ذكرى الحَادي عَشر من سبتمبر في عامِها الخامسِ والعشرين: درسٌ للحكمةِ والتّسامح أم أداة مستمرة لتأجيج الصراعات؟!
بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري
يصادفُ اليوم الجمعة (11 أيلول 2026) ذكرى مرور 25 عاماً على أحداث تفجيرات سبتمبر أيلول عام 2001م، حيث شاهد العالم كله بأم عينيه كيف ينهار رمزان من رموز القوة الأمريكية في بضع ساعات فقط. لم يكن ذلك مجرد هجوم إرهابي، بل كان زلزالاً سياسياً ونفسياً غيّر معالم الكثير من مستويات العلاقات الدولية إلى الأبد. واليوم، وبينما يتذكر العالم تلك الواقعة الدموية، يقف المرء متسائلاً: هل تعلمت أمريكا حقاً من دروس ذلك اليوم؟! أم أنها اكتفت باستغلال الذكرى لتأبيد خطاب سياسي يخدم مصالحها اللحظية على حساب الحقيقة والعدالة؟!.
لقد كانت أمريكا – قبل الحادي عشر من سبتمبر – تعيش في شعور زائف ومضلل بالأمان والاستقرار تستند فيهما على آلة عسكرية جبارة وقوة اقتصادية عملاقة.. والمحيطان الأطلسي والهادئ كانا خندقين طبيعيين يحميان هذا الشعور بالأمان من شرور العالم القديم كما يعتقد. لكن ذلك الصباح كسر كل القواعد. فقد استقل تسعة عشر شاباً، معظمهم من السعودية، أربع طائرات مدنية عملاقة، وحولوها إلى صواريخ موجّهة نحو أهداف مدنية وعسكرية. وفي غضون ساعات، لم يعد هناك برج تجاري، ولم يعد هناك ذلك المبنى الخماسي الذي يرمز للقوة العسكرية الغاشمة (البنتاغون)، بل صار هناكَ رمادٌ وألم وصور ظلت عالقة في ذاكرة الإنسانية جمعاء حتى بين صفوف من كان يعاني أصلاً من ظلم الأمريكيين وسطوتهم وقسوتهم.
لكن الأهم من الحدث ذاته هو ما تلا ذلك من ردود فعل. فأمريكا التي خرجت من الحرب الباردة وهي ترفل في ثياب النصر الوحيد، وجدت نفسها فجأة تواجه خصماً غير تقليدي، خصماً لا يحمل راية دولة، ولا يخضع لقوانين الحرب، بل يعيش في الكهوف، وفي الأحياء الفقيرة وفي العقول المريضة. كانت المفاجأة أنها لم تكن مستعدة لذلك البتة على الإطلاق على الرغم من كل الاختراقات الأمنية والعسكرية.
وعندما تهتز صورة الرجل القوي، يكون أول رد فعل طبيعي هو سلوك طريق الانتقام والثأر.. وهكذا كانت أمريكا في ظل قيادتها الجمهورية آنذاك.. فقد أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق “جورج بوش الابن” عن القيام بحملة عسكرية غير مسبوقة تحت عنوان وذريعة: “الحرب على الإرهاب”، وهي حرب بلا حدود جغرافية واضحة، ولا أهداف محددة، ولا معايير قابلة للقياس. فغزت القوات الأمريكية أفغانستان لإسقاط نظام طالبان الذي آوى أسامة بن لادن (مؤسس تنظيم القاعدة الجهادي وزعيمه)، ثم وسّعت الحرب لتشمل العراق بحجة امتلاك صدام حسين أسلحة دمار شامل، وهو ما ثبت لاحقاً عدم صحته، بل كان مجرد كذبة وتضليل خضع له الجميع في الأمم المتحدة تقريباً خوفاً من البطش الأمريكي المهدِّد دوماً بالعقوبات والحروب.
ويمكن القول هنا بأن تلك الحرب بقيت، في جوهرها، حرباً هوياتية أكثر منها حرباً سياسية. فأمريكا لم تكن تحارب تنظيماً معيناً بقدر ما كانت تحارب فكرة إسقاط كل من يفكر بمجرد تحديها، أو من يجرؤ على مسّ عروشها. وهنا تكمن المفارقة الكبرى، إذ أنه في محاولتها لاستعادة هيبتها، فقدت أمريكا جزءاً كبيراً من قيمها التي تدّعي الدفاع عنها. فمن الاعتقالات خارج القانون، إلى انتهاك سيادة الدول بلا قانون، إلى الاعتداء على حقوق السجناء في غوانتانامو، والتجسس على المواطنين، كلها كانت ثمن الهزيمة النفسية التي منيت بها في ذلك اليوم.
واليوم نسأل: ما الذي تغير في العقلية السياسية الأمريكية خلال خمسة وعشرين عاماً؟!..
في الواقع إذا نظرنا إلى العالم اليوم، سنجد أن الإرهاب لم يختفِ بل زاد كماً ونوعاً، وحدثت تغييرات في أشكاله وأدواته. فقد ظهرت تنظيمات متطرفة تناسلت من تنظيم القاعدة الأم، وبرز حضور تنظيم داعش ظهر في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين كنتاج غير مباشر للحروب الأمريكية في المنطقة، مستغِلاً الفوضى التي خلّفها الغزو الأمريكي للعراق. ويبدو اليوم تنظيم القاعدة –الذي كان الخصم الأول في الحرب على الإرهاب- مجرد ظل لما كان عليه. لكن الجديد هو أن الإرهاب أصبح أكثر انتشاراً وأكثر تفتتاً. لم تعد هناك قيادة مركزية واحدة يمكن ضربها، بل هناك خلايا نائمة وأفراد مستقلون ينفذون هجمات بأبسط الوسائل.
والمشهد السياسي الأمريكي نفسه لم يخرج سالماً من تلك التجربة. لأن الصدمة التي أحدثها 11 سبتمبر ساهمت في خلق حالة من الهستيريا الجماعية التي استغلها السياسيون لأغراض انتخابية. كما أصبح خطاب الخوف وسيلة ضغط فعالة، ومن يجرؤ على انتقاد سياسات الأمن القومي يُتهم فوراً بالخيانة أو التغاضي عن سلامة المواطنين. وفي هذا المناخ، أصبح من المستحيل تقريباً الحديث بعقلانية عن الجذور الحقيقية للإرهاب، ومن يتسبب به في طبيعة السياسات والأفعال على الأرض، وما تتعرض له الشعوب من انتهاكات ونهب وإفساد؟!.
هذا يعني بالمحصلة، أن الأسباب التي لم يتم التطرق إليها بجدية ووعي مسؤول.. ولهذا رأينا كيف تلهو في كل ذكرى، وسائل الإعلام الغربية بعرض صور الضحايا وتكريم الأبطال، وهذا حقهم المشروع. لكن النقاش الجاد حول أسباب الكراهية التي أوصلت تسعة عشر شاباً إلى التضحية بحياتهم لقتل مدنيين أبرياء مغايرين لهم ومختلفين عنهم، يظل غائباً أو على الأقل هامشياً. ونحن لا نتحدث هنا عن تبرير الإرهاب، حاشا وكلا، ولكن عن ضرورة فهمه وأهمية وعيه وإدراك مسبباته الجذرية. وكما يقول المثل الطبي: من يعرف سبب الداء يكون أقرب إلى العلاج.
إننا نعتقد أن السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط كانت، ولسنوات طويلة، مزيجاً من النفاق والازدواجية والدعم المطلق لإسرائيل، والتعامل مع الشعوب العربية وكأنها مجرد عبيد وبيادق في لعبة الشطرنج العالمية. فمن الانقلابات المدعومة أمريكياً، إلى الحروب والحصار المفروض على دول مثل إيران، وتكديس الأسلحة لدى حكام المنطقة فقط لقمع شعوبها ومنع التغيير الحقيقي.. كل هذه كانت تخلق حالة من الإحباط والإهانة التي يسهل استغلالها من قبل جماعات متطرفة. ولكن الاعتراف بذلك يعني الاعتراف بأن أمريكا ليست ضحية بريئة في كل الأوقات، وهذا أمر لا تستطيع المؤسسة السياسية الأمريكية احتماله.
ولو أننا قمنا بإجراء عملية جردة حساب حقيقية لما سمي بالحرب على الإرهاب، لن نجد سوى إقرار ميزانيات ضخمة ضُخَّتْ في المجمع الصناعي العسكري، مع سقوط آلاف القتلى بين الجنود الأمريكيين، ومئات الآلاف بين المدنيين في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن وإيران ولبنان.. دول دمرت بالكامل، مجتمعات مزقتها الحروب الطائفية، وأجيال كاملة عاشت في مخيمات اللاجئين. وفي المقابل، مزال الإرهاب قائماً وموجوداً يتغذى من العوامل السابقة، متحولاً إلى كابوس يومي في كثير من أنحاء العالم حتى الغربي منه.
لكن النتيجة الأخطر ربما هي التي حدثت على المستوى الفكري. فأمريكا التي كانت في نظر كثير من شعوب العالم منارة للحرية والديمقراطية، أصبحت اليوم رمزاً للنفاق والازدواجية وسيادة الهيمنة والتصرف بعقلية البلطجي.. فهي تتعامل مع القضية الفلسطينية وكأنها من مخلفات التاريخ، وتغض الطرف عن انتهاكات حلفائها، بينما تصر على تعليق أجراس الحرية في كل مكان لا يخدم مصالحها. هذه الصورة المتهاوية للاستثنائية الأمريكية تعتبر، في رأيي، أسوأ انتقام تلقته أمريكا من أعدائها. لأن الإرهاب يزدهر في بيئات الفراغ الأخلاقي والقيمي، وعندما تفقد الدولة العظمى مصداقيتها الأخلاقية، فإنها تفقد سلاحها الأقوى في مواجهة التطرف.
وبعد خمسة وعشرين عاماً، لم يتغير شيءٌ في مقاربة الإدارة الأمريكية لهذه القضية الجوهرية. فسواء كانت الإدارة المسيطرة على البيت الأبيض ديمقراطية أم جمهورية، فاللعبة تتواصل نفسها: تذكر الحادي عشر من سبتمبر لتبرير التدخلات العسكرية، وتذكر الحادي عشر من سبتمبر لتمرير قوانين تقييد الحريات باسم الأمن القومي، وتذكر الحادي عشر من سبتمبر لحشد الأصوات في الانتخابات. ولكن، هل هناك من يتحدث عن مستقبل العلاقة مع العالم الإسلامي بعيداً عن لغة القوة والحروب؟!..
إنّنا نتصور أنّ غياب الرؤية الاستراتيجية الحقيقية يدفع الجميع إلى دفع الثمن. فالأمريكي العادي يدفع ثمن هذه السياسات من خلال الضرائب الباهظة التي تذهب إلى الميزانية الدفاعية، بينما تتراجع الخدمات الصحية والتعليمية. والعربي والمسلم يدفعون الثمن بأرواحهم وباستقرار بلدانهم وبمستقبل أطفالهم.
من هنا، يمكن أن يكون أعمق دروس 11 سبتمبر هو أن القوة العسكرية وحدها لا تحمي دولة من أعدائها، بل إن العدالة والإنصاف وإعادة الاعتبار لمنطق القانون الدولي هو الدرع الحقيقي. حيث أنه عندما تكون سياسات الدولة عادلة وشفافة، وعندما تعترف بأخطائها وتصحح مسارها، فإنها تنزع السلاح من أيدي المتطرفين الذين يستخدمون الظلم كوقود لخطابهم التحريضي.
والخطوة الأولى نحو علاج حقيقي هي الاعتراف بأن الصراع ليس بين الحضارات، كما يحاول البعض ترويجه، بل بين سياسات ظالمة من جهة، وتطرف أعمى من جهة أخرى. والحل الوحيد هو تفكيك هذه المعادلة من الطرفين.
إن أمريكا بحاجة إلى مراجعة حقيقية لسياستها الخارجية، خصوصاً في منطقتنا التي أسهمت هي وحلفاؤها الغربيون في إسقاط شعوبها وتدمير مجتمعات والهيمنة على مقدراتها، بحيث تكون أكثر إنصافاً وأقل انحيازاً.. والعالم العربي والإسلامي بحاجة إلى مشروع نهضوي خاص به يعالج الفقر والجهل والقمع السياسي، وهي البيئات الخصبة التي ينمو فيها التطرف.
إن ذكرى الحادي عشر من أيلول ليست مناسبة للانتقام المعلّب أو الخطابات الجاهزة أو توجيه النقد الدائم للسياسات الأمريكية فقط.. إنها لحظة للتأمل الجاد في مسارنا الجماعي كشعوب ومجتمعات.. فالإنسانية، في النهاية، سفينة واحدة؛ حين يشتعل فيها حريق في أحد الأقسام، تنال النار من الكل. والسياسة الأمريكية بحاجة إلى نضج أكبر، وإلى شجاعة للاعتراف بالأخطاء، وإلى نظرة مستقبلية لا ترى العالم من خلال عدسة الخوف وعقلية النهب فقط. فالعبرة ليست في تذكر الموتى فحسب، بل في حماية الأحياء – كل الأحياء – من ويلات الحرب والكراهية التي لا تزيد العالم إلا احتراقاً.
دعونا في ذكرى هذه المناسبة الأليمة، نتوقف لحظة ونسأل أنفسنا: كيف يمكن أن تكون الذكرى الخامسة والعشرون مختلفة عن سابقاتها؟! هل سنظل عالقين في دوامة الانتقام والتخويف، أم سننضج أخيراً لنفهم أن السلام الحقيقي يبدأ بالعدالة، وأنه لا أمن لأمريكا في عالم يشعلها الحرائق؟ السؤال مفتوح، والإجابة تقع على عاتق قادة اليوم، لأن الغد ليس ملكاً لهم وحدهم، بل هو ملك لكل البشر، وليس ملكاً فقط لأصحاب عقلية الرجل الأبيض الغربي من أتباع نظرية صدام الحضارات، وفكرة نهاية التاريخ والمركزية الغربية..!!.
