الاعتداءات الصهيونية على لبنان
بقلم حسين عبد الله
لم يكن لبنان يوماً متروكاً لحاله من قبل العدو الإسرائيلي بل شكل على الدوام الأولوية في العقيدة العسكرية الصهيونية. فقد كان المفكر اللبناني الراحل منح الصلح يقول: إسرائيل تحكمها تجاه الجنوب اللبناني ثنائية: السيطرة والوصاية.
ومن هنا تبدأ حكاية العدوان المتواصل على لبنان.
منتصف ليل 30 -31 تشرين الأول، 1948 احتلت قوات العدو الإسرائيلي 15 قرية لبنانية مع أن لبنان لم يشارك سوريا والأردن في الحرب التي أعلنها العرب على الكيان بعيد تأسيسه واغتصاب فلسطين.
في ذلك الحين كشف الصهاينة مرة أخرى عن هويتهم الإجرامية في قرية حولا الحدودية اللبنانية، حيث ارتكبت قوات العدو الصهيوني مجزرة. عندما قتلت ما بين 34 و58 مدنياً لبنانياً بعد تجمّعهم في مبنى تم تفجيره بهم لاحقاً.
وتتوالى الاعتداءات فقد شهد لبنان خلال حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين العديد من الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية لحدوده وسيادته على الرغم من توقيع اتفاقية الهدنة عام 1949.
ففي 25 تموز 1950 أطلقت طائرة حربية إسرائيلية النار على طائرة مدنية لبنانية في الأجواء اللبنانية، ما أدى إلى مقتل راكبين وإصابة 27 آخرين. فيما سُجلت عشرات الخروقات والتوغلات الإسرائيلية الحدودية المتكررة ضد القرى الجنوبية ومصادر المياه وكانت مواجهات في نيسان 13 نيسان 1960 حيث نشبت مواجهات عسكرية بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي أُسر خلالها 4 جنود إسرائيليين وأُطلق سراحهم لاحقاً.
وفي 27 أيلول 1965 توغلت قوة إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، ونسفت منزلين ومحطة ضخ مياه، وقتلت امرأة مدنية. ومع أن لبنان لم يشارك في حرب حزيران 1967 إلا أن العدو احتل منطقة مزارع شبعا وغرب بلدة الغجر اللبنانية وارتفعت وتيرة الاعتداءات إذ قصف العدو بلدة ميس الجبل بالمدفعية في 14 حزيران في العام 1968 ما أسفر عن إصابة 56 مدنياً. وكان العدوان الأبرز في الغارة على مطار بيروت الدولي في 28 كانون الأول 1968حين نفذت وحدة كوماندوس إسرائيلية غارة جوية/أرضية استهدفت المطار، وتم تدمير 13 طائرة مدنية تابعة للخطوط اللبنانية
وفي أيلول من العام 1971، شنت قوات العدو هجوماً على القطاع الأوسط في المنطقة الحدودية. أما العدوان الأوسع فكان في 14 آذار 1978، حين غزت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان، بزعم طرد منظمة التحرير الفلسطينية ووقف إطلاق الصواريخ والعمليات عبر الحدود. وأطلقت على غزوها اسم “عملية الليطاني”، واحتلت قوات العدو منطقة في الشريط الحدودي وصلت حتى نهر الليطاني، وأسفر العدوان عن استشهاد نحو ألفي لبناني وفلسطيني خلال أسبوع واحد، وتشريد 250 ألف شخص.
وعلى إثر هذا العدوان أصدر مجلس الأمن الدولي قراره الشهير رقم 425 الذي دعا إلى الانسحاب الفوري للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان. وتم تشكيل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) ونشرها في جنوب لبنان. لكن العدو لم ينسحب وعزز احتلاله بالعملاء تحت اسم “جيش لبنان الحر” بقيادة الرائد سعد حداد وللمفارقة فإن مليشيا سعد حداد كانت مكونة في معظمها من عناصر من الجيش اللبناني شكلت في العام 1975 عندما تولى حنا سعيد ابن بلدة القليعة قيادة الجيش وكانت تُصرَف رواتب الجنود شهرياً من الدولة اللبنانية. وأعلن العميل سعد حداد فيما بعد قيام “لبنان الحر” ككيان انفصالي بتشجيع ودعم من العدو.
أما في حزيران في العام 1982، فقد اجتاح العدو لبنان مرة أخرى، ويقول الصحافي رفيق خوري رئيس تحرير جريدة الأنوار في مقابلة خاصة أجريتها معه في العام 2003 إن آرييل شارون وزير حرب العدو زار منطقة الأشرفية في كانون الثاني من عام 1982 والتقى بشير الجميل وتدارسوا في خطة اجتياح لبنان. واجتياح عام 1982 كان واسعاً واحتلت قوات العدو العاصمة بيروت.
وأدى العدوان الإسرائيلي واحتلال القوات المعادية العاصمة بيروت إلى ضمان انتخاب حليفها، بشير الجميل في آب1982، رئيساً للبلاد. ثم اغتيل الجميل في شهر أيلول، وانتُخب شقيقه أمين خلفاً له في وقت لاحق من شهر أيلول. وعقب اغتيال بشير، حاصر الجيش الإسرائيلي مخيَّمَي صبرا وشاتيلا للاجئين. وفي الفترة ما بين 16 و18 أيلول، وتحت حماية الجيش الإسرائيلي ووزير الحرب الإسرائيلي آنذاك، أرييل شارون، اقتحمت وحدة من ميليشيا القوات اللبنانية المخيمين واغتصبت وقتلت وشوهت آلاف اللاجئين المدنيين العزل. كما يقول صحافي أمريكي. وأسفر اجتياح 1982عن استشهاد نحو 20 ألف شخص، معظمهم من المدنيين، وفرضت القوات الإسرائيلية حصارًا مدمرًا على غرب بيروت لمدة ثلاثة أشهر، قاطعةً عنها الكهرباء والماء والغذاء.
وفي العام 1985، انسحب الجيش الإسرائيلي من معظم لبنان، لكنه استمر في احتلال حوالي عشرة بالمائة من جنوب لبنان، وتوالت الاعتداءات الصهيونية على لبنان من قصف وغارات وإبعاد مواطنين من الشريط الحدودي إلى أن توسع العدوان في تموز من العام 1993 حين شنّ العدو غارات جوية على مدى عدة أيام للقضاء على المقاومة وأحدث العدو تدميراً كبيراً في القرى والبلدات الجنوبية تحت عنوان عملية “تصفية الحساب” لكنه اضطر بعد فشل العدوان إلى الوصول بشكل غير مباشر مع المقاومة إلى تفاهم شفهي أطلق عليه تفاهم تموز يعترف بأحقية المقاومة بملاحقة جنود العدو ويمنع التعرض للمدنيين.
لكن بعد سنوات قليلة وفي العام 1996 جدد العدو عدوانه بشكل أوسع لبنان وأطلق عليه عناقيد الغضب وعلى الرغم من فداحة الخسائر في القرى والبلدات المستهدفة بالعدوان إلا أن رد المقاومة وتصديها البطولي للعدوان أجبر العدو على الرضوخ وتوقيع تفاهم مكتوب أطلق عليه تفاهم نيسان يعترف بشرعية المقاومة في مقاومة الاحتلال ويضع معادلة المدنيين مقابل المدنيين.
بعد تحرير جنوب لبنان في العام 2000 في حدث تاريخي غير مسبوق في لبنان والوطن العربي شهد الجنوب نهضة عمرانية كبيرة.
لكن في العام 2006 شن العدو حرباً أطلق عليها حرب لبنان الثانية، وترافق العدوان الجوي الإسرائيلي مع حصار بحري وغزو بري. وقاد حزب الله المقاومة مجدداً. وعلى مدار 33 يوماً، أسفرت الهجمات الإسرائيلية عن مقتل 1191 شخصاً في لبنان، معظمهم من المدنيين، وإصابة الآلاف. وأعلن العدو عن 158 قتيلاً، معظمهم من الجنود. ونزح نصف مليون شخص في لبنان، أي ما يقارب ثُمن سكان البلاد. كما ألحقت الطائرات الحربية الإسرائيلية أضراراً بالبنية التحتية في البلاد بقيمة 3 مليارات دولار، حيث سوّت قرى بأكملها بالأرض في جنوب لبنان، ودمرت مدارج الطائرات والطرق والجسور ومحطات توليد الطاقة ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي والموانئ ومحطات الوقود وأبراج الاتصالات والمصانع وصوامع القمح في جميع أنحاء البلاد. كما دمرت الغارات الجوية الإسرائيلية أحياءً بأكملها في الضاحية، وأطلق الجنرال الإسرائيلي المسؤول عن القيادة الشمالية، غادي آيزنكوت، على هذا المستوى من الدمار، الذي طُوّر ونُفّذ في حرب 2006، اسم “عقيدة الضاحية”. وقال: “ما حدث في حي الضاحية ببيروت عام 2006 سيتكرر في كل قرية تُقصف منها “إسرائيل”… سنستخدم قوة مفرطة ضدها (القرية) ونُلحق بها أضراراً ودماراً هائلين. من وجهة نظرنا، هذه ليست قرى مدنية، بل قواعد عسكرية”.. لكن على الرغم من هذا الهول الكبير من العدوان والدمار انتصرت المقاومة على العدو ما دفع العدو إلى تشكيل لجنة فينوغراد للتحقيق بسبب الهزيمة.
وأعلن الانتصار في 14 آب من خلال إعلان إنهاء الحرب وإصدار القرار 1701 عن مجلس الأمن الدولي والداعي إلى انسحاب “إسرائيل” من الأراضي اللبنانية ووقف الخروقات إلا أن العدو لم يلتزم، وأستمر بانتهاك السيادة اللبنانية جواً وبحراً وحسب التوثيق الرسمي اللبناني فإن الخروقات والانتهاكات الإسرائيلية بلغت أكثر من ثلاثين ألف انتهاك من العام 2006 حتى العام 2023
وفي صباح الثامن من تشرين الأول من العام 2023، واستباقاً لشن العدو الحرب على لبنان بعد شنه حرباً على غزة أعلن حزب الله حرب إسناد غزة، ومع أن حرب الإسناد بقيت في إطار المواقع الحدودية للعدو إلا أنه شن غارات في عمق لبنان واستهدف قياديين للمقاومة في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت وصولاً إلى استهداف قيادات فلسطينية في شمال لبنان وبعد اتصالات ومساعي دولية تم التوصل إلى وقف إطلاق النار في أيلول من العام 2024 لكن العدو لم يلتزم به وقام في 20 أيلول بجريمة العصر وهي تفجيرات البيجر في أيدي مقاومين وأطباء ومدنيين وهي تعتبر جريمة ضد الإنسانية لأنها سجلت سابقة في العالم وقد أدانت منظمات حقوقية ودولية هذه الجريمة الموصوفة. وكانت هذه الجريمة بداية لحرب شعواء شنها العدو على لبنان حيث شن طيرانه 1600 غارة على لبنان في يوم واحد أدت لاستشهاد المئات وجرح الآلاف وكان الحدث الأكثر حزناً لكل أحرار العالم اغتيال سيد شهداء الأمة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله وبعده الأمين العام لحزب الله السيد هاشم صفي الدين وقيادات في المقاومة.
واستمرت الحرب على لبنان 66 يوماً. وفي 27 تشرين الثاني، وافق العدو على وقف إطلاق النار بعد صمود بطولي للمقاومين في القرى والبلدات الأمامية وكان من المتوقع أن تنسحب “إسرائيل” من الأراضي التي احتلتها في غضون شهرين كما نص الاتفاق، لكنها احتفظت بالسيطرة على خمسة مواقع داخل لبنان وواصلت مهاجمة المدنيين وعناصر حزب الله في جميع أنحاء البلاد.
ونفذت قوات العدو عمليات التدمير باستخدام متفجرات مزروعة يدوياً وجرافات، وذلك قبل وبعد وقف إطلاق النار، في حين كان الجيش الإسرائيلي يسيطر سيطرة كاملة على المناطق – ودون وجود ضرورة عسكرية ملحة ظاهرة – “وهو المعيار المطلوب بموجب القانون الدولي الإنساني لتبرير تدمير الممتلكات المدنية أو الثقافية خارج سياق الهجمات”. كما قالت منظمة العفو الدولية.
وبناءً على ذلك، خلصت منظمة العفو الدولية إلى أن هذه الأعمال تنتهك قواعد القانون الدولي الإنساني المعمول بها، ولا سيما حظر تدمير ممتلكات الخصم وحظر تدمير الممتلكات الثقافية. ويجب التحقيق في أي عملية تدمير من هذا القبيل باعتبارها جريمة حرب إذا نُفذت عمداً أو بتهور.
وفي ربيع عام 2026، وخلال عمليته البرية، أنشأ جيش العدو خط سيطرة جديداً يمتد في بعض المناطق لمسافة تصل إلى 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وصولاً إلى نهر الليطاني. ووفقاً لمصادر عسكرية إسرائيلية والقناة 12 التلفزيونية، طبقت إسرائيل نموذجاً سبق استخدامه في غزة: حيث أُعلنت المنطقة الواقعة بين الحدود الدولية وما يُسمى بـ “الخط الأصفر” منطقة عسكرية مغلقة. وفق موقع ميدل إيست آي البريطاني.
ويضيف الموقع البريطاني أدى التوغل البري للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، بما في ذلك “الخط الأصفر” – وهي منطقة محظورة احتلت فيها القوات الإسرائيلية جزءاً من الأراضي اللبنانية – إلى قطع الطريق أمام عودة السكان إلى منازلهم في نحو 55 قرية. وقد تسبب تدمير وهدم قرى ومجتمعات بأكملها في تشريد مئات آلاف الأشخاص قسراً. وقد محا العدو معالم قرى وبلدات بأكملها في إطار سياسة صهيونية ممنهجة لإنشاء مستوطنات صهيونية وربما ما قيل سابقاً عن منطقة ترامب الاقتصادية على أنقاض 27 قرية وبلدة لبنانية وما يزال يمعن العدو تدميراً وحرقاً بالمناطق المحتلة. ومع ذلك كانت السلطة اللبنانية تتفرج لا بل منحت للعدو شرعية الاحتلال في اتفاق الإطار الذي وقعته معه ونص في مادته الـ 13 “انسجاماً مع هدفهما المشترك المتمثّل في إقامة علاقات مستقرّة وسلميّة، يلتزم إسرائيل ولبنان باتّخاذ إجراءات بحسن نيّة تعكس نيّاتهما الإيجابية، بما في ذلك وقف كل الأعمال العدائية أو الضارّة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية، والعمل على البحث عن الرفات وإعادته، والإفراج عن المحتجزين”.
وما يزال العدوان مستمراً على لبنان وما تزال المقاومة الوحيدة القادرة على مواجهة مخططاته…
يتبع
