من البحر الأحمر إلى مجلس الأمن.. قلق صهيوني متصاعد من اليمن
بقلم نوال النونو
يتحرك الكيان الصهيوني في جميع الاتجاهات ليرسم الكثير من الخطط الاستراتيجية لمواجهة “أنصار الله” الحوثيين الذين ألحقوا خسائر اقتصادية كبيرة بالكيان جراء الحصار المفروض على ملاحته في البحر الأحمر خلال مرحلة الإسناد اليمني لغزة.
ويعد الاعتراف الصهيوني بما يسمى “أرض الصومال” أحد الأسلحة التي شهرها الكيان المؤقت أمام اليمن مؤخراً، فبناء قواعد عسكرية في هذه المنطقة التي تعاني من التشظي والتشرذم، يهدد بوضوح الأمن القومي اليمني، والأمن القومي العربي بشكل عام، ويجعل الكيان الصهيوني في موقع يسمح له بتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، بحكم قرب “أرض الصومال” من هذه الممرات الحيوية، كما يسهل له توجيه ضربات جوية سريعة وخاطفة على المواقع العسكرية للقوات المسلحة اليمنية، إضافة إلى التجسس وتحويل هذه المنطقة إلى منصة استخباراتية ضد اليمن.
وفي أكثر من خطاب له أكد السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي زعيم أنصار الله أن الوجود الصهيوني في “أرض الصومال” يهدف إلى إيجاد موطئ قدم “لإسرائيل” في المنطقة، وتفتيت دولها ضمن خطة أوسع لتغيير ما يسمى “الشرق الأوسط”، وأنه سيستخدم أرض الصومال كمنصة لأنشطة عدائية ضد الصومال والدول الإفريقية والعربية، بما يهدد أمن البحر الأحمر وخليج عدن.
ويعد السيد الحوثي هو القائد العربي الوحيد الذي أكد بكل وضوح أن أي محاولة صهيونية لبناء قاعدة عسكرية أو تمركز في “أرض الصومال” سيكون هدفاً مشروعاً لليمن، باعتبار الوجود الصهيوني يهدد الأمن القومي لليمن، وهو ما يستوجب على القوات المسلحة اليمنية التحرك بجدية لمواجهة هذا الخطر.
مما سبق، يتضح حجم الضرر الذي لحق بالكيان الصهيوني جراء العمليات اليمنية المساندة لغزة، والتي حاول الكثيرون التقليل منها؛ ولذا يتحرك الصهاينة لمواجهة اليمن بأساليب متعددة، منها الأسلوب العسكري، عن طريق انشاء قواعد عسكرية في “أرض الصومال” وبالأسلوب الدبلوماسي من خلال محاولة تشويه “أنصار الله” في مجلس الأمن الدولي.
وفي مشهد غير مألوف في قاعة مجلس الأمن، وقبل أيام، رفع المندوب الدائم “لإسرائيل” داني دانون، لوحة مكتوب عليها شعار “أنصار الله” أمام المندوبين، محاولاً صناعة رواية تستعطف الحاضرين، مشوهاً بذلك الأنصار الذين يرفعون شعار [الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل] ومعتقداً أن الشعار هو بمثابة “خطاب كراهية” لكن الحقيقة أن ما حدث يمثل فشلاً ذريعاً للدبلوماسية الصهيونية، واعتراف غير مقصود بأن هذا الشعار، الذي تهتف به الملايين في اليمن، قد أصبح أحد أكثر التهديدات النفسية والاستراتيجية إيلاماً التي تواجهها الدولة العبرية منذ عقود.
من مسرح الحرب إلى منبر الأمم المتحدة
وعلى مدى سنوات كثيرة، استخدم الكيان الصهيوني مجلس الأمن كمنصة لتسويق روايته، خصوصاً في العدوان على غزة، لكن التركيز الهستيري المتزايد على اليمن، وتحديداً على “الشعار”، يكشف عن تحول عميق في طبيعة التهديد، فهو ليس مجرد تهديد صاروخي من جماعة مسلحة بقدر ما يمثل أنموذجاً لمقاومة جديدة قائمة على عقيدة دينية صلبة، استطاع “أنصار الله” من خلالها اختراق الدرع النفسي لليهود الصهاينة بطريقة لم تفعلها الجيوش النظامية.
وإذا كانت التقارير الصهيونية تتحدث عن خسائر اقتصادية فادحة جراء العمليات اليمنية في البحر الأحمر، والتي أسفرت عن تعطيل تام لميناء “ايلات” الواقع جنوبي فلسطين المحتلة على البحر الأحمر، وعدم تمكن الميناء من العودة للعمل من جديد ولا سيما بعد توقف الحرب على غزة، فإن الصهاينة ينظرون الآن إلى اليمن باعتباره خطراً عقائدياً كبيراً، ويخشون من انتشار هذه العقيدة في المجتمعات العربية الأخرى.
وبالنسبة لليمنيين، فإن الشعار يمثل أهم المرتكزات للمشروع القرآني الذي أطلقه المؤسس الشهيد حسين بدر الدين الحوثي، الأخ الأكبر للسيد عبد الملك الحوثي، والذي قتله نظام الرئيس علي عبد الله صالح عام 2004، على خلفية هذا الشعار، ورفض الشهيد الحوثي وأنصاره تركه في المجالس والمساجد وخلال المحاضرات الدينية.
لقد دفع اليمنيون وتحديداً “أنصار الله” الثمن الباهض، وهم يواجهون حروباً شتى من قبل نظام علي عبد الله صالح، وقتل منهم الالاف، وهدمت منازل كثيرة، وشردت عائلات، واشتركت السعودية في قصف صعدة ومعاقل الأنصار منذ عام 2004م، ومع كل حرب، كان الشعار يزداد انتشاراً واتساعاً في اليمن، ويزداد معه الأنصار في كل محافظة وقرية وعزلة، حتى تمكن “أنصار الله” من السيطرة على السلطة في صنعاء عقب ثورة شعبية عام 2014م، ومن ثم قامت السعودية بتشكيل تحالف مكون من عدة دول، ونفذت عدواناً كبيراً على اليمن منذ عام 2015م وحتى 2022م، وخرج اليمنيون أكثر قوة وعزماً، وهم يدركون أن سر انتصارهم هو في الانتماء للمشروع القرآني، وفي العداء الواضح لأمريكا و”إسرائيل”.
ويرى الكثير من اليمنيين أن لجوء الكيان الصهيوني إلى مجلس الأمن بهذه الطريقة المسرحية هو إعلان إفلاس”، وهو يشبه صراخ لاعب خسر المباراة على الحكم، وهو دليل أيضاً على أن الأسلحة التقليدية للصهاينة سواء العسكرية أو الدبلوماسية عاجزة عن اسكات اليمن، وقواته المسلحة.
لقد خرجت “إسرائيل” من معركة طوفان الأقصى، وهي تعيش مأزق اليمن، وخطورة اليمن، وهو التهديد الذي لم يكن في الحسبان، وهو تهديد استراتيجي حقيقي للكيان، ويؤسس لمعركة مستقبلية ستكون كبيرة جداً، لا سيما وأن الكيان الصهيوني يعد بشكل متواصل لهذه المعركة، في حين يعلن أنصار الله وعبر قيادتهم أنهم يعملون ليلاً ونهاراً في الإعداد والجهوزية للمعركة المقبلة، وهم على قناعة تامة بحتمية هذه المعركة طال الزمن أم قصر.
