إقليميات

اغتيال سيف الإسلام القذافي وتداعياته على المشهد الليبي

بقلم توفيق المديني

حدث ذلك عقب اشتباك اندلع بين مجموعة مسلحة وأفراد القوة المرافقة له. وكانت قبيلة الزنتان العربية القوية أسهمتْ في تحرير منطقة الغرب الليبي، وبالتالي أسهمت في الزحف على طرابلس سنة 2011. وعبّرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، عن “استيائها البالغ” إزاء مقتل سيف الإسلام القذافي، ودعتْ إلى “إجراء تحقيقٍ سريعٍ وشفافٍ” في ظروف الحادث، فيما أعلنت مصادر قضائية تسليم الجثمان إلى أسرته تمهيداً لدفنه. وشدّدَتْ تصريحات البعثة الأممية على ضرورة “تقديم مرتكبي جريمة القتل للعدالة”، وطالبتْ جميع الأطراف بـ “ضبط النفس” و”اتخاذ تدابير حاسمة للحد من العنف” في البلاد. وأكّدت البعثة “الضرورة الأساسية للتوصل إلى حلٍّ سياسيٍّ شاملٍ للأزمة الليبية.

من هو سيف الإسلام القذافي؟

سيف الإسلام القذافي، المولود عام 1972، هو النجل الثاني للعقيد الليبي الراحل معمر القذافي من زوجته الثانية صفية فركش، حائزٌ على درجة الدكتوراه من كلية لندن للاقتصاد (LSE)، ولعب دوراً محورياً كمهندس للعلاقات الليبية مع الغرب في مطلع الألفية، حيث كان المفاوض الرئيسي في ملفات كبرى مثل تسوية قضية “لوكربي” وقرار ليبيا التخلي عن برامج أسلحة الدمار الشامل عام 2003. كما ترأس “مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية” التي قامت بمهام دبلوماسية موازية، بما في ذلك التفاوض لإطلاق سراح رهائن دوليين في عدة دول.

وكان نجل الزعيم الليبي سيف الإسلام الذي بدا أنه يُعِدُ نفسهُ لخلافةِ والده هو أول من دافع عن مشروع الإصلاحات السياسية من دون أن يذهب بعيداً بالاقتراب أو التعدّي على الثوابت الأساسية للنظام التي تقضي “بعدم المساس بالزعيم معمر القذافي وسلطة الشعب والدين”. ففي 20 آب/أغسطس2007، أعلن مشروعه الإصلاحي الذي احتوي على دعوة مُلِحّة لوضع دستور للبلاد وإطلاق خطة تنموية اقتصادية بقيمة 70مليار دولار وتحرير الصحافة من سيطرة الدولة وقيام مؤسسات مجتمع مدني قوي.

 وأصدر بعد ذلك جريدتي “أويا” و “قورينا” وأطلق قناة تلفزيونية تميّزت بتناولها ونقدها لمواضيع تهتم بالشأن المحلي والدولي في شكل غير معتاد للشارع الليبي الذي اعتاد على الإعلام الرسمي الحكومي. ولوضع هذه الإصلاحات قيد التنفيذ، دفع سيف الإسلام باتجاه تشكيل لجنة قانونية لمناقشة مشروع الدستور.

وقال الصحافي الليبي سليمان دوغة آنذاك: إنَّ “أحجار سيف الإسلام حرّكت ماءً ظلَّ راكداً لعقود ولم يترك ملفاً ساخناً إلا وضعه على الطاولة”. وأشار خصوصاً إلى إخراج السجناء السياسيين وكشف مصير المفقودين منهم وعودة كثير من المعارضين المقيمين في الخارج وإطلاق حوار مفتوح مع الإسلاميين الذين أطلق سراح عشرات منهم.

لكن في 20 آب/أغسطس 2008 أعلن سيف الإسلام انسحابه من الحياة السياسية في مفاجأة لمناصريه الذين اعتبروا خطوته “احتجاجاً على بطء المؤسسات الحكومية في تنفيذ المشاريع الإصلاحية”. فقد اصطدم مشروعه الإصلاحي بالمعارضة القوية من جانب التحالف بين أجهزة الدولة البيروقراطية ممثلة بما كان يسمى “اللجان الثورية” التي ينخرها الفساد والبرجوازية الطفيلية أو ما يطلق عليها بالقطط السمان، ممثلة بالمافيا الاقتصادية. وكان سيف الإسلام قد شدَّد على أنَّ معركة الدستور هي معركته، ومعركة كل الليبيين، قائلاً: “نحن نحتاج إلى دستور وإلى مرجعية أو قوانين.. ولا بد للدولة أن تقوم بإعادة النظر في كل هياكلها الإدارية والتنظيمية؛ لكن لا بد من إقحام الخمسة ملايين ونصف المليون ليبي في هذا موضوع، هذه ليست معركتي الشخصية كسيف الإسلام، هذه معركة الشعب الليبي كله”.

وكان مفترضاً أن يمهد الدستور لإجراء أول انتخابات عامة قبل الأول من سبتمبر 2009. لكن بعد أقل من شهر على تأكيده في تصريحه هذا، أنَّ مسألة سن دستور في ليبيا أمرٌ لا رجعة عنه، تبَدَّدت الآمال التي علقها الليبيون على تلك الحركة، إذْ حل ميقات تكريس الفكرة، وهو آخر شباط/فبراير 2009، ليتضح أن المشروع قد طوي مثلما طويت، في الفترة نفسها، وعود والده بتوزيع الثروة النفطية على الليبيين. وسرعان ما بات سيف الإسلام، الذي رأت فيه العواصم الغربية خليفة مقبولاً لوالده، يقضي وقته متنقلاً بين النمسا وسويسرا وليبيا وكرواتيا، وقال إنه يعمل على تأسيس مركز للأبحاث في الخارج. هكذا اختفى من المسرح السياسي، ولم يعد إلى الواجهة إلا بعد إطلاق عبد الباسط المقرحي، الذي كان مسجوناً في بريطانيا عقب حادثة طائرة لوكربي سنة 1988.

والحال هذه صرفت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا النظر عن موضوع الإصلاح السياسي في ليبيا، وسكتت عنه سكوتاً مريباً ربما لعدم وجود حلفاء تستخدمانهما في اختراق المجتمع من الداخل وتخشيان من ظهور قوى جديدة لا تعطي ما يعطيه الفريق الحالي المنهك من العقوبات الدولية والمحاصر بالملفات الجنائية. ولهذا السبب فإن الموقف الأميركي والأوروبي من الديمقراطية في ليبيا هو المحك على مدى صدقية رفع شعار الإصلاحات.

وبعد مقتل والده بشهر واحد في سنة 2011، تم اعتقال سيف القذافي في مدينة الزنتان “جنوب غرب ليبيا” وظهر عليه آثار الإصابات وتم قطع أصابع يده اليمنى. وصدرت بحقه مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية وحُكم عليه بالإعدام غيابياً في طرابلس سنة 2015. وظل محتجزاً لسنوات، قبل أن يُفرج عنه لاحقاً بموجب قانون العفو العام في سنة 2017.

وبعد الإفراج عنه عاد سيف الإسلام للظهور نهاية عام 2020، معلناً ترشحه للانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة عام 2021، في خطوة أعادت اسمه إلى واجهة الصراع السياسي، إلا أن الانتخابات لم تجر على الرغم من محاولات أممية لتوحيد الفرقاء على إطار دستوري. وكان سيف الإسلام قد أعلن آنذاك مبادرة تدعو إلى انسحاب جميع الشخصيات المثيرة للجدل من الترشح “دون استثناء”، أو إجراء الانتخابات “دون إقصاء” برعاية جهة محايدة، لتجاوز العقبات السياسية.

 وترتبط بسيف الإسلام علاقات واسعة داخل الزنتان، حيث رفضت المجموعات المسلحة تسليمه للسلطات الليبية أو للمحكمة الجنائية الدولية، على الرغم من صدور حكم بالإعدام بحقه عام 2015، وسط مخاوف من أن يتسبب مقتله في إعادة البلاد إلى دائرة الفوضى والصراع من جديد، إِذْ جاء مقتله في هذا التوقيت ليطرح تساؤلات حول المشهد السياسي والانتخابي في ليبيا كون المغدور به كان من المرشحين لرئاسة الدولة الليبية وتم قبول أوراقه رسمياً. ومع مرور أكثر من 14 سنة على انهيار حكم القذافي، قُتل أربعة من أبناء الزعيم الليبي الأسبق، كان آخرهم سيف الإسلام، والذي كان يُنظر إليه على أنه الخليفة المحتمل لوالده.

من هي الأطراف السياسية المستفيدة من مقتل سيف القذافي؟

تؤكد مختلف الأطراف السياسية الليبية أنَّ مقتل سيف الإسلام القذافي، يثير مخاوف في الداخل الليبي بشأن تداعيات هذا الاغتيال على المسار السياسي في البلاد، الغارقة في صراعات سياسية وعسكرية منذ سقوط نظام والده سنة2011. فقد أثار مقتل سيف الإسلام موجة من التساؤلات في الأوساط السياسية الليبية عن الجهات الأكثر استفادة من غيابه المحتمل عن المشهد، وسط حالة الانقسام والصراع المستمر على السلطة في البلاد.

يُعَدُّ مقتل سيف الإسلام القذافي إزاحة عنصر تنافسي مؤثر في خريطة الصراع السياسي، بما يتيح لبقية الأطراف هامشاً أوسع للمناورة، ومن أكثر الأطراف السياسية المستفيدة من غيابه خليفة حفتر، الذي يقود الحكومة الليبية الثانية في شرق ليبيا، لأنَّ التيارات التي كانت قد انحازت إلي سيف القذافي، ولا سيما أنصار العقيد القذافي سيضطرون إلى مناصرة خليفة حفتر تلقائياً أو سيواجهون أزمة داخلية قد تؤدي إلى تفكك صفهم.

 كان سيف الإسلام القذافي يشكل مركز استقطاب سياسي وقبلي لأنصار النظام الليبي السابق، الذين رَأَوْا في سيف الإسلام المنقذ الحقيقي للمشهد السياسي الليبي المتأزم منذ سنواتٍ عديدةٍ، ما يعني أنَّ اختفاءَهُ سيؤدي إلى تراجع كبير في تأثير أنصار العقيد القذافي. والحال هذه، يرجح الخبراء والمحللون الليبيون، كفة اللواء المتقاعد خليفة حفتر باعتباره الجهة المستفيدة محلياً، بالنظر إلى نفوذه وقدرته على التأثير في مناطق عدة منها الغرب الليبي ومدينة الزنتان.

وليس من قبيل المصادفة السياسية، أنَّ توقيت مقتل سيف الإسلام القذافي، جاء بعد أن أعلن كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، عن اجتماعٍ عُقِدَ في باريس يوم 28 كانون الثاني/يناير2026 بقصر الإليزيه عبر تنسيق فرنسي – أمريكي، وجمع وفدين ترأس أحدهما نائب قائد “القيادة العامة “الفريق أول ركن صدام خليفة حفتر، بينما ترأس الطرف الآخر المستشار بحكومة “الوحدة الوطنية الموقتة” إبراهيم الدبيبة. وقال بولس، في منشور عبر حسابه على منصة “إكس”، إنَّ اجتماع باريس الأسبوع الماضي، “يتماشى مع أجندة السلام الأوسع للرئيس ترامب”، مشدِّداً على أنَّ “هذه الجهود الليبية ضرورية لازدهار ليبيا وبناء اقتصاد مزدهر ومستقبل واعد لشعبها”.

ويرى الخبراء في قراءتهم للمشهد السياسي الليبي، أنَّ هناك “سيناريو دولي” يشير إلى وجود توافق بين القطبين السياسيين في شرق ليبيا وغربها، من أجل التخلص من سيف الإسلام بوصفه عقبة أمام العملية السياسية ومنافساً قوياً في الانتخابات. فقد استطاع سيف الإسلام خلال السنوات الأربع الماضية بناء قاعدة دعم ذات طابع قبلي وسياسي محدود، خصوصاً في أوساط الفئات التي تضررت أو فقدت نفوذها ومصالحها بعد سقوط النظام السابق. وفي السنتين الأخيرتين شهد الجنوب الليبي تنافساً متزايداً على النفوذ، حيث تحدثتْ تقارير عن تمتع سيف الإسلام بشعبيةٍ لا يستهان بها في تلك المنطقة، ما خلق حالة من التنافس السياسي والمجتمعي على الزعامة المحلية.

وفي ظل السرديات المتضاربة عن مقتل سيف الإسلام القذافي، يُجمع مراقبون على أنَّ الخطوة الأكثر إلحاحاً في الوقت الراهن هي إجراء تحقيقات شفافة تُنشَر نتائجها للرأي العام، مع ضمان الوصول إلى جميع الأدلة المحتملة، ومنها تسجيلات المراقبة وشهادات السكان المحليين، تجنباً لتكريس الروايات غير الدقيقة وبهدف محاسبة الضالعين في مقتله.

تداعيات مقتل سيف القذافي على المشهد الليبي

يمثل مقتل سيف الإسلام القذافي جريمة سياسية ذات أبعاد محلية ودولية، لأنَّ حادث الاغتيال جاء في سياق انقسام المشهد السياسي الليبي إلى حكومتين واحدة في الغرب والثانية في الشرق، وفي ظل وجود ميليشيات مسلحة، وصراعات قبلية وعشائرية، وغياب شبه تام لسلطة الدولة المركزية الفاعلة. وينطوي حادث الاغتيال على مخاطر جمة، قد تتمثل في إشعال توترات أو أعمال انتقامية من جانب جماعات لا تزال تحتفظ بروابط مع عائلة القذافي، لا سيما في إقليم فزان وأجزاء من غرب إقليم طرابلس، فضلاً عن تعميق الإحساس السائد بالإفلات من العقاب المرتبط بعمليات الاغتيال السياسي الممنهجة، وهي ظاهرة متكررة تقوض ما تبقى من ثقة في المؤسسات.

وفضلاً عن ذلك، سوف يعقّد حادث الاغتيال السياسي لسيف الإسلام القذافي “حالة التعايش الهش” بين الميليشيات المسلحة، حيث تؤدي عادة مثل هذه الأعمال العنيفة إلى إعادة إشعال دوامات من الثأر والانتقام، خصوصاً أنَّ الحوار بين القوى الرئيسية في الشرق والغرب يواجه صعوبات كبيرة، وهذا ما كشفه الاجتماع الأخير الذي استضافته باريس وضم ممثلين عن إقليمي طرابلس وبرقة، وانتهى دون التوصل إلى حلول ملموسة بسبب الانقسام بين حكومتين متنافستين، إلى جانب تدخلات تعيق توافق النخبة السياسية على خطوات جادة لإنهاء الأزمة والوصول إلى تسوية شاملة تقوم على إجراء الانتخابات.

ويبقى ردُّ فعل أنصار سيف الإسلام مرهوناً بكشف الجهة السياسية المحلية أو الدولية التي تقف وراء حادث الاغتيال، وفي حال تم الكشف عنها، فقد تتجه الأمور إلى مواجهاتٍ مسلحةٍ بدافع الانتقام، خصوصاً بين الفئات التي ترى في سيف الإسلام رمزاً وممثلاً لمصالحها.

خاتمة

هناك شبه إجماع لدى المحللين والخبراء الليبيين أنَّ مقتل سيف الإسلام يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل العملية السياسية في ليبيا، لا سيما أنَّ التيار المحسوب عليه كان أحد الموقّعين على ميثاق المصالحة الوطنية، ويمثّل شريحة لا يستهان بها داخل المشهد الاجتماعي والسياسي. كما أنَّ غيابه قد يُوَجِّهُ ضربةً قاسيةً لمسار المصالحة الوطنية في ليبيا، جرَّاء استمرار الانقسام الداخلي، وارتهان بعض الأطراف الليبية لقوى إقليمية ودولية، وهو ما يجعل الساحة الليبية مرشحة لمزيدٍ من تصفية الحسابات بين الميلشيات المسلحة، خصوصاً أنَّ استمرار حالة الفوضى وانتشار الميليشيات يمثلان واقعاً مريحاً لقوى إقليمية ودولية تسعى لتحقيق مصالحها بعيداً عن استقرار البلاد، ورفضاً لإعادةِ بناءِ الدولة المركزيةِ الوطنيةِ في ليبيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *