فضاءات فكرية

حضاراتٌ سادتْ ثم بادتْ ما بين القوّة والانهيار.. أسبابٌ موضوعية وسننٌ تاريخية حاكمة

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

والسبب يعود إلى وجود ضوابط ومعايير تاريخية ناظمة لا تتغير، ونواميس طبيعية حاكمة لا تتحول، خَضَعَ وسيخضعُ لها الجميع، حضارات ودول ومجتمعات، ولا محيد عنها البتَّة، فتأخذُ بيد هذا النموذج الحضاري إلى أعلى مراحل القوة وذروة النهضة والنجاح والانتصار والازدهار، ومن ثم تلقي به نحو وديان الاندحار والأفول، وقد يكون هذا الأفول تدريجياً بطيئاً كذبول ورقة في الخريف، وقد يكون سريعاً عنيفاً كسقوط بناءٍ هائل بفعلِ زلزالٍ داخلي أو خارجي.

وهذا ما سبق أن ذكره السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قده) في محاضراته ضمن كتاب “المدرسة القرآنية”، حيث أكّد أن للتاريخ البشري سنناً ونواميس موضوعية ثابتة لا تتبدل ولا تتحول، تماماً كالقوانين الطبيعية. واستند في ذلك إلى آيات قرآنية صريحة مثل قوله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾]فاطر: 43[،ليُثبت أن حركة المجتمعات والأمم تخضع لضوابط إلهية مطردة، وليست ذات حركة عشوائية فوضوية أو قائمة على الصّدفة واللا معنى.

تتميز هذه السّنن بثلاث خصائص رئيسية:

– الاطراد، فهي قوانين علمية متلازمة الأطراف.

الربانية، فهي تجسيد لإرادة الله وحكمته في تدبير الكون، وتربط الإنسان بربه دون قطع الصلة الموضوعية بين الأحداث.

الانسجام مع إرادة الإنسان، كما في قوله تعالى: ﴿إنَّ اللهَ لاْ يُغيّرُ مَاْ بِقَومٍ حَتّى يُغيّروا مَاْ بِأَنْفُسِهِم﴾] الرعد: 11[، فالإنسان يختار ويساهم في تحقق السنن دون أن يلغيها.

وتأتي السنن في ثلاث صيغ:

  1. القضيةُ الشرطية: تربط بين شرط وجزاء (مثل استقامة القوم كشرط لوفرة الرزق، أو فسق المترفين كشرط لهلاك القرية).
  2. القضيةُ النّاجزة: تخبرُ عن وقوع حتمي كاستخلاف الإنسان في الأرض.
  3. الاتجاهُ الطّبيعي المُوضوعي: مرنٌ نسبياً ويقبلُ التّحدي القصير الأمد، لكنه يحطّم المتحدي على المدى الطويل (مثل الدين كفطرة، أو العلاقات الطبيعية بين الجنسين). ويعدُّ الدينُ نفسه سنة تاريخية موضوعية، لا مجرّد تشريع.

sufirfan.org

بهذه الرؤية يربطُ الصّدرُ العلم بالإيمان، ويمكّن الإنسان من فهم حركة التاريخ والاستفادة من قوانينه لبناء مجتمع صالح، مؤكدًا أن السنن ثابتة أبداً.

وهذا ما يلاحظه كلّ باحثٍ أو مُستقرئ للتاريخ، إذ أنّ الحضارات التي نهضتْ وصَعدت ومن ثم تمكّنتْ وسادت على غيرها في مراحل تاريخية مختلفة، من بلاد الرافدين إلى وادي النيل وبلاد الشام وبلاد الأناضول، ومن حضارة الإغريق إلى حضارة الرومان العظيمة، ومن حضارات الشرق الأقصى إلى الممالك الإسلامية الزاهرة، كلها عاشت نهضة متصاعدة، وعلت عصور ازدهارها وتمجّدها، ولكنها واجهت -من ثم- كثيراً من التحديات الحياتية والوجودية، كشفت عن كثير من أمراضها لتبرز فيها عوامل التمزق والانهيار، مما يثبت أن العز والسؤدد الحضاري والبقاء الدائم في حالة الألق الحضاري لا يمكن أن يستمر، وهو ليس مكتسباً أبدياً لا يتحول ولا يتغير، بل هو مرحلة محددة وإنْ طال زمن وجودها الفاعل لمئات السنين، وحالة عابرة مؤقتة تتحقق بتوافر شروط معينة، وتتلاشى بزوالها أو اختلالها وتآكل قيمتها الذاتية.

وتتعددُ العواملُ التي تؤدي إلى انهيار الحضارات، فمنها ما هو داخلي ينبعُ من صميم بنية الحضارة نفسها في مجتمعاتها وتياراتها ومكوناتها، ومنها ما هو خارجي يأتي من المحيط الجغرافي والسياسي، وتناقضات المصالح، وتنابذ العلاقات بين المحاور والقوى الحضارية المختلفة.

وعندما نحللُ تأثير العوامل الداخلية على انحطاط الحضارات وسقوطها، سنجد أن أكثرها تأثيراً وأشدها خطراً هي تلك التي تتعلق بالأخلاق والقيم والتماسك الاجتماعي، حيثُ تبدأ الحضارة بالذبول حين ينتشر الاستبداد والفساد الإداري والمالي، وتفقد المؤسسات مصداقيتها وفعاليتها على أداء مهامها، وتتحول الدولة من كيان جامع للأمة إلى آلة قمع وجباية فقط؛ وهذا ما يدفعُ الناس إلى النفور والغضب والحقد على الدولة، وبالتالي يتراخى رابط الانتماء للوطن، وتزدهرُ الأنانية الفردية على حساب المصلحة الجماعية، وتضعفُ الروابط الأسرية والمجتمعية التي كانت تشكل النسيج القوي للحضارة في أوج عظمتها. ثم يأتي بعد ذلك الانقسام السياسي والصراع على السلطة بين الأجنحة والنخب والتيارات المتصارعة، فينشغل المجتمع بصراعاته الداخلية عن تأمين مصالح المجتمع والعمل على بناء المستقبل، وتُستهلك موارده في حروب أهلية ومناورات جانبية لا طائل تحتها، وتضيع الطاقات الإبداعية في غير ما يفيد، وهو ما ينطبق بوضوح على كثير من الحضارات التي انهارت بعد عصور من الوحدة والقوة، حين تشرذمت دويلاتها وتناحر أمراؤها وأغفلوا التحديات الأكبر التي تتهدّدهم من الخارج.

أما بالنسبة للعوامل الخارجية التي تساهم في زوال الحضارات، فتبرز في صورة غزوات وفتوحات وحروب مفروضة من جهات أخرى كانت أضعف حيناً ثم استطاعت أنْ تستغلَ لحظة الضعف والتفكك الداخلي، أو في صورة تغيرات مناخية أو بيئية عنيفة كالجفاف والتصحر والأوبئة التي كانت تضرب مناطق شاسعة وتقتل الملايين وتدمر الزراعة والاقتصاد، أو عبر تغيرات في طرق التجارة العالمية، وتحول مراكز الثقل الاقتصادي إلى مناطق أخرى، مما يؤدي إلى جفاف منابع الثراء الحضاري وتهميش المواقع التي كانت مزدهرة يوماً. ومن هنا نجد أن الحضارات ليست محصنة ضد الزوال بمجرد عظمتها العسكرية أو ثرائها المادي، بل هي بحاجة إلى منظومة متكاملة من العوامل المعنوية والمادية معاً، وما إن يختل هذا التكامل، حتى تبدأ مسيرة الانحدار التي قد لا تتوقف إلا بالسقوط الكامل أو بالتحول إلى كيان مغاير يختلف كثيراً عن صورته الأولى.

لكن المتأمل لهذه الظاهرة يدرك أن هناك نمطاً للحضارات يظل قائماً ومتجدداً على مر حركة التاريخ، وهو النمط المتجدد المستمد لقيمته من ذاته، وانسجامه مع قيمه، النمط أو النموذج الذي لا يقوم على القوة المادية وحدها ولا على الثروة والسلطان والعز المادي الفارغ القائم على أهواء حكامه وقادته، بل هو القائم على أسس أعمق وأثبت وأكثر رسوخاً وتجذراً، وأعني به حضارة العقل والعلم المتكامل مع وجود المعنى والغاية والمقاصد العليا. فهكذا حضارة تستمد قوتها من قدراتها الذاتية وقدرتها على النقد الذاتي والتجدد المستمر، ومن انفتاحها على الآخر دون خوف أو تكبر، ومن بحثها الدائم عن الحقيقة عبر مسالك المعرفة المختلفة، مع بقائها موصولة بجذورها الروحية والأخلاقية التي تمنحها البوصلة المحدِّدة لاتجاه النمو، وتحميها من الانزلاق نحو العبثية أو التدمير الذاتي. فالعقل وحده وإن كان أساسياً في بناء الحضارة، فإنه إذا انفصل عن الغاية والمعنى، تحول إلى مجرد أداة باردة يمكن استخدامها في الخير والشر على حد سواء، بل قد يصبحُ العقل في خدمة الدمار كما جرى في كثير من النماذج التاريخية حيث قاد العلم والتكنولوجيا إلى أسلحة الفناء بدلاً من أن يقودا إلى سعادة البشرية ونهضتها وازدهارها.

وكذلك العلم بمفرده وإن كان ضرورياً لفهم قوانين الطبيعة وتسخيرها لخدمة الإنسان في عيشه وتمكين وجوده، فإنه يظل ناقصاً (وبالتالي متعثّراً) ما لم يُسقَ بروح من الحكمة والهدف والغاية العليا، وإلا أصبحَ مجرد تراكم للمعارف دون أن يشكل رؤية متكاملة للإنسان والكون والحياة، وهو ما يشبه آلة دقيقة لكنها بلا سائق، أو خريطة مفصلة لكنها بلا وجهة.

إنّ الحضارةَ القوية حقاً – التي تبقى قادرة على الاستمرار في الزمان – هي تلك التي توفق بين ثلاثة أركان أساسية: العقل الذي ينير الطريق، والعلم الذي يصنع الأدوات، والمعنى الذي يعطي القيمة والغاية.

فالعقل يجعل الإنسان قادراً على التفكير النقدي والتساؤل والاستدلال، وينقذه من الانغلاق الجمودي والتقليد الأعمى، وهو ما ميّز الحضارات المبدعة في فترات نهضتها حين كانت الجدل الفكري مفتوحاً والمناهج البحثية متعددة، وحين كان السؤال قبل الجواب والاختلاف قبل الإجماع. والعلم يكفل للإنسان امتلاك القدرات والآليات العملية لفهم الطبيعة والسيطرة على المتغيرات والموارد المادية، فيؤمن له الغذاء والدواء والمسكن والمواصلات وكل ما تحتاجه الحياة الكريمة، لكن العلم إذا استبد وانفصل عن أسئلة المعنى أصبح سلاحاً ذا حدين، فأحدث التشوه البيئي والتفاوت الاجتماعي والروبوتات التي تهدد بإلغاء البشرية أو تدمير القيم الإنسانية، كما حدث ويحدث مع تطورات ما يسمى بالذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية التي تطرح إشكاليات أخلاقية ضخمة تحتاج إلى ما هو أبعد من الرياضيات والفيزياء.

أما المعنى والغاية فيمثلان البعد العميق الذي يربط الإنسان بوجوده في معناه وغايته النبيلة وتكامله الروحي والمادي، ويمنح حياته دافعاً يتجاوز الأكل والشرب والتكاثر، وهو ما يظهر في الفنون والآداب والأخلاق والأديان والتسامح والعدل، وكل ما يجعل الإنسان إنساناً لا مجرد كائن حي متطور. فحين تغيب الغاية، تفقد الحضارة روحها، وتتحول إلى جسد هائل بلا نبض، جميل المظهر لكنه فارغ المضمون، ناجح في حساباته لكنه فاشل في إسعاد أبنائه.

وإذا قارنا بين الحضارات التي انهارت وتلك التي صمدت أو تركّزت في محيطها، نجد أن الأكثر ديمومة هي تلك التي اهتمت ببناء الإنسان أولاً في فكره وعقله وتنمية قدراته، ورفعت شأن المعرفة وأولتها المكانة اللائقة بها، مع الاحتفاظ بمنظومة أخلاقية تكون حامية للفرد والجماعة في آن واحد.

وهذا ما نحن بحاجة إليه اليوم، حيث أن حضارة الغرب الحديثة التي طغت على كل شيء في حياتنا المعاصرة، ونالت نصيباً وافراً من التقدم التقني والمادي، بدأ يطرح أمامها الكثير من الهواجس والأسئلة الوجودية العميقة حول أزمة المعنى والغاية فيها.. فالفراغ الروحي والأزمة البيئية والتباين الطبقي، كلها أمراض لا يشفيها تطور العلوم والتقنيات.. والتكنولوجيا المتقدمة والديمقراطية الإجرائية لا تكفيان وحدهما لإعطاء الإنسان حياة ذات معنى.. وكنتيجة لبحث هذا الإنسان عن المعنى، نجد كيف يزداد الإقبال على الفلسفات الشرقية والتأملات الروحية، وتتضاعف الأبحاث في علم النفس الإيجابي والوعي الذاتي، وكأن الحضارة المعاصرة تبادر بإعادة الاعتبار إلى البعد المعنوي الذي أهملته لقرون بحجة العلمانية الصارمة.

وهذا يقودنا إلى اعتبار أن الناموس الطبيعي الحاكم الذي يزيل الحضارات لا يستثني الحضارة القائمة اليوم، فهي كغيرها معرضة لعوامل الانهيار نفسها، ولكن قدرتها على الصمود تكمن في مدى تجاوبها مع هذا الناموس، أي في مدى سعيها الدائم لتجديد نفسها وتصحيح مسارها والرجوع إلى الأسس التي منها انطلقت. فالجمود هو عدو الحضارة الأول، والتجديد هو سر بقائها، لكن التجديد هنا ليس تغييراً شكلياً زائفاً، بل هو تنقية للمنظومة الفكرية والأخلاقية وإعادة صياغتها بما يتوافق مع مستجدات العصر من غير تفريط في الثوابت. كذلك من مظاهر القوة الحضارية أن تعترف الحضارة بحدودها وتقرّ بعجزها عن الإجابة عن كل الأسئلة، مما يبقي عقول أبنائها في حالة من التواضع المعرفي الدائم، فيطرحون الأسئلة الأعمق ويظلون باحثين عن الحقيقة بدلاً من أن يقدسوا ما وصلوا إليه فيعتبرونه نهائياً، وهذا التواضع هو الذي ولّد أعظم القفزات العلمية في تاريخ البشرية حين أعلن العلماء جهلهم السابق واستعدوا لمراجعة المسلمات. وفي المقابل، فالحضارات التي انهارت كانت غالباً أسيرة لغرور القوة وادعاء الكمال، واحتقرت الأمم المجاورة وأغفلت تعلم منها، ونسيت أن لا حضارة تغني نفسها بنفسها، بل هي في حاجة دائمة إلى التغذية بالمعارف الوافدة والتبادل الثقافي، وإلا تحولت إلى حلقة مغلقة تكرر نفسها إلى أن تموت بالاختناق الذاتي.

إن الحضارات لها دورات زمنية حياتية، تولد وتنهض وتتعملق ومن ثم تبدأ بالأفول والانهيار والموت الأخير، وقد يكون موتاً فجائياً سريعاً أو بطيئاً ممتداً.. إنها تموت كما يموت الأفراد، لكن ما يبقى منها هو الإرث الرمزي والقيمي والعلمي الذي تتركه للأجيال التالية، وهذا هو الخالد في مسيرة الإنسان.. فالأهرامات والآثار والمعابد والأسوار والكتب والمخطوطات ما زالت تشهد على حضارات مادية كانت تعج بالحركة والعمل والبناء والتعبير عن ذاتها، والبحث عن غاية وجودها، لكن الحضارة الحقيقية ليست في الحجارة والتماثيل فقط، وإنما في الأذهان والقلوب التي تفكر وتشعر وتتساءل، وتتحمل مسؤولية وجودها. وكلما كانت هذه العقول شغوفة بالمعرفة منفتحة على المجهول متمسكة بالقيم الإنسانية النبيلة، كانت أقدر على الصمود وتحويل عوامل الضعف إلى منافذ لقوة جديدة. والسؤال الخالد الذي يجب أن تظل الحضارة تطرحه على نفسها هو: ما الذي نريد أن نفعله بهذا العقل وهذه المعرفة؟ هل نريد أن نبني جسوراً للتواصل والتفاعل؟ هل نريد أن نضيء الظلمات أم أن نزيدها ظلاماً باسم التقدم؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد في النهاية ما إذا كانت الحضارة ستزدهر لأجيال أم ستنتهي في كتاب التاريخ كما انتهت غيرها، لأن الناموس الطبيعي الحاكم لا يرحم الحضارة التي تنسى سؤال الغاية في انشغالها بوسائلها المادية، ونسيانها لأصل وجودها ومعناه الحقيقي.. وإنما يرحم من يظل متذكراً أن العقل والعلم إنما هما نوران يضيئان الطريق، لكن الطريق نفسه يحدده المعنى، وبدونه يظل الإنسان تائهاً في متاهات الإبداع، غنياً بالأدوات فقيراً بالوجهة، ويبقى السؤال المفتوح دائماً يحفز وعي الإنسان في حركة التاريخ، ويجعل الأمل قائماً في بناء حضارة إنسانية أرقى وأفضل ممكناً كلما استعدنا الاتزان بين أبعادنا المتعددة، بين العقل والروح، وبين الجهد الفردي والعمل الجماعي، وبين التمسك بالجذور والانطلاق نحو الأفاق العالية فكراً وعملاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *