اليَمَن وبَاب المَندِب.. خَطَر يُهَدِّد الاقتِصَاد العَالمي والأَمن الإسرائيلي
بقلم زينب عدنان زراقط
مع دخول اليمن على خط المواجهة، إلى جانب جبهات المقاومة، لم يعُد إغلاق مضيق هرمز أو تهديد باب المندب مجرد تفصيل عسكري، بل ورقة قادرة على إعادة ترتيب حسابات الطاقة والتجارة والاقتصاد العالمي، وربما تحويل الضغط الاقتصادي والملاحي إلى عاملٍ حاسم في إنهاء الحروب العسكرية وفرض وقائع جديدة على أطراف الصراع.
حتى بات الاقتصاد يتحكم بالجبهات العسكرية، ويحدد مسارات التصعيد ومآلات المواجهة. فإلى أي مدى تستطيع دول الخليج تحمّل ارتدادات المواجهة، في ظل انتقال الحرب من الجبهات العسكرية إلى الموانئ والمضائق وخطوط النفط؟ وهل يتحول هرمز وباب المندب من أوراق ضغط عسكرية إلى مفاتيح اقتصادية قادرة على تغيير حسابات الحرب وفرض وقائع جديدة على أطراف الصراع؟
أولاً: من طوفان الأقصى إلى اتساع جبهات المواجهة
من امتداد حرب طوفان الأقصى الفلسطينية إلى حرب الإسناد للمقاومة اللبنانية وامتدادها للمواجهة المباشرة مع العدو الإسرائيلي، إلى الهجوم الصهيو/أمريكي على إيران، حتى تمرّد السعودية على اليمن وانتفاض قوات أنصار الله ضدّ احتلال آل سعود لمقدراتهم، منطقة الشرق الأوسط بأكملها في ساحة صراع ما بين المقاومة والهيمنة الأمريكية والامتداد الصهيوني.
ومما لا جدل فيه التداعيات المباشرة على دول الخليج وتقهقر ممالكهم وانقلاب الرأي العام للشعب ضد حكامهم، في ظل الاضطهاد للرأي العام وتسييس الإعلام وطمس صوت شعوبهم. واللافت ذكره البيان الصادر عن “المقاومة البحرينية” التي هددت السلطة لما تقوم به من عشرات الاعتقالات والاضطهادات ضد علماء دين شيعة بادعاء موالاتهم لإيران! وبدأت ثورة الشعب السوري على نظام الشرع إثر الاختناق الاقتصادي، ولما لاقوه من تمييز عنصري طائفي وما عاينوه من تسليم سلمي للاستباحة والاحتلال الإسرائيلي، بيد أن دول الخليج التي سارعت لاحتضان الشرع بأمرٍ من واشنطن لإطلاق المشاريع والاستثمارات والشركات المتنوعة، بقيت حبراً على ورق لانشغال كُلٍّ منها باقتلاع الشوك من يديها إثر ما لحق بها من أضرار لمشاركة أراضيها المستضيفة للقواعد الأمريكية العسكرية بانتهاك سيادة إيران وافتعال جرائم حرب. وعداك عن تحمّلها تبعات الحصار العسكري البحري الأمريكي المفروض على إيران وانتهاك واشنطن لبنود التسوية وإنهاء الحرب، وما نتج عنه من إغلاق مضيق هرمز، الذي طالت تداعياته تفاقم الاقتصاد العالمي وتحديات التجارة.
ثانياً: السعودية واليمن.. من الحرب إلى سلاح النفط والمضائق
أما السعودية التي “حكّت جلدها بيدها” وافترت على اليمن باعتداءات عسكرية مؤخّراً بإيعازٍ إسرائيلي، ما اتعظت مما اقترفته منذ 2015 بحربها الغوغاء على اليمن واحتلال مساحات شاسعة من أراضيه ونهب خيراته، وما سقط اليمن ونمت المقاومة الحوثية لتكون أعظم مثال للصمود والتطور، “وأعِدّوا لهم ما استطعتم”، ليسقط هذا الاحتلال الذي فُرِضَ منذ أكثر من عشر سنوات بظرف ساعات وأيام معدودة على أصابع اليدِ الواحدة، ليفرَّ آل سعود ومرتزقة آل نهيان، مخلفين وراءهم عتادهم من أسلحة وعتاد وآليات قدّرتها رويترز “بأكثر من 10 مليار دولار! وهذا أكبر تسليح في تاريخ اليمن”، عدا عن قتلاهم وما أُسرَ منهم.
ليُضاف على أزمة مضيق هرمز قطع خط أنابيب بترولاين السعودية وخروجه عن الخدمة، الذي كان البديل الوحيد للمملكة لتصدير النفط إلى البحر الأحمر وعبوره نحو الأسواق العالمية (ميناء إيلات – أوروبا – أمريكا)، وهذا ما أعلنه عضو المكتب السياسي في حركة أنصار الله محمد البخيتي: “نحن من قصفنا الأنابيب السعودية، حاصرنا السعودية وجعلنا تصديرها للنفط صفراً لأول مرة في تاريخها”. وهذا ما شكّل ضربةً قاسية لـ “وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان”، الذي استنجد بسيّده ترامب، فوجد همّ إيران وحدها أكبر منه وردّه خاليَ الوفاض. أمّا في المقلب الآخر، عندما استغاثت بإسرائيل، وبعد اجتماع قادة عسكريين أمريكيين وإسرائيليين وعرب عقدوا اجتماعاً سرياً في ألمانيا، كان شرطُ التطبيع أولاً. وهكذا يقع ابن سلمان ما بين فخ التطبيع وبين أبناء عمومته الذين يتربصون له من معتقلاتهم التي يحجزهم فيها للاستيلاء على عرش الملك.
وبكل الأحوال، اليمن له بالمرصاد، ونستشهد هاهُنا بما قاله السيد يوسف الموسوي، الأمين العام لحزب ثـأر الله الإسلامي في العراق: “رايةُ “أنصار الله” الحوثيين رايةُ هُدىً ونُصرةٍ للإمام المهدي تُرفَعُ شامخةً ويحملها أنصارُه من الحوثيين “أنصار الله” عند دخولِه مكةَ المكرمة إعلاناً لنُصرة الحق ووقوفاً إلى جانبه في مسيرته لإقامة دولة الحق والعدل الإلهي التي تملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً”. فلعلّه كان مُستبشراً بتحرير مكّة قبل تحرير القُدسّ!.
وفي المقابل تترقّب الساحة العراقية خروج القوات الأمريكية عسكرياً من العراق، وهو ملفٌّ تتابعه فصائل المقاومة العراقية بحذر، في ظلّ ما تعتبره نهايةً للوجود العسكري الأميركي ومآلاته على المشهدين الأمني والسياسي في البلاد.
ثالثاً: إيران في قلب المواجهة.. صمود وشروط بلا تنازلات
أمّا والآن، بعد أن استعادت قوات أنصار الله الحوثيين سيطرتهم على مضيق باب المندب، وهو المنفذ العالمي الثاني وعصبٌ آخر بأهمية مضيق هرمز، برميل النفط الذي ارتفع سعره إلى ما فوق الـ 100 دولار بإغلاق مضيق هرمز، وبدأت الصرخات تعلو: ما الذي سيحدث إذا ما قطع اليمنيون باب المندب وأغلقوه حتى تعقل أمريكا وتلتزم بشروط إيران؟! برميل النفط سيتجاوز فعلاً الـ 200 دولار، وهذا ما قاله سابقاً عضو المكتب السياسي لأنصار الله محمد الفرح: “باب المندب سيتحد مع هرمز، والنفط سيصعد إلى 200 دولار”، وذلك ما قد يُنذر بحدوث ركود اقتصادي عالمي.
ولغة إيران واضحة: لا تنازُلات أو مُساومات فيها، وهذا ما أكّده أمين المجلس الأعلى للأمن القومي اللواء محسن رضائي: “لا تنخدعوا بتصريحات الرئيس الأمريكي المتضاربة، من “لا مفاوضات” إلى “نحن مستعدون للحوار”. لقد تغيرت المخاطر المتعلقة بالنفط والمضيق. ولن يوقف احتواء الأضرار ما هو قادم. لا محادثات حتى يتم تلبية شروط إيران، نقطة انتهى”!.
وهذه الحقيقة التي باتت جليّة أمام مرأى العالم، فلا حصار اقتصادي ولا زيادة في العقوبات الاقتصادية، ولا حصار بحري ولا حتى اغتيال المرشد الأعلى والقادة العسكريين زعزع صمود إيران وثباتها، فالضربة التي لا تُسقِط تُثقِل المعدن. الحرس الثوري استهزأ بفخر الصناعات الأمريكية من الطائرات 35F- إلى عمق البحر حيثُ الغواصات الأمريكية، وكلها جرى عليها هندساتٌ عكسية وأضافت خبرة وقدرة أكبر على الردع.
رابعاً: واشنطن وإسرائيل.. حسابات الحرب ومآلات المواجهة
من الناحية العملية، كلما ضيّقت أمريكا الخناق الاقتصادي على المنطقة، اتسعت تداعيات المواجهة عالمياً، فيما يجد ترامب نفسه محصوراً بعدٍّ عكسي مع اقتراب الانتخابات النصفية. فبالعقل ما من منفذ أمامه سوى النأي بنفسه عن ميول اللوبي الصهيوني الذي يدفعه نحو الاستمرار بالنار، كي ينقذ نفسه، إن لم يكن عسكرياً، ليحظى بغنيمة اقتصادية من محاصصة على حصص النفط، وعلى سبيل المثال من بلوكات النفط الراكدة في لبنان. ويأتي في هذا السياق إقرار مجلس النواب الأمريكي للمرة الثالثة قراراً في إطار قانون صلاحيات الحرب، بأغلبية 220 صوتاً مقابل 204 أصوات، لإنهاء العمليات العسكرية ضد إيران من دون تفويض مسبق من الكونغرس، بما يعكس حجم الضغوط السياسية المتزايدة داخل واشنطن على استمرار الحرب.
وهنا إسرائيل سوف تُلجم دون الدعم الأمريكي المباشر، وتنسحب بين ليلةٍ وضُحاها، وهذا ليس من رسم الخيال، بل بصورة مطابقة لما جرى سابقاً بانتصار عام ألفين. ولكن حماقة العدو غالباً ما تطغى على المنطق العقلاني، واحتمال التصعيد يبقى وارداً، وسيكون كسابقته: مقاومة – صمود – تضحية – وردعٌ للعدو. ولا يمكن في هذه الحسابات إغفال الجبهة اليمنية، التي باتت مصدر قلقٍ إسرائيلي متزايد، خصوصاً مع اقتراب تأثيرها المباشر على ميناء إيلات، بما يحمله ذلك من تهديد لحركة الملاحة المرتبطة به، وتحويل هذا المنفذ الحيوي إلى نقطة ضغط إضافية في معادلة المواجهة.
حتى نتنياهو، الذي بات يقاتل بيوت السكان الجنوبيين اللبنانيين وحيداً – بإيجازٍ من الدولة اللبنانية – ما وجد إنجازاً يبيعه لمستوطنيه ما قبل استحقاقهم لانتخاب رئيس الكنيست سوى المبالغة بتصوير تلة علي الطاهر على أنها أهم وآخر منشآت المقاومة، بعد فشله بالقضاء على المقاومة، ومع ذلك يبقى واقفاً “على رجل ونصف”، مرتعباً من ظلال المجاهدين المتربصين خلف كل حجر ومدر، ولا يجرؤ على التمركز في قُرى الجنوب أو إعلان احتلالها.
في المحصلة، يبقى دخول اليمن إلى هذه المعادلة هو المفارقة الأبرز التي يصعب تجاوزها؛ إذ إن انتقال المواجهة إلى البحر والمضائق وخطوط الطاقة، مع ما يملكه اليمن من موقع استراتيجي وقدرة على التأثير في حركة الملاحة، يفتح مساراً جديداً قادراً على إعادة ترتيب موازين الصراع ورفع كلفة الحرب على خصومه.
وفي المقابل، تبدو محاولة السعودية تحويل مسار النقاش نحو اتهام اليمن بالاعتداء على مكة المكرمة، وما رافق ذلك من استدعاء للفتنة الطائفية واستثارة الغضب الإسلامي، محاولةً لتغطية فشلها العسكري والسياسي. وفي هذا السياق، لم يقصّر نائب وزير الخارجية عبد الواحد أبو راس في الرد، إذ قال إن “من أهدى كساء الكعبة المشرفة للمجرم إبستين هو من يستهدف مكة والمقدسات الإسلامية”، وإن “من فتح بلاد الحرمين للمجون وحفلات الترفيه، ومن دنّس بلاد الحرمين بتواجد اليهود الصهاينة فيها، هو من يستهدف مكة المكرمة والمقدسات الإسلامية”، مضيفاً أن “من تربطه علاقات خفية ومعلنة بالكيان الصهيوني المجرم هو من يستهدف الأقصى الشريف ومكة المكرمة والمقدسات الإسلامية”.
وهكذا، يختصر أبو راس جانباً من جوهر المواجهة، فالمعركة لا تدور على الجبهات العسكرية وحدها، بل تمتد إلى النفوذ والسيادة والممرات الاستراتيجية والمقدسات، وتتداخل فيها أوراق القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية. ومن هنا، فإن دخول اليمن إلى هذه المعادلة لا يمكن التعامل معه كتفصيل عابر، بل كعامل جديد يفرض نفسه على حسابات الحرب ومآلاتها.
فهل تتفاقم الأزمة الاقتصادية إلى حدٍّ يدفع بسعر برميل النفط نحو 200 دولار، أم أن التهديد اليمني للمضائق سيُلجم ترامب وإسرائيل، أم أن التصعيد العسكري اليمني قد يمتدّ إلى إسرائيل وميناء إيلات، بما يفرض معادلة ردع جديدة؟.
