهاجرين غير الشرعيين
رفضت المملكة المغربية بشكل رسمي تشييد أي “مساكن” آمنة للمهاجرين المُنحدرين من أفريقيا جنوب الصحراء الراغبين في الوصول إلى الضفة الشمالية من البحر المتوسط، الذين يُفَضِّلُون الاستقرار في التراب المغربي آملاً في بلوغ الحلم الأوروبي. وفي هذا السياق، وخلال لقائه في الرباط بنظيره الإسباني، جوزيف بوريل، عبّر وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، ناصر بوريطة، عن رفض المملكة لأي إجراء من هذا القبيل. وبحسب ما نقلته وكالة “إيفي”، فإنّ “الرباط ترفضُ بشكل قطعي إقامة مراكز لإيواء المهاجرين الأفارقة كبديل للفكرة التي كانت إيطاليا قد اقترحتها، المتمثلة في توزيع المهاجرين الذين يصلون إلى السواحل الأوروبية على الدول الأوروبية”. وقال الوزير المغربي إنّ “مقترح الأوروبيين بتوفير ملاجئ للمهاجرين في المغرب يبقى حلاً سهلاً، وله نتائج عكسية”.
وكانت صحيفة “غارديان” البريطانية قد نَقلتْ أنّ المجلس الأوروبي يدْعمُ بقوة فكرة تنْصيب ملاجئ خاصة بالمهاجرين الذين يستقرون في شمال أفريقيا، موردةً في قصاصة لها أن “هذا الإجراء من شأنه أن يَحُدَّ من تحرّك المهاجرين الذين باتوا يصلون إلى أوروبا بالآلاف، كما سيوفر لهم الحماية الضرورية، خاصة بالنسبة للأطفال والنساء”.
وعلى الرغم من محدودية الإمكانيات، ظلَّ المغرب حاضراً بقوة في تدبير ملف الهجرة غير النظامية وتدفقات المهاجرين الأفارقة، ولم يفلح في الحد من هذه المعضلة العابرة للقارات؛ إذ تزايد عدد الوافدين من جنوب الصحراء إلى المملكة، وباتَ يشكِّلُ تدفق أفواج المُهاجرين غير الشرعيين الرّاغبين في العبور إلى الضفة الأخرى هاجساً حقيقياً للأوروبيين. وكان رفض المغرب لمبادرة الأوروبيين متوقعاً، بحسب رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، الذي برّر ذلك بكون “المغرب دولة لها سيادة ولا يمكنه القبول بمبادرة خارجية قد تنطوي على المس بسيادته، خاصة وأن تشييد ملاجئ آمنة لحماية المهاجرين قد يعني من الناحية الواقعية والعملية توطين مواطني دول أخرى بالمملكة، كما أن تدفق المهاجرين عملية مستمرة لا تتوقف”.
و”إذا كان المغرب قد اعتمد سياسة جديدة بشأن الهجرة واللجوء، فلأن ذلك يرجع إلى البعد الإنساني، وإلى خيار مراعاة حقوق المهاجرين المتواجدين بالمغرب لتسوية وضعيتهم، وليس لجعل أبواب المغرب مشرعة في وجه تدفقات متتالية لن يستطيع وضعه السوسيو – اقتصادي تحملها على المدى البعيد” يقول الحقوقي المغربي.
وعلّق محمد بن عيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، الذي يهتم بظاهرة الهجرة غير الشرعية، على الموضوع في تصريحات لـصحيفة “العربي الجديد”، بالقول إنَّ رفض المغرب المقترح الأوروبي بإحداث مراكز لإيواء المهاجرين غير نظاميين على أراضيه ينسجم مع الطرح الإنساني والحقوقي. وأوضح بن عيسى بأن المرصد وقف ضد مثل هذه المبادرات، بسبب أن ذلك يدخل ضمن محاولات الاتحاد الأوروبي تصريف أزمة الهجرة والمهاجرين بحمولتها الإنسانية والحقوقية والاقتصادية والاجتماعية إلى دول الجنوب التي تعيش أزمات على المستوى الداخلي، وغير قادرة على توفير شروط العيش الكريم لشعوبها. وسجّل الخبير ذاته أن “إقامة هذه المراكز في بعض الدول أظهرت فشل مثل هذه التجارب، نظراً إلى كونها أشبه بمعتقلات وسجون تنعدم فيها شروط الحياة، وهي لا يمكن أن تكون حلاً لمعضلة تتطلّب البحث عن جذورها ومعالجتها”.
من جهته قال فريديرك لانش، الناشط الحقوقي في المغرب، لـصحيفة “العربي الجديد”، إن إقامة مراكز إيواء المهاجرين المنحدرين من دول أفريقية، والذين يعيشون بطريقة غير قانونية في البلاد، تعتبر فكرة بوجهين اثنين؛ الأول إيجابي والثاني له حمولات سلبية. وشرح المتحدث ذاته أن “المظهر السلبي في إقامة مثل هذه المراكز، يتمثل في المؤشرات العنصرية في حق هؤلاء المهاجرين، بل قد تشجع مهاجرين آخرين على التوافد بشكل أكبر على بلدان هذه المراكز أو الملاجئ”، أما المظهر “الإيجابي من هذه المراكز، لو أقيمت بالفعل، فإنها ستضع حدوداً واضحة بين المهاجر القانوني وغير النظامي، وستكون ثمة شفافية أكبر في التعاطي مع هذه الحالات واندماجها في المجتمع”. وأورد الناشط الحقوقي ذاته أن “القرار المغربي بخصوص رفض المبادرة الأوروبية قرار سليم وموضوعي ومسؤول، ويروم مصلحة البلاد بالدرجة الأولى، مراعياً في ذلك المزاج العام السائد، ومستحضرا التحديات التي استحدثتها تجربة السياسة الجديدة للهجرة واللجوء”. وطالب رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان الأوروبيين بأن “يحلوا مشاكلهم بأنفسهم، بدل تصديرها إلى دول جنوب حوض البحر الأبيض المتوسط التي بالكاد تعالج قضاياها والمشاكل الجمة التي تتخبط فيها”.
خاتمة
ولقد تجلّى الاهتمام بظاهرة الهجرة غير النظامية على عِدَّةِ مُسْتَوِيَاتٍ، ففي دول الاتحاد الأوروبي، أصبح الموضوع من القضايا المهمة في الانتخابات، إِذْ أنَّ المهاجرين وتأثيرهم الاجتماعي والثقافي يثير نوعاً من القلق بين سكان هذه البلاد. كذلك، فإنَّ الهجرة غير النظامية أصبحت تشمل أعداداً كبيرةً، وبصفة خاصة في الانتقال من أفريقيا جنوب الصحراء إلى أوروبا عن طريق ليبيا والمغرب، وكذلك من بؤر الصراعات المسلحة في بلدان الشرق الأوسط، وقد انعكس ذلك كله في إصدار تشريعات في بعض الدول الأوروبية، خاصة فرنسا، لتنظيم وتحجيم الهجرة، وضمان اندماج الأسر المهاجرة في المجتمع الفرنسي..
أثّرت مسيرة العولمة الاقتصادية على سرعة تدفقات رؤوس الأموال والمنتجات والأفراد، حيث زادت حُرِّيَةِ الانتقال لجميع هذه العناصر ولَكِنَّ بنسبٍ متفاوتةٍ، فقد أَدَّتْ السياسات الاقتصادية للعولمة النيو/ ليبرالية إلى عولمة حركة رؤوس الأموال والسلع، ولكنَّها لم تًؤَّدِ إلى عولمة حركة العنصر البشري بنفس الدرجة لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية، بحيث أصبحت الهجرة هماً للدول النامية يضاف إلى قائمة همومها الأخرى الخاصة بتدنّي نصيبها من حركة الاستثمار الأجنبي المباشر حول العالم، وتدنّي نصيبها من التجارة الدولية في السلع والخدمات، وعدم عدالة هذه التجارة بسبب معدل التبادل الدولي الذي لا يصب في صالحها.
