روسيا وأوكرانيا: نهاية الحرب لا تزال بعيدة
بقلم ابتسام الشامي
في وقت تبدي فيه الادارة الأمريكية رغبتها في اقفال ملف الحرب في أوكرانيا للتفرغ لقضايا أكثر أهمية، تبقى خطوط التفاوض بين الجانبين الروسي والأوكراني متوترة وأكثر صعوبة على جسر الهوة الكبيرة بين موقف الطرفين من الملفات الحساسة بما فيها الارض والأمن.
جولة تفاوض صعبة
لم تعكس جولة المفاوضات الجديدة بين موسكو وكييف اي تقدم ملحوظ، وباستثناء وصفها بالجدية راوحت مواقف الجانبين خلالها عند خطوط التماس المعهودة من دون اي تقدم لتذليلها. وإذا كان الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي قد استبق الجولة التي استضافتها سويسرا بإشاعة أجواء إيجابية عن قرب التوصل إلى اتفاق، فإنه نقض تلك التصريحات، متهما روسيا بتعطيل المفاوضات وتعمد اطالة أمدها.
وعلى حسابه الرسمي على منصة X كتب زيلنسكي عقب تقارير إعلامية أفادت بأن اليوم الأول من المحادثات كان متوتراً “كانت اجتماعات الأمس صعبة بالفعل، ويمكننا القول إن روسيا تحاول إطالة أمد المفاوضات التي كان من الممكن أن تصل بالفعل إلى المرحلة النهائية”
وكانت المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية في جنيف قد انتهت بشكل مفاجئ، بعد ساعتين فقط من انعقادها، ما اعتبر مؤشرا على صعوبتها من جهة، وبقاء المواقف من القضايا الحساسة التي تستدعي “تقديم” تنازلات متباعدة بشكل كبير، علماً أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أشار مرتين خلال الأيام القليلة التي سبقت جولة المفاوضات إلى أن “الخطوات التي يجب اتخاذها لضمان نجاح المحادثات تقع على عاتق أوكرانيا ورئيسها”. وفي كلام يحمل رسالة واضحة للبيت الأبيض حول النقطة الأخيرة بالتحديد، اتهم زيلينسكي روسيا بتعمد تأخير التقدم نحو اتفاق، معتبراً أن تحميل أوكرانيا وحدها مسؤولية تقديم تنازلات أمر غير عادل. وأكد في الوقت ذاته رفض أي خطة سلام “تتضمن تخلي كييف عن أراضٍ في منطقة دونباس”، مشدداً على أن مثل هذا الطرح سيرفضه الأوكرانيون في أي استفتاء.
تصريحات متناقضة
وتأتي تصريحات الرئيس الأوكراني، بعد أيام قليلة من تأكيده أن المفاوضات في المسار العسكري كانت جوهرية، وأن كييف وموسكو باتتا “قريبتين” من التوصل إلى وثيقة تحدد آلية مراقبة أي وقف محتمل لإطلاق النار، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ستتولى دوراً قيادياً في عملية مراقبة وقف إطلاق النار، مع ضرورة إشراك ممثلين أوروبيين في هذه الآلية لضمان الشفافية والالتزام بالتفاهمات.
تصريحات زيلنسكي في ختام جولة مفاوضات جنيف لم تبدُ متناقضة مع ما سبقها من توقعات شخصية له بشأنها فحسب، وإنما مع تصريحات رئيس الوفد الأوكراني المفاوض رستم عمروف، الذي وصفها بالمثمرة، وقال إنها “شهدت تقدماً”، مشيراً إلى أن “المناقشات كانت مكثفة وموضوعية”. وأضاف أنه جرى توضيح عدد من القضايا، مشدداً على أن هدف بلاده لا يزال “تحقيق سلام عادل ومستدام”.
وفي ما تمضي المفاوضات بين الجانبين قدما في جولات متعددة برعاية أمريكية، فإنها لم تنجح حتى الآن في تقريب وجهات النظر المتباعدة بشأن القضايا الحساسة لا سيما مصير الأراضي التي سيطرت عليها روسيا في شرق أوكرانيا، والوضع المستقبلي لمحطة زابوريجيا للطاقة النووية الواقعة حاليا تحت سيطرة القوات الروسية.
المستشار الالماني الحرب لن تنتهي الا بالاستنزاف
وفي ما يكرر الرئيس الأمريكي معزوفة ضرورة وقف الحرب فإن الطريق إلى وقفها لا تبدو معبدة حتى الآن لا على المستوى العسكري، ولا على المستوى السياسي، فخلال أربع سنوات من المعارك الطاحنة لم يسجل الميدان تقدماً حاسماً لأحد طرفيها، كما أن الميدان السياسي لم يهضم خطة الرئيس الأمريكي الذي يفرض على الحليف الأوكراني تقديم تنازلات صعبة غير قابلة للصرف على المستوى الشعبي، وهو ما تحدث عنه زيلنسكي صراحة، مشيراً في مقابلة مع موقع “أكسيوس” إلى أنه نصح الوسيطين الأمريكيين ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر بعدم محاولة إجباره على تقديم رؤية للسلام سيرى شعبه أنها قصة فاشلة”. وقال في المقابلة ذاتها إنه “من غير العادل أن يستمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الدعوة علناً لإجبار أوكرانيا، وليس روسيا، على تقديم تنازلات من أجل السلام”.
وأضاف أن الضغط على أوكرانيا قد يكون أسهل بالنسبة لترامب مقارنة بروسيا الأكبر حجماً، إلا أن الطريق إلى سلام دائم لا يكون بـ “منح النصر” للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وفي ما ترى كييف في خطة ترامب للسلام إعلان هزيمة واضحاً، تتمسك موسكو بدورها بإطار تسميه “صيغة أنكوريج”، في إشارة إلى التفاهمات بين الرئيسين الأمريكي والروسي في قمة ألاسكا في شهر آب 2025، تلتزم بموجبه أوكرانيا بالتنازل عن كامل دونباس، بما في ذلك المناطق التي عجزت روسيا عن السيطرة عليها.
وليست أوكرانيا وحدها من تستبعد فرص التوصل إلى حل سياسي ينهي الحرب مع روسيا وإنما تشاطرها أوروبا الرأي ذاته، وهي التي باتت تشعر بالاستفراد الأمريكي بأوكرانيا من زاوية فرض الحل السياسي على الرغم من أن العبء الكبير للحرب اقتصادياً وسياسياً وقع عليها، ومع “الضغوط” الأمريكية المتصاعدة، “تتحصن” كييف بالموقف الأوروبي المساند، وترى ضرورة ان يكون الاتحاد الأوروبي شريكاً في الحل السياسي المرتقب. علماً أن بروكسل التي تعصف بينها وبين واشنطن أزمة ثقة، لا ترى الخطة الأمريكية واقعية، بل أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس يذهب بعيداً في استبعاد احتمال إنهاء الصراع في أوكرانيا بسرعة عن طريق التفاوض. وقال في تصريحات نشرتها صحيفة “راينبفالتس” “في تقديري، لن تنتهي هذه الحرب إلا بعد استنزاف أحد الطرفين، عسكرياً أو اقتصادياً”، مشيراً إلى أن هدف الجهود الأوروبية يجب أن يكون ضمان أن “الدولة الروسية لم تعد قادرة على مواصلة الحرب عسكريا ولم تعد قادرة على تمويلها اقتصاديا”.
خاتمة
بعد أربع سنوات من اندلاع شراراتها لا تلوح في الأفق فرصة واقعية لأن تضع الحرب في أوكرانيا أوزارها، وعلى مسافة أيام قليلة من ذكراها السنوية تسرع الخطى نحو سنة إضافية من المعارك الطاحنة والخسائر البشرية والمادية، طالما بقي المسار العسكري محافظاً على وتيرته الحالية من شبه التوازن بين طرفي الحرب، وطالما بقي الميدان السياسي عاجزاً عن اجتراح حلول ابداعية للقضايا الحساسة في الأرض والأمن والسيادة.
