إقليميات

أهم الجماعات الإرهابية في الجزائر وليبيا والساحل الأفريقي

بقلم توفيق المديني

وصارت الصوملةُ بمنزلةِ النموذجِ الجديد المتوقع أنْ يُسَيْطِرَ على تطور الأحداث القادمة في تلك المنطقة التي تضم الصحراء الكبرى والقرن الأفريقي. شرارةُ البداية جرَتْ أولاً في عام 1998، عندما ضرب انفجاران السفارتين الأمريكيتين في كل من كينيا وتنزانيا، ثم جاءت لاحقاً هجمات 11 سبتمبر 2001 التي استهدفتْ مركز التجارة العالمية في نيويورك، ومبنى البنتاغون في واشنطن.

هل تحولت منطقة الساحل الأفريقي إلى ميدان جديد لنشاط القاعدة؟

لقد كشفتْ أحداث11 سبتمبر 2001، عن هشاشةِ العالمِ المعاصرِ، وعن عجزِ الديمقراطياتِ الغربيةِ عن تأمينِ الاستقرارِ للعالم المنبثق من انهيار الإمبراطورية السوفياتية. فبسبب الاعتقاد الخاطئ المفرط من جانب الولايات المتحدة الأمريكية من أنَّها هي التي هزَمَتْ الاتحاد السوفياتي، بينما يعود هذا النَصْرُ في حقيقةِ الأمْرِ بالدرجةِ الأولَى إلى شُعُوبِ أوروبا الشرقية، وبسبب الغبطة المثيرةِ من التهديدِ السوفياتيِّ، والازدهارِ الاقتصادِي الذي رافقه، تًبَنَّتْ الديمقراطيات الكلاسيكية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، الأساطير المؤسسة لنهاية التاريخ والسياسة، المرتبطة بمقولة الكاتب الأمريكي من أصل ياباني “فرانسيس فوكوياما”، الذي  بنى شهرته العالمية على فكرةٍ أنَّ انهيارَ المنظومةَ  الاشتراكيةَ والاتحاد السوفياتي أنهى الصراعات الأيديولوجية وترك الديموقراطية الغربية الليبرالية وحيدة في الساحة.

 واعتبر أنَّ الديموقراطيةَ هذه هي المرحلة الأعلى في التطورِ الفكريِّ وهي النظام المثالي الأفضل “في عالم الممكن”. ولكنَّ سرعان ما أثبتَ الواقعُ أنَّ كلامَ فوكوياما عن نهاية التاريخ لا يستندُ إلى أساسٍ، وكان بين أول من حَمَلَ عليه مُعَلِّمَهُ صموئيل هنتنغتون صاحب نظرية “صدام الحضارات” الذي قال بِانْتِصَارِ الديموقراطيةِ، ولكنَّ التاريخَ لم يَبْلُغْ نهايتهُ. وجرى تطوير نظرية الصدام بين ما سُمِيَّ بـِ “الحضارة اليهودية – المسيحية” و”الحضارة الإسلامية”، وكذلك مع حضاراتِ الصين والهند. ورُبَّما أنَّه لأسبابٍ عديدةٍ بينها الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، انْقَلَبَ فوكوياما على الْمُحَافِظِينَ الْجُدَدِ وانتقد إدارة بوش الابن. وفي الانتخابات الرئاسية لعام 2008 أيَّدَ أوباما.

كانت الإدارة الأمريكية السابقة بزعامة الرئيس باراك أوباما تريدُ قلْبَ الاتجاهِ، من خلال إعلانها سحب القوات الأمريكية من العراق، والتركيزِ على حرْبِها ضِدَّ القاعدة في معقلها بباكستان، وتقديمِ خطابٍ جديدٍ (خطاب القاهرة 4 حزيران/يونيو2009) جوهره: أنَّ أمريكا ليستْ في حربٍ لا مع الإسلام، ولا مع العالمِ الإسلاميِّ.

في ظِلِّ الضرباتِ التي تَلَقَاهَا تنظيمُ “القاعدةِ” في العراقِ، بِفِعْلِ الدور الذي لعبته مجالس الصحوة هناك، عملت قيادات “القاعدة” على تأسِيِسِ مَلاَذَاتٍ آمنةٍ جديدةٍ في أفريقيا، ولا سيما في منطقة المغرب العربي، وبلدان الصحراء الكبرى، والصومال، حيث تمكنتْ التيارات السلفيةِ الجهاديِة من شَنِّ عملياتٍ ضد الولايات المتحدة الأمريكيةِ أو وكلائها في هذه المناطق.

يَجْمَعُ معظم المحللين العرب على أنَّ منطقةَ المغرب العربي تَحَوَّلَتْ إلى مسرحٍ حقيقيٍّ لنشاط تنظيم “القاعدة”، يشهد على ذلك العمليات النوعية التي يقوم بها “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي “في الجزائر خلال العقد الأول من الألفية الجديدةِ، والذي وسّعَ نشَاطَه ليشمل المناطق الممتدة من جنوب موريتانيا إلى السودان، مروراً بالبلدان الواقعة جنوب الصحراء الكبرى: مالي والنيجر والتشاد.

تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”

في سنة 2002، قدَّر الجنرال السابق عبد الرزاق معيزة قائد القطاع العسكري للعاصمة الجزائرية (1996 – 2000)، والذي تمحور حول الوضع الأمني في العاصمة سنة 1996، (وهو ضابط سامي بقيادة الجيش الوطني الشعبي مُكَلَّفٌ بملف مُكَافَحَةِ الإرهابِ)، عددَ الجماعاتِ الإرهابيةِ النشطةِ في الجزائر منذ سنة 1992 بـ 11 جماعةٍ إرهابيةٍ. واليوم تَنْشُطُ في الجزائر 6 جماعاتٍ تعتبرها السلطات الحكومية الجزائرية “إرهابية” في خطاباتها الرسميةِ والإعلاميةِ، رغم عدم إعدادها لائحة رسمية للتنظيمات الموصوفة بالإرهاب حتى الآن.

يُعَدُّ “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، أكبر تنظيم يحمل صفة الإرهاب في الجزائر، فالتنظيم مصنفٌ لدى دولٍ عديدةٍ أنَّه إرهابيٌ، نشأ عن “الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية”، التي وُلِدًتْ بدورها من رحم “الجماعة الإسلامية المسلحة”، التي كانت تسعى لإسقاط الحكومة الجزائرية وإقامة دولة إسلامية، لكنَّ تمَّ اختراقِ الكثيرِ من عناصرها ووفق شهادات ضباط في الجيش فرُّوا من الخدمةِ وبعضِ السكانِ فقد تعاونت هذه الجماعات مع وحدات في الجيش. اعتمدت “الجماعة الإسلامية المسلحة” العنفَ المسلحَ منذ عام 1992، وذلك كردِّ فِعْلٍ على إلغاءِ نتائجِ الدورة الأولى من الانتخابات البرلمانية التي جرت في ديسمبر 1991، والتي أظهرت فوز “الجبهة الإسلامية للإنقاذ”، أكبر أحزاب المعارضة الإسلامية. وما بين 1992و 1998، تبنتْ الجماعة عِدَّةَ عملياتٍ إرهابيةٍ ضد أهدافٍ مدنيةٍ في الجزائر وفرنسا وفي أحيانٍ، ارتكبت مجازر إبادة بحقِّ القرويين (انظر العشرية السوداء في الجزائر ومجزرة بن طلحة ومجزرة رايس). واسْتَعْمَلَتْ الجماعة الاغتيالات، وتفخيخ السيارات، وعمليات الاختطاف. تُعْتَبَرُ الجماعة حركةً إرهابيةً بالنسبة للحكومات الجزائرية والفرنسية. وتعاقب على زعامة (الجماعة الإسلامية المسلحة) أكثر الحركات الإسلامية تطرفاً في الجزائر مُنذ تأسيسيها وإلى غاية اندثارها اثنا عشر أميراً قُتِلَ أغلبهم في اشتباكاتٍ مع قُوَى الأمن والجيش.

وفي سنة 2006 أعلنتْ “الجماعة السلفية” انضمامها إلى تنظيم “القاعدة” الذي كان يقوده أسامة بن لادن، قبل أنْ تُسَمِّى في العام التالي رسمياً باسم “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”. ويقول التنظيم إنَّه “يسعى لتحرير المغرب الإسلامي من الوجودِ الغربيِّ – الفرنسيِّ والأمريكيِّ تحديداً – والموالينَ له منَ الأنظمةِ (المرتدةِ) وحمايةِ المنطقةِ من الأطماعِ الخارجيةِ وإقامةِ دولةٍ كُبْرَى تَحْكُمُ بالشريعةِ الإسلاميةِ”. ويَتَرَكَزُ نشاطُ هذا التنظيم الذي يقوده عبد المالك دروكدال المشهور بـ (أبو مصعب عبد الودود) في محافظات وسط الجزائر وخاصة الواقعة شرق العاصمة التي يقول خبراء أمنيون إنَّها المعقل الرئيس للتنظيم. وتمدَّدَ نشاط التنظيم بعد سقوط نظام العقيد القذافي في ليبيا عام 2011، نحو الساحل الأفريقي، وكذا تونس وليبيا شرقاً؛ حيث تنشطُ كتائب تابعة له في هذه الدول، ولا توجد أرقام رسمية حول عدد أعضائه.

فتنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” الذي تشكل في نوفمبر 2006، من خلال انضمام “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” الجزائرية ومجموعاتٍ إسلاميةٍ مُتشَدِّدةٍ مغاربيةٍ أخرى لـ “القاعدة” الْأُمِ، وأعلن مُبَايَعَتَهُ لزعيمها أسامة بن لادن، وسَّعَ نشاطه كي يشمل البلدان المغاربية، فضلاً عن جيرانها الأوروبيين كفرنسا وإسبانيا.

ولما كان تدويل العنف هدفاً مركزياً لأسبابٍ متعددةٍ، فقد استفاد التنظيم من عواملٍ جيوسياسيةٍ ولوجستيةٍ عديدةٍ، لكيْ يركز نشاطهُ العسكريِّ في بلدانِ الساحلِ الأفريقيِّ، مستغلاً حالة التراخي الأمني الموجودة في المناطق الصحراويةِ الممتدةِ في المثلثِ الحدوديِّ: الجزائر – موريتانيا – مالي – تشاد – النيجر.

“القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” وخفايا الحرب في الصحراء

في ظل الضربات التي تلقاها تنظيم “القاعدة” في العراق، واليمن، وأفغانستان، بفعل الدور الذي لعبته القوات المسلحة المحلية إضافة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية “سي. آي. إيه”، عملتْ قياداته على تأسيسِ ملاذاتٍ آمنةٍ جديدةٍ في أفريقيا، ولاسيما في منطقة المغرب العربي، وبلدان الصحراء الكبرى، والصومال، حيث تمكنتْ التيارات السلفية من شنِّ عملياتٍ ضد الولايات المتحدة الأمريكية أو وكلائها في هذه المناطق.

لقد أصبحتْ الفضاءات الواسعة لمنطقة الصحراء الكبرى وساحل غربي أفريقيا، المناطق المفضلة لنشاط تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، بعد أن تعرَّضَ لضرباتٍ موجعةٍ في المواجهاتِ الداميةِ مع الجيش الجزائري والأجهزة الأمنية، الأمر الذي دفع عناصر التنظيم إلى اللجوءِ إلى منطقةِ الساحلِ الأفريقيِّ خارج الحدود الجزائرية. وهناك أسبابٌ في تحوُّلِ نَشَاطِهِ هذا:

أولاً: إنَّ بلدان الساحل الأفريقي والصحراء الكبرى التي تضم كلاً منْ مالي، والنيجر وتشاد، وموريتانيا لا تمتلك قواتٍ عسكريةٍ متمرسةٍ على خوضِ الحربِ ضدَّ التنظيماتِ الإرهابيةِ، مثل الجيش الجزائري الذي يمتلك خبرةً واسعةً في هذا المجال. وتواجهُ دولَ الساحلِ أكبرَ التحدِّيَاتِ المتمثلةِ بالمساحةِ الشاسعةِ لهذه المنطقةِ التي ترْبُو على 660 ألف كيلومتر مرَبَّعٍ، إضافة إلى أنَّ المنطقةَ صحراويةٌ ووعرةٌ لها جغرافية معينة، تحتاج إلى دراسةٍ مكثفةٍ لمعرفة خباياها ونقاط تمَرْكزِ عناصر “القاعدة” فيها، وهو ما يُلزِمُ الدول المعنية بالبحْثِ عن طرُقٍ كفيلةٍ بمطاردة عناصر “القاعدة” وإيجاد مناطق تموضعها، لا سيما أنَّ كلَّ التقارير تُشِيرُ إلى أنَّ عناصر “القاعدة” لا تتَمَرْكَزُ في مكانٍ معينٍ، مستغلةٍ التمويهِ.

ثانياً: إنَّ تنظيم “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” الذي كان متمركزاً في منطقة القبائل الكبرى في الجزائر في بداية الألفية الجديدة، كان مكلفاً من قبل تنظيم “القاعدة” الأم بإنشاء مراكز له في منطقة الصحراء والساحل الأفريقي.

ثالثاً: منذ أنْ أعْلنَ تنظيم “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” انضمامهُ إلى تنظيم القاعدة الأم في 2 نوفمبر 2006، وغيَّرَ اسمه ليصبح تنظيم “قاعدة الجهاد ببلاد المغرب الإسلامي”، وتكرَّسَ ولاؤهُ لأيمن الظواهري الذي حمَّلَهُ بدوره شرف قيادة وتنسيق عمل القاعدة الأم في بلاد المغرب العربي، بعدما انضوى تحت لوائه باقي الجماعات الإسلامية المتشددة في البلدان المغاربية، والتي أجمعَتْ على التَكَاتُفِ والاتحادِ، توَقَعَ خبراء مكافحةِ الإرهابِ وقوعَ الأسوأ في منطقة الساحل الإفريقي والصحراء الكبرى.

رابعاً: خلال العقد الأول من الألفية الجديدةِ ضَاعَفَ تنظيمُ “القاعدة” من عملياته العسكرية في هذه الصحاري الشاسعة، التي تحولتْ إلى مناطقٍ خطيرةٍ جدّاً من العالم، حيث تتقاطعُ وتتشابكُ فيها مصالحَ الإسلاميينَ المتشدِّدِينَ، ومهرِّبِي المخدراتِ والسجائِرِ، والمهاجرين السرّيين، الذين يحمي بعضهم بعضاً. وذلك أنَّ الجَامِعَ بين نسيج هذه المنطقة كلَّها، هوية شعبها “العربي والطارقي”، ونمط حياةٍ بدائيةٍ، عمودها الماشية، مع نشاطٍ ضعيفٍ للأسواقِ المحليةِ، التي تعيش على البضائعِ المهربةِ من الجزائر في أغلب الأحيان. وتفتقرُ هذه المنطقة الشاسعة للمشاريعِ التنمويةِ، إضافة إلى أنَّها تعيش في ظل فراغٍ أمنيٍّ، حيث لا يوجد في تلك الأقاليمِ، ما يستدعي حضور أيّ حكومةٍ، وأغلب الأهالي يحتكمون إلى الأعرافِ الاجتماعيةِ التي كانت سائدةً حتى قبل الاستعمار، وإنْ احتاجُوا إلى تدخلِ الحكومةِ فهم من سيذهب إليها في بعضِ مراكزِهَا المتواضعةِ، في مدنٍ مثل (تمبكتو، وكيدال، وإيغدز) والمراكز التابعة لها.

أما الفسادُ الذي يرمزُ إليه السكان في تلك المناطق الصحراويةِ الشاسعةِ بقصصهم العجيبة، لا يستثني أي إدارةٍ في تلك الناحية، فإضافةٍ إلى الفقرِ الشديدِ الذي غيَّبَ الذمم، تذمر السكان، من توزيع فرصِ التنميةِ بشكلٍ غير متوازنٍ. فكل وزير، أو صاحب ولاية، يعتبر أنَّ ما يديره هو ملك شخصي له، وعلى من يريد نيل نصيبه أن يدفع “الرشوة.”

فقد شهدت منطقة جنوب الجزائر، والمناطق المتخمة مع موريتانيا، ومالي، والنيجر، خلال العقدين الماضيين مسرحاً لعمليات خطفٍ لسياحٍ غربيين، أصبحوا يشكلون مورداً جديداً ورئيساً لتدعيم تنظيم “القاعدة”، وهو ليس متوافراً في الشمال بسبب الإجراءاتِ الأمنيةِ المتشددةِ والناجحة في الجزائر. هذا الواقع امتد في الفترة الأخيرة إلى مالي، التي كانت ترفضُ الانخراط في الحربِ ضدَّ الإرهابِ خشية أنْ تتعرض للاستهداف من قبل تنظيم “القاعدة”، على الرغم من المساعدة اللوجستية التي تلقتها من فرنسا والولايات المتحدة.

كان قوس الساحل والصحراء مؤهلاً لتوسعِ مثل هذه الحركاتِ الإرهابية، لأنَّهُ يراكمُ العديدَ من نقاطِ الضُعْفِ: الانفجار السكاني وتدهور المناخ وانسدادِ الآفاقِ أمام البروليتاريا الرَثَّةِ الْحَضَرِيَةِ والشبابِ في الأريافِ الْمُهْمَلِينَ وتزَايُدِ وزنِ تهريبِ الأسْلِحَةِ والْمُخَدِّرَاتِ في مناطقٍ غير خاضعةٍ للرقابةِ، وما تواجهه الأنظمة القائمة من معارضةٍ، وانتشارِ الفسادِ، وعجْزِ قوَاتِ الأمْنِ أو عدَمِ وجُودِهَا أصْلاً وقصورِ الْجَيْشِ، وضُعْفِ الدولِ التي واجهتْ في وقتٍ أو آخر من تاريخها، خططِ إعادةِ هيكلةِ اقتصاداتِها وعدم قدرة هذه الدول على النهوض بهماتها السيادية.

 يتميز الإسلام الأفريقي الذي هو ضاربٌ في القدمِ، وهو في الغالب سني مالكي صوفي، تحت لواء فرق في كثير من الأحيان توفيقية. ولطالما تأثر بإسلام صارمٍ قادمٍ من السودان أو الشرق الأوسط، تشتم منه رائحة الموت مثلما هو الشأن بالنسبة إلى الفكر التكفيري. وفي سياقٍ اختفتْ منه الملاحم (القومية والاشتراكية والعروبية والفكر الوحدوي الأفريقي)، نشهد اليوم تطرف الإسلام أو “أسلمة التطرف” على حد تعبير الباحث السياسي الفرنسي أوليفييه روی مستنداً بالفكر التكفيري.

خاتمة

يبقى أنَّ التجنيد في الميليشيات الجهادية غير متجانس لا دينياً ولا عرقياً وهكذا، فإنَّ بوكو حرام، التي يسيطر عليها عرق الكانوري، لا تخلو من الهوسا والفولاني كما تجند المسيحيين. شغف بعض الشباب بالحركات الجهادية يعود إلى الرغبة في الهروب من عالم فاسد وفي الكفاح من أجل “التطهير” وفي التعبير عن رفض الإهانات الاجتماعية والسياسية.

بالطبع، تبقى البلدان الأفريقية أولى ضحايا العنف المسلح. والإرهاب يؤدي إلى تعزيز الحكم الاستبدادي والتحكيم لصالح الأمن على حساب الاستثمارات المنتجة وهو ما ينشئ دورة من العنف والفقر والتهميش وينسف وتزرع الخوف والتقوقع، كما تدمر النسيج الاقتصادي القائم والذي هو ضعيف بطبعه، وتنشئ مناطق يهجرها السياح والمستثمرون والمنظمات الإنسانية. الصراعات لا تؤدي إلا إلى زيادة عدد النازحين واللاجئين والمهاجرين الذين يصبحون لقمة سائغة للمافيات مثلها مثل النار فحسب، بل يمكن للتوترات أن تنتشر بسرعة كبيرة في بلدان الساحل الأفريقي الأكثر عرضة لتغلغل الحركات الإرهابية، حيث نشهد صعود السلفية في مواجهة الفرق الصوفية التقليدية، وتجنيد عدد من الصعب تحديده من الشباب في صفوفها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *