إقليميات

العدّ العكسي للاتفاق: إيران نَحوَ تَثبيت النَّصر.. وأمريكا أمام التراجُع وإسرائيل نحو النِّهاية

بقلم زينب عدنان زراقط

ونتنياهو هو الآخَرُ مقبل بدوره على استحقاق انتخابي وورقته فيه محروقة، لا يستطيع توسيع الحرب إلى ما لا نهاية، ولا يستطيع أن ينجو سياسياً من اتفاق أمريكي – إيراني؛ فالتسوية التي تنهي حروبه في المنطقة قد تبتر ذراعه العسكرية، وتسحب منه ورقة التصعيد، وتفتح الباب أمام نهاية مساره السياسي.

وبينما تراهن إيران على الوقت، تبحث واشنطن عن مخرج، وتحاول إسرائيل انتزاع مكاسبها الأخيرة قبل إغلاق نافذة التصعيد، تدفع طهران بالتسوية إلى ما هو أبعد من الملف النووي والعقوبات وهرمز، لتضع لبنان والجبهات المرتبطة بالصراع مع إسرائيل في صلب أي تفاهم مقبل، بما يفتح الباب أمام إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.

فإذا كان الوقت ينفد أمام واشنطن، ونافذة الحرب تضيق أمام نتنياهو، بينما تدخل إيران المفاوضات وهي تراهن على قدرتها على الصمود وربط الجبهات الإقليمية بالتسوية، فهل نحن أمام نهاية حرب فحسب، أم أمام لحظة يعاد فيها رسم ميزان المنطقة كله؟.

أولاً: إيران تراهن على الوقت وترامب يبحث عن مخرج

المشكلة بالنسبة إلى دونالد ترامب ليست أنه يفتقر إلى أدوات الضغط. الولايات المتحدة تملك القوة الجوية والبحرية والعقوبات والقدرة على استهداف البنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية. لكن المشكلة أن كل أداة ضغط أصبحت مرتبطة بكلفة أخرى.

فإذا استمرت الحرب، ارتفع خطر اضطراب أسواق الطاقة. وإذا بقي مضيق هرمز مغلقاً أو مقيداً، ارتفع الضغط على أسعار النفط وحركة التجارة العالمية. وإذا طال أمد المواجهة، أصبح من الصعب إبقاء آثارها خارج السياسة الداخلية الأمريكية.

وهنا تتحول إيران من مجرد هدف عسكري إلى عامل مؤثر في الاقتصاد العالمي. فالنفط ليس تفصيلاً في هذه الحرب. إنه إحدى أهم الساعات التي تقيس بها واشنطن كلفة استمرارها. كل ارتفاع في أسعار الطاقة يعني ضغطاً إضافياً على المستهلك الأمريكي، وكل اضطراب طويل في الإمدادات يهدد الأسواق، وكل أسبوع إضافي من الحرب يجعل الإدارة الأمريكية أمام سؤال سياسي يصعب تجاهله: هل ما تحققه القوة العسكرية يبرر الكلفة الاقتصادية والسياسية؟.

ولهذا فإن معركة مضيق هرمز ليست معركة بحرية فقط، وإنما معركة على الاقتصاد والزمن والقدرة على تحمل الحرب. النفط هو ساعة الحرب كلما ارتفع سعر النفط، اقتربت الحرب من التحول من ملف أمني خارجي إلى مشكلة سياسية داخلية أمريكية. وهذه النقطة تحديداً هي التي تمنح إيران ورقة تفاوضية لا تستطيع واشنطن تجاهلها. فإيران لا تحتاج إلى السيطرة على السوق العالمية. يكفي أن تكون قادرة على التأثير في استقرارها. ولا تحتاج إلى إغلاق الاقتصاد العالمي. يكفي أن تجعل المستثمرين يخشون احتمال حدوث ذلك.

فالأسواق لا تتعامل مع التصريحات السياسية فقط، وإنما مع المخاطر المحتملة. ولهذا فإن مجرد استمرار الغموض حول مستقبل مضيق هرمز يمكن أن يبقي علاوة المخاطر مرتفعة في سوق الطاقة. ومن هنا يمكن فهم الرهان الإيراني على الوقت. كل يوم إضافي لا تنتهي فيه الحرب هو يوم إضافي يمكن أن تتحول فيه الكلفة الاقتصادية إلى ضغط سياسي على واشنطن.

ولا يواجه ترامب ضغوط الحرب اقتصادياً وانتخابياً فقط، بل أمنياً أيضاً. فقد كشفت عملية أمنية سرية رافقت خروجه من تركيا حجم المخاوف المحيطة بالرئيس، بعدما جرى نقله سراً من “إير فورس وان” عبر شاحنة مخصّصة لخدمات الطعام إلى طائرة عسكرية أصغر، بينما أقلعت الطائرة الرئاسية نفسها كطائرة تمويه. وأفادت تقارير بأن وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت والمستشار ستيفن ميلر بقوا على متن الطائرة الرئاسية، إلى جانب الصحفيين وأفراد الطاقم، من دون علمهم بأن ترامب غادرها.

فالرئيس الذي يقود حرباً يفترض أنها تستهدف ردع إيران بات مضطراً إلى إخفاء موقعه، وتغيير طائرته، واستخدام شاحنة طعام ضمن عملية تمويه لتفادي تهديد محتمل وهنا تتحول المسألة من مجرد إجراء أمني إلى مؤشر على حجم القلق الذي تفرضه الحرب على البيت الأبيض، إذ لا ترتفع كلفة المواجهة على ترامب اقتصادياً وانتخابياً فقط، بل أمنياً أيضاً. فإيران لا تحتاج إلى تحقيق تفوق عسكري على الولايات المتحدة كي تضغط على ترامب؛ يكفي أن تجعل استمرار الحرب أكثر كلفة وخطورة وقلقاً من الذهاب إلى التسوية.

ثانياً: نتنياهو وورقته المحروقة… ماذا بعد إغلاق نافذة الحرب؟

نتنياهو هو الآخر واقع في مأزق الاستحقاق الانتخابي، وورقته محروقة في الاتجاهين. إذا وسّع الحرب، فإنه يخاطر بالدخول في مواجهة مفتوحة لا يضمن نتائجها، ولا يستطيع التحكم بكلفتها السياسية والعسكرية. وإذا قبل باتفاق أمريكي ـ إيراني، فلن يكون من السهل عليه تقديم الانسحاب الإسرائيلي باعتباره انتصاراً إسرائيلياً حتى لو دخلت أمريكا مكانه في لبنان.

فما دام الاتفاق الأمريكي – الإيراني لم يُحسم، يستطيع نتنياهو رفع سقف مطالبه، والضغط على واشنطن، ومحاولة فرض وقائع جديدة في لبنان والمنطقة. أما إذا أُغلق الاتفاق، فسيتغير هامش الحركة. عندها سيصبح السؤال أكثر إحراجاً: هل تستطيع إسرائيل تعطيل تفاهم أمريكي – إيراني من دون الدخول في مواجهة سياسية مع واشنطن نفسها؟، وهل يستطيع نتنياهو مواصلة الحرب إذا قررت الإدارة الأمريكية الانتقال إلى التسوية؟، وهل يمكنه رفض الاتفاق من دون أن يظهر أمام الناخب الإسرائيلي باعتباره الرجل الذي لم يستطع تحويل التفوق العسكري إلى تسوية تحقق أهداف الحرب؟، لهذا تبدو نافذة نتنياهو أضيق كلما اقتربت واشنطن وطهران من التفاهم.

ولهذا يمكن تفسير جانب من التصعيد في لبنان باعتباره محاولة لاستثمار الفترة السابقة على تثبيت أي تسوية نهائية. فما تستطيع إسرائيل فرضه بالقوة على الأرض قبل الاتفاق قد يصبح أصعب بعد الاتفاق.

– وهنا تصبح المعادلة الإسرائيلية واضحة: قبل الاتفاق: تثبيت الوقائع بالقوة.

– بعد الاتفاق: محاولة تحويل هذه الوقائع إلى التزامات سياسية.

وهذا يفسر تركيز إسرائيل على الجنوب اللبناني وسلاح حزب الله وشروط الانسحاب؛ فهي تدرك أن أي اتفاق أمريكي – إيراني قد ينقل واشنطن من منطق الحرب المفتوحة إلى إدارة التوازن الإقليمي، ما يقلّص هامش الحركة الإسرائيلي. لذلك تسعى إلى تثبيت أكبر قدر ممكن من الشروط في لبنان، وربط انسحابها بترتيبات أمنية تتصل بسلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني.

ثالثاً: لبنان وغزة في صلب شروط التسوية

طهران ثبتت قاعدة تفاوضية واضحة: لا اتفاق أمريكي – إيراني كاملاً إذا بقيت إسرائيل قادرة على استخدام لبنان كساحة مفتوحة للضغط على إيران وحلفائها. أما غزة، فعلى الرغم من أنها لا تُطرح بالضرورة باعتبارها بنداً ثنائياً مستقلاً في التفاوض الأمريكي – الإيراني، فإنها تبقى جزءاً من المشهد الإقليمي الذي تتحرك داخله التسوية. فالحرب في غزة، والجبهة اللبنانية، والملف الإيراني لم تعد مسارات منفصلة تماماً.

 قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي: “رسالة إيران واضحة: لن يُعاد فتح مضيق هرمز حتى تُنهي الولايات المتحدة الحرب والحصار، وتُفرج عن الأصول الإيرانية المُجمّدة، وتوافق على وقف إطلاق نار إقليمي شامل، بما في ذلك لبنان وغزة. وسيظل المضيق مغلقاً إلى حين استيفاء جميع الشروط”.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة مع تولي رضائي أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، باعتباره القائد السابق للحرس الثوري وأحد أبرز الشخصيات العسكرية والأمنية في إيران، وفي توقيت بالغ الحساسية تتداخل فيه المفاوضات مع واشنطن وأزمة هرمز والتصعيد الإسرائيلي في لبنان. ويعني وصول شخصية بهذه الخلفية إلى موقع مركزي في تنسيق القرار الأمني والاستراتيجي أن طهران تتعامل مع التسوية المقبلة باعتبارها أوسع من الملف النووي أو الاقتصادي، وتمسّ مباشرة قواعد الاشتباك الإقليمي، وفي مقدمتها لبنان وغزة.

ومن هنا تكتسب مسألة لبنان وزناً خاصاً في الحسابات الإيرانية؛ إذ تريد طهران أن يكون واضحاً أن أي اتفاق مع واشنطن لا يعني منح إسرائيل تفويضاً مفتوحاً لتحديد مستقبل لبنان، ما يجعل التصعيد الإسرائيلي في الجنوب أكثر من مجرد عملية عسكرية، بل محاولة للتأثير في شروط التسوية قبل أن تستقر قواعدها النهائية.

فيما المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية لا يمكن فصلها عن هذا المشهد وهي اختبار للمرحلة التالية. لبنان يريد وقف العمليات والانسحاب وعودة السكان وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار، بينما تحاول إسرائيل الحصول على ضمانات أمنية طويلة الأمد وربط أي انسحاب بترتيبات تتعلق بسلاح حزب الله. وفي المقابل، تنظر إيران إلى لبنان باعتباره جزءاً من التوازن الذي تريد تثبيته في أي اتفاق إقليمي.

وهنا تتقاطع ثلاث مسارات:

– المسار الأمريكي – الإيراني.

– المسار الإسرائيلي – اللبناني.

– ومسار مستقبل غزة والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

وأي محاولة لفصل هذه المسارات تماماً عن بعضها تبدو صعبة في ظل طبيعة الحرب الحالية.

وهنا تكمن خطورة تداخل المسارين: فإذا أدى الاتفاق الأمريكي – الإيراني إلى وقف التصعيد وانسحاب إسرائيلي تدريجي وعودة السكان وفتح باب إعادة الإعمار، فهذا يعني أن المسار اللبناني بدأ يدخل عملياً في مرحلة ما بعد الحرب. أما إذا واصلت إسرائيل فرض شروطها في لبنان، خصوصاً تحت عناوين الأمن وسلاح حزب الله، فقد يصطدم المسار الإسرائيلي – اللبناني بمسار التسوية الأمريكية – الإيرانية، بما يهدد بتحويل لبنان إلى ساحة اختبار حقيقية لمدى قدرة الاتفاق على فرض نظام إقليمي جديد.

في النهايةِ، إذا خرجت إيران من الحرب محتفظة بنظامها، وبقدراتها العسكرية الأساسية، وبقدرتها على تصدير النفط، وبعلاقاتها الإقليمية، وبقدرتها على فرض حضورها على طاولة التفاوض مع واشنطن، فإنها تكون قد حققت انتصاراً استراتيجياً، ليس لأنها تجنّبت الخسائر، بل لأنها منعت الحرب من تحقيق هدفها الأساسي. والأهم أنها تكون قد أثبتت قدرة محور المقاومة على الصمود، وحافظت على أوراقه الإقليمية، ومنعت خصومه من فرض معادلة جديدة بالقوة. وعندها يصبح أي اتفاق تتوصل إليه طهران تثبيتاً لنتيجة الحرب وتكريساً لمعادلة جديدة، لا تراجعاً عنها.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التصعيد الإسرائيلي في لبنان باعتباره جزءاً من سباق الساعات الأخيرة قبل تثبيت شكل التسوية، ويبقى السؤال المربك لنتنياهو: إذا أغلقت التسوية الأمريكية – الإيرانية باب الحرب، فأين سيهرب بنفسه من اليوم التالي؟ من استحقاقاته السياسية والقضائية، ومن حسابات المستوطنين، ومن جمهورٍ طالما بُنيت شرعيته السياسية أمامه على استمرار الحرب والتصعيد؟!.

ختاماً، الطريق بات أكثر وضوحاً، والوقت ينفد، فيما تدخل التسوية الأمريكية – الإيرانية عدّها العكسي. وإذا ما جرى تبلور الاتفاق، فإن أحد مخرجاته الأساسية سيكون إنهاء الوجود العسكري الأمريكي المباشر في المنطقة، وفرض مسار للانسحاب الإسرائيلي من لبنان وغزة، بما يفتح الباب أمام مرحلة إقليمية مختلفة. لكن العقدة الأخيرة تبقى: كيف سيقنع ترامب نتنياهو بقبول هذا المسار من دون أن يبدو أنه يتخلى عن الصورة العسكرية التي بنى عليها موقعه السياسي؟، وهل تستطيع واشنطن أن تتقدم إلى الواجهة، فتستبدل الدور العسكري الإسرائيلي بدور اقتصادي وسياسي، عبر الاستثمار وإعادة الإعمار والتنقيب عن النفط والغاز، بما يسمح بإخراج إسرائيل تدريجياً من لبنان من دون أن تبدو تل أبيب وكأنها خرجت مهزومة؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *