بعد التصعيد.. مفاوضات أمريكية إيرانية في عمان.. الخيار العسكري ليس مضمون النتائج
بقلم ابتسام الشامي
عشية العدوان الاسرائيلي ضد الجمهورية الإسلامية في حزيران الماضي، لم تكن الديبلوماسية قد استنفدت أهدافها بعد لإعادة فتح قنوات الحوار بين طهران وواشنطن، لكن الأخيرة أعطت الضوء الأخضر لعدوان استمر اثني عشر يوماً من دون أن ينجح في تحقيق أهدافه..
ومع انطلاق عجلة التفاوض مجدداً، يستنفد الحشد العسكري الأمريكي قبالة إيران أهدافه من دون أن يؤثر في قرارها أو في إعادة ترتيب أولوياتها.
من تركيا إلى سلطنة عمان
بمعزل عما ستفضي اليه جولة المفاوضات الجديدة التي تستضيفها سلطنة عمان، فإن السادس من شباط لن يكون يوما عاديا في مسار العلاقات الأمريكية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فأصل انعقاد اللقاء جاء معبرا عن موازين القوى التي فشلت الولايات المتحدة الأمريكية في الاخلال بها لمصلحتها، وبعد أسابيع من محاولات هز الاستقرار الداخلي الإيراني عبر دعم مجموعات شغب ارهابية، كشفت التحقيقات صلاتها بالموساد وغيره من أجهزة الاستخبارات الغربية، وبعد حشود عسكرية أمريكية ضخمة، ومواعيد مفترضة لحرب مدمرة، وحملة اعلامية واسعة استهدفت التأثير في معنويات الشعب والقيادة، تراجعت واشنطن إلى خلف خطوط تماس المفاوضات، مفضلة توظيف ثقلها العسكري وحشودها الاضافية في المنطقة في المسار الدبلوماسي بدل اختباره في ميدان القتال، في خطوة خيّبت آمال المراهنين على التخلص من النظام الإيراني وفي مقدمهم كيان العدو.
جولة التفاوض التي يترأسها عن الجانب الإيراني وزير الخارجية د.عباس عراقجي وعن الجانب الأمريكي مبعوث الرئيس الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، فرضت إيران مكانها انعقادها، وبدلا من من تركيا كما كان مقررا وافقت واشنطن على طلب إيراني لنقلها إلى عُمان وذلك عقب تهديد طهران بالانسحاب من المحادثات، وفق ما كشفه تقرير في موقع أكسيوس الأمريكي، مشيراً إلى أن الأخيرة، تصرّ على “حصر النقاش بالملف النووي فحسب، في حين تسعى الولايات المتحدة إلى توسيع جدول الأعمال ليشمل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني وأنشطة وكلاء إيران في المنطقة”.
الطلب الإيراني بنقل مكان الجلسة من إسطنبول حيث كان مقرراً أن تنعقد المفاوضات بمشاركة وزراء خارجية أو مسؤولين كبار من قطر ومصر والسعودية وعُمان وتركيا، توقفت عنده أيضاً صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية بوصفه مؤشراً سياسياً، مشيرة إلى “رغبة الإيرانيين في نقل مكان وشكل الاجتماع، وحصره في الملف النووي فحسب، وهو ما أعاد فتح قضايا كان الأمريكيون يعتقدون أنها حُسمت قبل أيام”. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين غربيين وشرق أوسطيين أن هذه التحركات الإيرانية – في اشارة إلى طلب نقل مكان انعقاد الجلسة – “تعتبر من أساليب التفاوض المعتادة للإيرانيين.. وأن الوسطاء يسعون للتوصل لإصدار إعلان من الجانبين يؤكد التزامهما بالمسار الدبلوماسي ووقف الأعمال العدائية وخفض التصعيد”. وتعتقد الصحيفة أن المسار الدبلوماسي لا يزال متاحاً أمام الولايات المتحدة وإيران للتوصل إلى اتفاق على الرغم من بعض التصريحات الحادة والتوترات المتصاعدة في الخليج. لكن الصحيفة مع ذلك تعتبر أن الخيار العسكري لا يزال حاضراً على طاولة القرار الأمريكية، وفي هذا السياق نقلت عن سلام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد “تشاتام هاوس” في لندن، تحذيرها من احتمال “أن يفقد الرئيس الأمريكي صبره ويأمر بضربة عسكرية على إيران إذا لم توافق على التخلي عن برنامجها النووي”.
الخيار العسكري غير مضمون النتائج
على أن خيار العدوان العسكري على إيران وعلى الرغم من التلويح الأمريكي به من خلال حشد الأصول العسكرية الأمريكية قبالتها ليس خياراً مضمون النتائج وهو ما يفسر بالنسبة لكثير من الخبراء والمتابعين أسباب التراجع الأمريكي إلى الخيار الديبلوماسي، علماً أن هذا التراجع يؤثر في صورة الرئيس الأمريكي وفي “عزم” الإدارة وتصميمها وفق صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، التي نشرت مقالة للكاتب مارك أ. ثيسن تحت عنوان “الخيار الذي سيحدد مكانة الرئيس في التاريخ”. وبحسب الكاتب فإن تنفيذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لضربة ضد إيران تعد ضرورة وليست خياراً كما أنها “ستحدد مسار رئاسته، ومكانته في التاريخ الأمريكي”. ويشير ثيسن، وهو الكاتب الرئيسي السابق لخطابات الرئيس جورج دبليو بوش، إلى وجود مخاطر أكبر بكثير “للتقاعس” عن تنفيذ الضربة، تفوق مخاطر العمل العسكري، التي يدرسها ترامب بعناية. مشيراً من ضمن المخاطر التي تحدث عنها إلى “مصداقية أمريكا لدى الشعوب خصوصاً فيما يتعلق بتنفيذ وعودها وتحذيراتها”، محذراً من أن “فشل ترامب في الوفاء بتحذيراته الشديدة للنظام الإرهابي في طهران، سيقود إلى تكرار أخطاء أوباما وبايدن، وسيرسل رسالة ضعف ستتردد أصداؤها في جميع أنحاء العالم”. مضيفاً أن “مصداقية أمريكا تحققت بشق الأنفس، وإذا سمح ترامب الآن للنظام الإيراني بالإفلات من العقاب بعد تجاهله تحذيره بعدم ارتكاب مجازر بحق مواطنيه، ستتبدد هذه المصداقية”.
وإذ ينتقد ثيسن المسار الدبلوماسي ويرى أن “الاتفاق النووي سيتضمن شكلاً من أشكال تخفيف العقوبات، وبالتالي سيكافئ النظام الإيراني على تحديه لترامب “ويستدرك بأنه “على الرغم من أن إيران لا تستطيع إيقاف الجيش الأمريكي، إلّا أنها قادرة على إلحاق الضرر بالولايات المتحدة وإسرائيل على حد سواء”. في إشارة إلى اليد الصاروخية الطويلة للجمهورية الإسلامية الإيرانية التي خبرتها تل أبيب وواشنطن خلال عدوان الاثني عشر يوماً من حزيران الماضي.
ولعل ذاكرة العدوان التي انتهت بالرد الإيراني على استهداف الولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية بقصف قاعدة العديد الأمريكية في قطر، هي ما تدفع بعض المحللين إلى الدعوة إلى الاستفادة من العبر. فبحسب تقرير في مجلة “ناشونال إنترست”، فإن “الصراعات التي ظنت الولايات المتحدة أنها حُسمت في الشرق الأوسط لا تزال مشتعلة، وإن أي تراجع في الاهتمام الأمريكي قد يقوض الإنجازات التي أُنجزت حتى الآن، وخصوصاً الوضع في قطاع غزة”. وأشار التقرير إلى أن أبرز التحديات التي تواجه واشنطن حالياً يتمثل في الابتعاد عن أي حرب طويلة أكد الرئيس دونالد ترامب أنه يرفضها، وقال إنه يتعين على الإدارة الأمريكية إيجاد آليات لمتابعة ما تحقق من نجاحات عبر الضغط”.
لكن مايكل بيكلي في مجلة “فورين أفيرز”، نشر مايكل بيكلي يحذر في مقالة له من إفراط الولايات المتحدة في الاعتماد على نفوذها الذي بنته على مدار عقود. ويقول إن “هذا النفوذ أتاح هيمنة واسعة عبر العالم على مدار عقود، لكن توظيفه بشكل خاطئ قد يجر عواقب يصعب التعامل معها”، وقد يجلب استياء بعض القوى الكبرى.
ويرى الكاتب أن هذا الأمر قد يعني تعاظم التحديات الأمنية للولايات المتحدة، وربما يغري واشنطن بالتخلي عن دورها في إدارة النظام العالمي لمصلحة فرض سيطرة قسرية في محيطها، مستبدلة أشكال القوة التي تكونت عبر التجارة والتحالفات بأخرى قد تولد ردود فعل عكسية.
تل أبيب غير مرتاحة
وما بين التصعيد الأمريكي إلى الذروة والتراجع إلى خطوط المفاوضات، تعيش تل أبيب اللايقين من الموقف الأمريكي. وهي إذا حمّلت ويتكوف مطالبها إلى المفاوضات متمثلة بإنهاء البرنامج النووي وإخراج المادة المخصبة، وإيقاف برنامج الصواريخ البالستية ووقف دعم إيران حلفاءها، فإنها ليست مطمئنة لمسار المفاوضات كما أنها تتهيب الحرب وما يمكن أن يطالها من رد إيراني. في هذا السياق تقول صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية في مقال إن “قضية إيران التي تؤجلها الولايات المتحدة باستمرار أمر لا يمكن لإسرائيل أن تتجاهله”. وتضيف مع اقتراب تعزيز القوات الأمريكية في الشرق الأوسط من ذروته ينتظر العالم بأسره الإجابة عن سؤال مصيري واحد: “هل هذه الخطوة التكتيكية تهدف إلى إجبار إيران على التفاوض مع الولايات المتحدة من موقف ضعف، أم هي خطة إستراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية بشكل جذري من خلال إسقاط النظام في إيران؟”. أما صحيفة “هآرتس” فقد أشارت بدورها إلى أن نصف الإسرائيليين يفضلون عدم الانخراط في أي حرب أمريكية مقبلة مع إيران، حيث يرى 49% أن على تل أبيب عدم التدخل في أي نزاع محتمل إلا إذا هوجمت بشكل مباشر، فيما يفضل 44% التدخل مباشرة بالتنسيق مع واشنطن. وترى هآرتس أن الاستطلاع يظهر الانقسام الواضح بشأن المشاركة في أي هجوم محتمل على إيران.
خاتمة
عشية انعقاد جولة المفاوضات في العاصمة العمانية، كشفت إيران عن صاروخ خرمشهر 4 ذي القدرات التدميرية الكبيرة، سبقه رسالة قاطعة من المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإمام السيد علي الخامنئي بأن الحرب على إيران ستتحول إلى حرب إقليمية، هكذا تسير المفاوضات محفوفة بالتصعيد الأمريكي وتصعيد الرسائل الردعية الإيرانية.
