من النووي إلى الفضائح.. مسارات خفيّة تتحكم بالقرار الأمريكي
بقلم زينب عدنان زراقط
لم يكن تأجيل المناورة العسكرية المشتركة بين إيران وروسيا والصين حدثاً عسكرياً عابراً، بل إشارة سياسية محسوبة التوقيت والرسائل، التُقطت بدقة في كلٍّ من واشنطن وتل أبيب. ففي لحظة إقليمية دقيقة تتقاطع فيها احتمالات التصعيد مع مسارات تفاوض خرجت من السِّر إلى العلن، أرادت طهران أن تؤكد قدرتها على ضبط إيقاع المواجهة، ليس عبر استعراض القوة الصلبة، بل عبر إدارة ذكية لزمنها.
في المقابل، بدا المشهد الإسرائيلي أكثر توتراً وارتباكاً، مع تبلور مسار تفاوضي أمريكي كان يوشك أن يطيح بمطلبَين يُعدّان جوهرييّن للأمن الإسرائيلي: تقييد الصواريخ الباليستية الإيرانية ووقف دعم فصائل المقاومة. وبين مناورة مؤجلة، وتفاوض محصور بالملف النووي، وانكشاف هشاشة القرار الأمريكي أمام الضغوط الداخلية، يُعاد طرح سؤال جوهري حول طبيعة العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية: هل نحن أمام لحظة تصدّع حقيقية تدفع الدوائر الصهيونية، كلما استشعرت تهديداً استراتيجياً، إلى تفعيل أدوات ضغط خفيّة وملفات ابتزاز حساسة لإعادة توجيه القرار الأمريكي، وتعطيل أي مسار تفاوضي لا يخدم أولويات تل أبيب، ولو على حساب الانزلاق نحو التصعيد والحرب؟.
على مدى سنوات، شكّلت إيران العقدة المركزية في الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وكانت إسرائيل المستفيد الأول من سياسة الضغط القصوى، سواء عبر العقوبات أو التهديد العسكري. غير أن المشهد اليوم يبدو مختلفاً: نقاشات داخل الإدارة الأمريكية، تحذيرات من المؤسسة العسكرية، قلق أوروبي من تداعيات الطاقة، وتراجع واضح في الحماسة الإقليمية لأي حرب واسعة.
في اللحظةِ الراهنةِ، تقف العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، بكل ما تحمله من انعكاسات مباشرة على إسرائيل، عند مفترق حاسم تتقاطع فيه احتمالات الحرب مع مسارات التفاوض، في ظل تحولات إقليمية ودولية عميقة تعيد رسم موازين القوة. فبعد سنوات من التصعيد والتهديدات المتبادلة، بدأت واشنطن تعيد النظر في حساباتها، مقابل ثبات إيراني في معادلات الردع، وقلق إسرائيلي متصاعد من أي تسوية محتملة لا تُفضي إلى إضعاف القدرات الإيرانية الأساسية. فهل ستسمح تل أبيب لإيران أن تكون قوة إقليمية مُعترف بها؟.
من منطق الحرب إلى إدارة التفاوض
في هذا الإطار، بدأت معادلة المواجهة تنتقل تدريجياً من منطق الحرب الشاملة إلى حسابات الكلفة والنتائج. خلافاً للمراحل السابقة، لم يعد الحديث يدور عن حرب أمريكية – إسرائيلية مشتركة ضد إيران، بل عن احتمال ضربة أمريكية منفردة، مع سعي إسرائيلي لتحييد نفسها عن الرد الإيراني. هذا التحول يعكس إدراكاً إسرائيلياً متنامياً لكلفة أي مواجهة مباشرة مع إيران، في ظل قناعة راسخة بأن إسرائيل ستكون الهدف الأول والأكثر تضرراً، سواء شاركت في الحرب أم لم تشارك. في المقابل، أعلنت إيران بوضوح أن أي ضربة أمريكية ستُعدّ بداية حرب إقليمية شاملة، وأن الرد لن يكون محدوداً أو تدريجياً، بل سيطال مباشرة المصالح الإسرائيلية، باعتبارها القاعدة المتقدمة للنفوذ الأمريكي في المنطقة.
ولم يكن هذا التحوّل في الخطاب العسكري والسياسي معزولاً، بل استند إلى واقع ردعي فرضته إيران وأجبر واشنطن على إعادة التقييم. أظهرت التجارب السابقة أن الرهان على تفكك الداخل الإيراني أو إسقاط النظام عبر الضغوط العسكرية والاقتصادية لم ينجح. بل على العكس، أثبتت إيران قدرتها على الصمود، واحتواء الاضطرابات، والاستمرار في تطوير أدواتها العسكرية، ولا سيما الصاروخية، مع قدرة ملموسة على اختراق الدفاعات الجوية والوصول إلى أهداف حساسة. هذه المعطيات دفعت قطاعات داخل الإدارة الأمريكية والمؤسسة العسكرية إلى إعادة تقييم خيار الحرب، ليس فقط بسبب كلفتها العسكرية، بل بسبب تداعياتها الاقتصادية العالمية، من إغلاق محتمل لمضيق هرمز، إلى استهداف القواعد الأمريكية، وتعطّل إمدادات الطاقة، وهو ما لا تستطيع واشنطن ولا حلفاؤها تحمّله.
وعلى قاعدة هذا الردع، انتقلت طهران إلى إدارة الرسائل السياسية بعناية، مستخدمة التهدئة المحسوبة كأداة تفاوضية. في خطوة لافتة، أعلنت إيران تأجيل المناورة العسكرية المشتركة التي كانت مقررة مع روسيا والصين إلى نهاية شهر شباط، وذلك بعد دعوة أمريكية إلى “الاحترافية وعدم الاستفزاز”. هذا التأجيل لم يكن تفصيلاً تقنياً، بل حمل دلالة سياسية واضحة، تمثلت في تقديم بادرة حسن نية لفتح نافذة تفاوض جدية مع واشنطن. الرسالة الإيرانية هنا مزدوجة: الاستعداد للتفاوض دون التخلي عن عناصر القوة، والتأكيد أن خيار التهدئة ممكن إذا قوبل بخطوات أمريكية مقابلة، لا بمحاولات فرض شروط تمس جوهر السيادة الإيرانية.
أمريكا أولاً أم إسرائيل؟
ولكن ما إن بدأ يتبلور اتجاه داخل الولايات المتحدة، يرى أن المصلحة الأمريكية تقتضي حصر التفاوض مع إيران بالملف النووي فقط، وتحديداً بالشق العسكري منه، من دون الإصرار على تفكيك البرنامج الصاروخي أو وقف الدعم الإيراني لقوى المقاومة في المنطقة، ما يعني عملياً تخلي واشنطن عن السلة الكاملة من المطالب التي طالما رفعتها إرضاءً لإسرائيل، سُرعان ما اعتبرته تل أبيب تطوراً بالغ الخطورة، إذ ترى أن الصواريخ الإيرانية ودعم حركات المقاومة هما التهديد الوجودي الحقيقي لها، أكثر حتى من الملف النووي ذاته.
ولم يكن هذا التحول الأمريكي خياراً طوعياً بقدر ما كان نتيجة مباشرة لكسر إيران الشروط الأمريكية وفرضها معادلة تفاوضية جديدة بقوة الوقائع. فقد استخدمت طهران أوراق ضغط حاسمة، من القدرة على التصعيد في الملف النووي، إلى التهديد بتعطيل حركة التجارة العالمية ومرور النفط عبر مضيق هرمز، وصولاً إلى تثبيت شراكاتها الاستراتيجية مع روسيا والصين خارج دائرة الهيمنة الغربية. أمام هذا المشهد، وجدت واشنطن نفسها مضطرة للتراجع عن أبرز مطالبها، وفي مقدّمها البرنامج الصاروخي الإيراني وشرط التخلي عن دعم قوى المقاومة في المنطقة وبالتالي ينعكس مباشرة على لبنان، الذي يبقى جزءاً مركزياً من محور المقاومة، محصّناً بثبات الموقف الإيراني واستمرار معادلة الردع. ومن هذه الزاوية، لم يعد القلق الإسرائيلي محصوراً بمضمون التسوية مع إيران، بل بات يتعدّاها إلى خشية أعمق من تحوّل هذه التسوية إلى مدخل لإعادة تعريف العلاقة مع واشنطن نفسها، حيث تبدأ المصالح الأمريكية بالانفصال عن الأولويات الإسرائيلية، ويتحوّل ما كان يُعدّ ضمانة أمنية مطلقة إلى عبء استراتيجي قابل للمساومة؟!.
عليه، فإن أي اتفاق أمريكي – إيراني يتجاوز ملف الصواريخ والتحالفات الإقليمية سيُعدّ، من المنظور الإسرائيلي، ضربة استراتيجية قاسمة. فإسرائيل بنت عقيدتها الأمنية خلال السنوات الماضية على افتراض أن الولايات المتحدة ستتكفل بتحجيم إيران عسكرياً وإقليمياً. تراجع واشنطن عن هذا الالتزام لا يعني فقط تقويض الردع الإسرائيلي، بل يفتح الباب أمام تراجع أوسع في العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية، حيث تبدأ المصالح الأمريكية بالانفصال عن الأولويات الإسرائيلية، ويغدو أمن إسرائيل عبئاً سياسياً لا مكسباً استراتيجياً لواشنطن.
فيما تدرك إسرائيل أن فشل خيار الحرب، أو انزلاق واشنطن إلى تفاوض منخفض السقف مع إيران، سيتركها وحيدة في مواجهة واقع إقليمي جديد. لا حرب قادرة على إسقاط إيران، ولا تسوية تضمن نزع عناصر قوتها الأساسية. وفي الحالتين، تتآكل قدرة إسرائيل على فرض شروطها، سواء عسكرياً أو سياسياً. هذا المأزق يفسر التصعيد الإعلامي والسياسي الإسرائيلي، ومحاولات الضغط المستمرة على الإدارة الأمريكية، في وقت تتراجع فيه مكانة إسرائيل داخل الرأي العام الأمريكي نفسه، وداخل الحسابات الاستراتيجية بعيدة المدى.
اللوبي الصهيوني يفضح الرئيس الأمريكي لإسقاط المفاوضات
ولكن ما أن استشعرَ الّلوبي الصهيوني أن مسار التفاوض مع إيران واحتمالات التهدئة الإقليمية باتت تشكّل خطراً مباشراً على المصالح الإسرائيلية، جرى تفعيل أدوات الضغط بأقصى درجاتها عبر تفجير ملفات التورط الجنسي بحق الرئيس الأمريكي وأسماء سياسية دولية نافذة، في مسعى لإسقاط المفاوضات ودفع ترامب نحو اعتبار الحرب خيارَه الأخير للهروب من أزماته المتراكمة.
وهكذا فُسِّرَ التراجع الأمريكي المفاجئ عن المفاوضات المحصورة ضمن الملف النووي، حيثُ لم يكن حادثاً عشوائياً أو نتيجة خلاف تقني حول مكان أو صيغة المحادثات، بل جاء في سياق ضغوط داخلية مركّزة ارتبطت بتوقيت حرج وحملة إعلامية سياسية مدروسة. فقد تزامن إلغاء جولة المحادثات غير المباشرة التي كانت مُقررة في مسقط، والتي كانت قد استبعدت ملفات الصواريخ الباليستية ودعم فصائل المقاومة، مع تسريب وفضح ملفات جيفري إبستين، الملياردير الأمريكي المعروف بشبكة واسعة من الجرائم الجنسية، والذي قُتل بطريقة غامضة في زنزانته عام 2019، في حادثة أثارت الكثير من التساؤلات حول احتمالات التغطية والتواطؤ.
إبستين صاحب جزيرة “أو ليتل سانت جيمس”، مركز الفضائح الأخلاقية التي هزّت الولايات المتحدة، حيث كان إبستين يدير شبكة لاستغلال القاصرات وارتكاب جرائم جنسية بحق نخب سياسية واقتصادية قبل أن يُقتل في ظروف غامضة في زنزانته. وفي هذه الملفات، تكرّر ذكر اسم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب آلاف المرات، ما اعتبره مراقبون ورقة ضغط وابتزاز سياسي مباشر. ويشير بعض المحللين إلى أن الشبكة من صنع الموساد الإسرائيلي، وهو نهج متبع لاستغلال النساء والفضائح كأداة ضغط على الشخصيات السياسية، ويُفهم من توقيت كشف هذه الملفات مع التراجع الأمريكي عن المفاوضات النووية أن الهدف كان إعادة فرض الشروط الإسرائيلية التقليدية على واشنطن، بما يشمل تقييد الصواريخ الإيرانية ووقف دعم فصائل المقاومة.
في المقابل، شدّدت طهران على أن المفاوضات لا يمكن أن تُستغل كأداة فرض أو ترهيب، وأنها محصورة بالملف النووي فقط، معتبرة أن انسحاب واشنطن من التفاهمات السابقة يعكس خضوع القرار الأمريكي لضغوط خارجية وابتزاز سياسي أكثر مما يعكس خلافاً تقنياً حول شكل المحادثات. وأكد المستشار الإعلامي للقائد العام للحرس الثوري الإيراني أن الجمهورية الإسلامية تفاوض من موقع الندية وترفض أي حوار يقوم على الإملاءات أو الترهيب، مشدداً على أن موضوع التفاوض ينحصر بالملف النووي فقط، وأن الشروط الأمريكية الأولية، بما فيها إدراج الصواريخ الباليستية ومحور المقاومة، قوبلت بالرفض، قبل أن تنسحب واشنطن عملياً من الالتزام بهذا الإطار.
وفي سياق هذا المشهد، يبرز التخبّط الواضح في القرار الأمريكي ما بين التقدّم والتراجع، بوصفه انعكاساً مباشراً للصراع داخل مراكز صنع القرار في واشنطن، وليس نتيجة رؤية استراتيجية متماسكة. فقد كشفت تقارير “أكسيوس” نفسها عن هذا الارتباك حين انتقلت خلال فترة وجيزة من الجزم بأن الولايات المتحدة تعارض تغيير مكان المفاوضات مع إيران، إلى إعلان عودة خطة عقد لقاء أمريكي – إيراني في مسقط إلى الواجهة، في انعطافه كاملة بزاوية 180 درجة. هذا التناقض الإعلامي لا يمكن فصله عن التذبذب السياسي، حيث تتقاطع ضغوط اللوبيات، والحسابات الانتخابية، والأزمات الداخلية، لتنتج قراراً أمريكياً مهتزاً يفتقر إلى الثبات. ويعزّز هذا الانطباع تصريح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي حاول الموازنة بين نفي تقديم “تنازلات” وبين الإقرار بالاستعداد للتعامل مع إيران، معبّراً عن شكوكه بإمكانية التوصل إلى اتفاق، قبل أن يؤكد أن واشنطن “ستحاول معرفة ذلك”. هذا الخطاب المتردد يعكس بوضوح حالة الإرباك الأمريكي، حيث تتحرك الإدارة بين خيار التهدئة وخيار التصعيد دون حسم، في محاولة لإدارة الوقت وامتصاص الضغوط، أكثر مما تعكس توجهاً سياسياً مستقراً أو قناعة حقيقية بمسار تفاوضي واضح. ويبقى مسار القرار الأمريكي غير معلوم الاتجاه، في ظل تاريخ طويل من الغدر ونقض التعهدات الذي يطبع السلوك الأمريكي – الصهيوني، حيث تُستخدم المفاوضات أداة مناورة لا مساراً ثابتاً، ما يجعل أي تفاهم هشّاً وقابلاً للانقلاب في أي لحظة – وهذا ما باتت إيران تُدركهُ جيّداً ومستعده له -.
كلمة أخيرة، تنطلق مقاربة القيادة الإيرانية، وعلى رأسها السيد علي الخامنئي، من رؤية استراتيجية أوسع من الحسابات الظرفية. فبحسب هذه الرؤية، انتقل مركز ثقل النظام الدولي بصورة نهائية من الغرب إلى الشرق، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، ما يعني أن الولايات المتحدة لم تعد تُمسك بمفاتيح الهيمنة كما في السابق. ويترافق هذا التحول مع قناعة راسخة بأن أمريكا دخلت مرحلة الأفول البنيوي، حيث التفكك الداخلي والانقسام الاجتماعي والأزمة المالية مؤشرات على تراجع لا يمكن وقفه. أما إسرائيل، فتُقرأ في هذا الإطار ككيان مرتبط عضوياً بالهيمنة الأمريكية، وغير قابل للحياة خارجها. ومن هنا، ترى طهران أن الصمود، لا التنازل، هو الخيار الاستراتيجي، وأن أي حرب تُفرض عليها يجب أن تكون كلفتها وجودية على إسرائيل، لا مجرد جولة عابرة في ميزان الردع.
في هذا السياق، تقف المنطقة اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما الذهاب إلى تسوية تكرّس توازن ردع جديداً تكون فيه إيران لاعباً معترفاً به، أو الانزلاق إلى مواجهة مكلفة لا تملك الولايات المتحدة ولا إسرائيل ضمانات نتائجها. وفي الحالتين، يبدو أن إسرائيل هي الطرف الأكثر قلقاً وخسارة.
فهل تتمكن واشنطن فعلاً في فصل مصالحها عن أولويات إسرائيل؟ أم أن الضغوط الإسرائيلية ستنجح مجدداً في إعادة عقارب الساعة إلى منطق التصعيد والمواجهة؟ وإلى أي مدى يمكن للفضائح القضائية والملفات الاستخباراتية أن تتحول إلى أدوات فاعلة في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية، ولا سيما حين يتعلق الأمر بخيارات الحرب والسلام في الشرق الأوسط؟.
