إعرف عدوك

اليوم التالي لرحيل أبو مازن يجب على إسرائيل مواصلة تعزيز عزمها في مكافحة الإرهاب القادم من الضفة الغربية، والاستعداد لليوم التالي لأبو مازن

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

فعلى مدى سنوات طويلة، انغمست المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في نقاشات حول “تعزيز السلطة الفلسطينية”، حيث أمضت آلاف الساعات في التخطيط لمنح تنازلات ومزايا وامتيازات لكبار مسؤولي السلطة الفلسطينية وعائلاتهم. وقد مُنح المحرّضون الرئيسيون، مثل جبريل الرجوب وغيره، تصاريح سفر وتنقل مجانية، وأقاموا في تل أبيب وسافروا إلى الخارج، بينما كانوا ينهبون شعبهم ويجنون عمولات مجزية من صناديق المساعدات الدولية.

ويُظهر الواقع على الأرض أنه على الرغم من تمتع السلطة الفلسطينية ببعض المزايا في السياق الأمني، وبصفتها جهةً تُدير شؤون حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية، إلا أنها أصبحت، إلى حد كبير، عبئاً أمنياً بدلاً من أن تكون رصيداً استراتيجياً. تتناول هذه المقالة التحديات الأمنية الرئيسية، وتُصوّر السلطة الفلسطينية كداعمٍ للإرهاب ومحرّضٍ ضد إسرائيل، وتقترح توجهات سياسية للتعامل مع التهديدات الحالية والمستقبلية، وأهمها توسيع نطاق الأنشطة الرامية إلى إحباط الإرهاب وتهريب الأسلحة، وتبسيط العقوبات لخلق رادع، وبناء جاهزية عملياتية لمواجهة الاضطرابات والفوضى الجماعية في السلطة الفلسطينية، وإنشاء مناطق عازلة أمنية مقابل المستوطنات وخط التماس. ويتجلى ذلك بوضوح في ضوء الفراغ القيادي المتوقع بعد رحيل أبو مازن

السلطة الفلسطينية كعبء أمني

منذ اتفاقيات أوسلو (1993 – 1995)، فشلت السلطة في إنشاء إطار عمل فعّال. بل على العكس، أصبحت هيئة فاسدة ومحرضة وداعمة للإرهاب. ومن أبرز المشكلات سياسة دفع المكافآت لعائلات الإرهابيين (“الدفع مقابل القتل”)، والتي تقوم على سلم مكافآت يتناسب مع شدة الهجوم، حيث يكمن جوهرها في أنه كلما طالت مدة السجن، زادت قيمة المكافأة الشهرية. على الرغم من التقارير التي تتحدث عن إصلاحات ظاهرة، فإن هذه السياسة لا تزال سارية حتى في فترات الأزمات الاقتصادية، حيث صرّح أبو مازن بأنه سيخصص “حتى آخر قرش” لعائلات “الشهداء”. تخلق هذه الآلية ثقافة تمجيد الإرهاب وتشجع على المزيد من الهجمات، إذ تُضفي شرعية رسمية على الإرهاب ضد الإسرائيليين باعتباره عملاً جديراً بالثناء ومُجزياً. تُعدّ آلية التحفيز هذه جزءاً من ثقافة تمجيد الإرهاب وتشجيع المزيد من الهجمات. لا تقتصر هذه المدفوعات على كونها مساعدة مالية فحسب، بل هي اعتراف رسمي بشرعية الأعمال الإرهابية ضد إسرائيل. الرسالة واضحة: قتل اليهود عمل جدير بالثناء ومعترف به، وتكافئه السلطة الفلسطينية. ووفقاً لصياغة القانون الذي تُدفع بموجبه رواتب الإرهابيين المحظورين في إسرائيل، فإن هؤلاء الإرهابيين هم القطاع المقاتل في المجتمع الفلسطيني، وبالتالي يجب أن يتقاضوا رواتب ومجموعة من المزايا الإضافية. خلال عام 2025، حاول أبو مازن، تحت ضغط دولي، تزييف الواقع بتصوير آلية دفع رواتب الإرهابيين على أنها قد أُلغيت، وأن المدفوعات قد خُفِّضت وأصبحت تُصرف وفقاً لمعايير الاحتياجات الاقتصادية، إلا أن الحقيقة تبيّنت، كما في السابق، أن هذا كان مجرد تستر، وأن المدفوعات استمرت عبر قنوات بديلة.

كما تعمل السلطة الفلسطينية بشكل ممنهج ضد دولة إسرائيل على الساحة الدولية. ويشمل هذا النشاط تقديم شكاوى ضد إسرائيل في مؤسسات الأمم المتحدة، وتقديم التماسات إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، ونشاط دبلوماسي مكثف للاعتراف بفلسطين دولةً وشرعية الإجراءات المتخذة ضد إسرائيل. وتستغل السلطة الفلسطينية موقعها الدبلوماسي للترويج لمقاطعة إسرائيل وتقويض مكانتها الدولية.

وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثين عاماً على توقيع اتفاقيات أوسلو، لم يتوقف التحريض الفلسطيني ضد إسرائيل. ويستمر النظام التعليمي الفلسطيني في تلقين أجيال كاملة كراهية إسرائيل وإنكار حقها في الوجود كدولة يهودية. على الرغم من ادّعاءات الفلسطينيين بإصلاح الكتب المدرسية، إلا أنها في الواقع لا تزال مليئة بمحتوى يحض على الكراهية، ولا تُظهر الخرائط دولة إسرائيل، ويركز التعليم على تمجيد “المقاومة” ضد “الاحتلال”. وتلعب وسائل الإعلام الفلسطينية دوراً مماثلاً، إذ تُحرض يومياً ضد دولة إسرائيل، وضد اليهود عموماً، حيث تبث القنوات التلفزيونية الفلسطينية برامج تُشيد بالإرهابيين وتُشجع على أعمال الإرهاب. وتُخصص إذاعة السلطة الفلسطينية وقتاً طويلاً لعرض “الشهداء الأبطال” ووصف الأعمال الإرهابية بأنها أعمال بطولية. وينطبق هذا أيضاً على تصريحات كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية، مثل جبريل الرجوب وغيره.

التهديد

يأتي التهديد الأكثر إلحاحاً من المنظمات الإرهابية العاملة في الضفة الغربية، بقيادة حماس والجهاد الإسلامي، فضلاً عن منظمات محلية تضم عناصر من فتح. وتسعى هذه المنظمات إلى إنشاء بنى تحتية إرهابية في المنطقة، وتهريب الأسلحة، وتنفيذ هجمات ضد الجنود والمدنيين. يستغلون المنطقة تحت غطاء السكان المدنيين لإخفاء أنشطتهم، ما يُصعّب عمل قوات الأمن الإسرائيلية في المنطقة.

تسعى حماس لتطوير بنية تحتية عسكرية كبيرة في المنطقة. وقد صودرت وثيقة لحماس في غزة تُشير إلى نية الحركة غزو تجمعات سكنية في الضفة الغربية وخط التماس، على غرار هجوم 7 ت1 وتحاول حماس إنشاء منشآت محلية لإنتاج الأسلحة في المنطقة، بما في ذلك القدرة على إنتاج الصواريخ والمتفجرات. ولا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن دوافع هذا النشاط قد تراجعت، إذ تعمل الحركة على إنشاء ما يُعادل القدرات التي أنشأتها في غزة، بما في ذلك محاولات حفر خنادق تحت الأرض، حتى لو كان ذلك في البداية لغرض دفن الوسائل والقدرات.

ثمة سيناريو خطير آخر يتمثل في “الانقلاب” – وهو وضع تُوجّه فيه قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية أسلحتها ضد إسرائيل. هذا السيناريو ليس مجرد سيناريو نظري؛ فالتدريب العسكري الذي تخضع له قوات الأمن الفلسطينية في الأردن ومصر والعراق وباكستان يُركز على القتال العسكري، وليس على حفظ الأمن المدني. أظهرت وثائق تدريبية مسربة استعدادات لمواجهة مع الجيش الإسرائيلي واحتلال المستوطنات الإسرائيلية.

يُضاف إلى ذلك خطر تهريب الأسلحة، سواءً عبر الحدود الأردنية الإسرائيلية، التي تُعدّ ممراً رئيسياً لتهريب الأسلحة والمعدات المتطورة إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية، أو عبر عصابات إجرامية عربية في إسرائيل. يشمل هذا التهريب أسلحة خفيفة ومتفجرات وطائرات مسيّرة، وحتى أسلحة مضادة للدبابات. تُمكّن الأسلحة المهربة المنظمات الإرهابية من تعزيز قدراتها وتنفيذ هجمات أكثر تعقيداً. ويُشكّل استخدام الطائرات المسيّرة لنقل الذخائر، وتزايد توافر الأسلحة المضادة للدبابات والذخائر التقليدية، تهديداً جديداً وخطيراً لقوات الأمن وسكان المنطقة.

إلى جانب التهديدات العسكرية المباشرة، تواجه إسرائيل خطر غياب الحكم في مناطق واسعة من الضفة الغربية. ويتجلى هذا الخطر في السيطرة على المنطقة (ج) الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، والبناء غير القانوني على نطاق واسع، وتشغيل محارق النفايات غير القانونية التي تلوث البيئة وتُعدّ بمثابة إرهاب بيئي. ويتم تنفيذ السيطرة على هذه المناطق بتمويل من الاتحاد الأوروبي ودول غربية وعربية، في إطار ما يبدو أنه سياسة تهدف إلى تهيئة الظروف على الأرض تمهيداً لإقامة دولة فلسطينية. وتشمل هذه الأنشطة بناء منشآت دائمة، وتعبيد الطرق، وإنشاء البنية التحتية دون تنسيق مع السلطات الإسرائيلية.

هذه التهديدات ليست جديدة، لكنها تتفاقم مع مرور الوقت، وتزداد خطورة في ضوء الوضع الداخلي للسلطة الفلسطينية والصراعات المتوقعة على السلطة بعد تنحي أبو مازن عن السلطة. يُعاني الزعيم الفلسطيني البالغ من العمر 89 عاماً من مشاكل صحية، ولا يوجد بديل مُتفق عليه له، على الرغم من تعيينه حسين الشيخ نائباً له، وسعيه لتهيئة الظروف لاستبداله في الوقت المناسب. قد يُؤدي هذا الوضع إلى فوضى داخلية، تسعى خلالها فصائل مُختلفة إلى ترسيخ مواقعها، بما في ذلك القتال ضد إسرائيل.

يُضاف إلى ذلك الدعم الشعبي الواسع لحركة حماس في الضفة الغربية، كما تُظهر جميع استطلاعات الرأي الداخلية والخارجية التي أُجريت بين السكان. ليس من قبيل الصدفة أن الانتخابات لم تُجرَ في الضفة الغربية طوال العشرين عاماً الماضية. في انتخابات عام 2006، فازت حماس بأغلبية مقاعد البرلمان.

المفهوم الأمني في الضفة الغربية

يرتكز أي مفهوم أمني فعّال في الضفة الغربية على مزيج من المعلومات الاستخباراتية عالية الجودة والسيطرة العملياتية الكاملة على الأرض. لا تتطلب هذه السيطرة وجوداً عسكرياً دائماً في كل نقطة، بل حرية عمل كاملة لقوات الأمن الإسرائيلية في جميع أنحاء المنطقة. هذا يعني أنه لا توجد “مناطق آمنة” يمتنع الجيش الإسرائيلي عن العمل فيها. خلال العامين الماضيين، كثّف الجيش الإسرائيلي نشاطه في مخيمات اللاجئين وشمال الضفة، وهي مناطق كانت حتى وقت قريب معاقل للمنظمات الإرهابية. وقد أسفرت العمليات الجارية في أماكن مثل مخيمي طولكرم وجنين للاجئين عن تفكيك البنى التحتية الإرهابية وانخفاض ملحوظ في النشاط الإرهابي في المنطقة. ويُبرهن نجاح هذه العمليات على أهمية وجود عسكري مستدام وحازم. فعندما يعمل الجيش الإسرائيلي باستمرار وبشكل استباقي في منطقة معينة، تواجه المنظمات الإرهابية صعوبة في التنظيم وتطوير قدراتها، بينما يؤدي تجنب النشاط في مناطق معينة إلى تعزيز الإرهاب وزيادة الهجمات. وقد كان هذا هو الحال بعد الانسحاب من شمال الضفة عام 2005، وكذلك في السنوات التي سبقت حرب النهضة عندما توقف الجيش الإسرائيلي عن العمل في المنطقة وترك مكافحة الإرهاب في أيدي قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية.

ولزيادة الأمن، من الضروري إنشاء نظام مناطق عازلة أمنية حول المستوطنات اليهودية وعلى طول طرق المواصلات الرئيسية. ستكون هذه المناطق خالية من أي وجود فلسطيني، وسيتم الرد عسكرياً على أي تحرك مشبوه فيها. سيُمكّن إنشاء المناطق العازلة من الكشف المبكر عن التهديدات ومنع العديد من الهجمات. تُظهر التجارب أنه في المناطق التي أُنشئت فيها مناطق عازلة فعّالة، انخفضت حوادث رشق الحجارة وزجاجات المولوتوف ومحاولات زرع العبوات الناسفة بشكل ملحوظ. وقد شكّل العمل العسكري الحازم، بالتزامن أحياناً مع أنشطة المستوطنين، رادعاً فعّالاً أدى إلى هدوء كبير. يجب ألا تقتصر المناطق العازلة على الضفة الغربية فحسب، بل يجب أن تمتد أيضاً إلى المنطقة المقابلة لخط التماس. على سبيل المثال، إنشاء منطقة عازلة أمنية في المنطقة المقابلة لمستوطنة بات حيفر وخلف السياج الفاصل، بحيث يصعب على الإرهابيين عبور هذه المنطقة بسرعة واقتحام بات حيفر، على غرار ما حدث في حصار غزة.

يُعدّ تمويل الإرهاب الركيزة الأساسية للأنشطة العدائية في الضفة الغربية. يجب أن يشمل العمل الفعال ضد الإرهاب مواجهة شاملة لمصادر تمويل المنظمات الإرهابية، بما في ذلك العمل ضد نظام “الدعوة” التابع لحماس، وهو شبكة من المؤسسات والمنظمات الخيرية التي تحوّل الأموال إلى الأنشطة الإرهابية تحت غطاء العمل الاجتماعي والديني. إضافةً إلى ذلك، من الضروري تكثيف الجهود ضد نظام الصرافين الذي يسمح بتحويل الأموال إلى الإرهاب دون رقابة مصرفية. وفيما يتعلق بالسلطة الفلسطينية، يجب على إسرائيل الاستمرار في خصم الأموال المحولة إلى عائلات الإرهابيين من الأموال المحولة إلى السلطة. هذا الخصم لا يحدّ فقط من الموارد المتاحة للإرهاب، بل يبعث برسالة واضحة مفادها أن تمويل الإرهاب سيُكبّد الاقتصاد تكلفة باهظة.

من الضروري التحرك بحزم ضد البناء غير القانوني في المنطقة (ج)، ومنع الاستيلاء على المناطق المفتوحة وإنشاء محارق النفايات غير القانونية التي تلوث الهواء ومصادر المياه. ولتحقيق هذه الغاية، يجب تخصيص موارد إنفاذ كبيرة واتخاذ إجراءات سريعة وفعالة، وتعزيز التشريعات التي تسمح بإلحاق الضرر الاقتصادي بالمتورطين، على سبيل المثال، مصادرة المركبات المستخدمة في الأنشطة غير القانونية. إن التردد والانتظار اللذين يميزان التعامل مع هذه القضية يشجعان على استمرار الانتهاكات، ويخلقان تدريجياً واقعاً يتمثل في غياب السيطرة والحكم الإسرائيليين في مناطق واسعة. وقد بدأت مؤخراً تحركات حكومية وعسكرية بشأن هذه القضية، ويُؤمل أن تتصاعد هذه التحركات.

ولمنع تهريب الأسلحة والذخائر، من الضروري تعزيز الأمن على طول الحدود مع الأردن بشكل كبير. ويشمل هذا التعزيز إنشاء أنظمة مراقبة متطورة، وزيادة الدوريات، وتطوير القدرات اللازمة لاعتراض عمليات التهريب في الوقت الفعلي. وفي الوقت نفسه، من الضروري التحرك بحزم ضد شبكات التهريب الإجرامية في إسرائيل التي تنقل الأسلحة إلى الفلسطينيين. ويتطلب هذا العمل تعاوناً وثيقاً مع الأردن ودول أخرى في المنطقة. والأردن، الذي يخشى تسلل الإرهاب إلى أراضيه، سيكون مهتماً بالتحرك ضد التهريب، شريطة أن يتم ذلك بسرية تامة.

ويتطلب خلق رادع فعال ضد الإرهاب رداً سريعاً وحاسماً وقوياً على أي عمل إرهابي. ويشمل ذلك هدم منازل الإرهابيين وعائلاتهم، وتقييد حركتهم، وإلغاء التصاريح الاقتصادية. إن الإجراء الحالي، الذي يشمل تقديم التماسات إلى المحكمة العليا وحلولاً وسطية كإغلاق الغرف بدلاً من الهدم الكامل، والذي يهدف إلى إتاحة التدقيق الخارجي للنظام، ومنع الأخطاء والانتقادات الدولية، غير فعال ولا يُحقق الردع الكافي. يتحقق الردع الحقيقي عندما تكون التكلفة الشخصية لتنفيذ هجوم أو دعم الإرهاب باهظة وفورية. ولتحقيق هذه الغاية، ثمة حاجة إلى تشريع يُعطي الأولوية لحق المواطنين الإسرائيليين في الحياة على حقوق ملكية عائلات الإرهابيين، ويُتيح التنفيذ السريع لأوامر الهدم دون تأخيرات بيروقراطية لا داعي لها.

وأخيراً، من الضروري التصدي للتحريض على أعمال الإرهاب. يشكل هذا جريمة خطيرة تستوجب رداً فورياً وحازماً. من الضروري تحديد كبار المحرضين في النظام الفلسطيني، بما في ذلك السلطة الفلسطينية، واتخاذ الإجراءات اللازمة ضدهم، بما في ذلك انتهاك حقوقهم وامتيازاتهم.

إن الوضع الذي يسمح لشخصيات مثل جبريل الرجوب بالتنقل بحرية في إسرائيل، بينما يواصلون التحريض ضد دولة إسرائيل، أمر غير مقبول. يجب أن يشمل هذا الإجراء أيضاً التصدي للتحريض في النظام التعليمي الفلسطيني. يمكن لإسرائيل ربط المساعدات الاقتصادية وفتح المعابر بوقف تدريس الكراهية وإزالة المحتوى التحريضي من الكتب المدرسية الفلسطينية. من المهم أيضاً الانخراط في حملات مناصرة لهذه القضية، لا سيما مع الدول والمنظمات التي تساهم في النظام التعليمي للسلطة. يمثل إغلاق وكالة الأونروا وخفض ميزانية الأمم المتحدة نتيجة لقرارات الرئيس ترامب فرصة سانحة. هذا بالإضافة إلى تنفيذ قرار الحكومة بتفويض المنظمات للعمل في الميدان.

سيناريوهات اليوم التالي لرحيل أبو مازن

قد يُؤدي تخلي أبو مازن عن قيادة النظام الفلسطيني، وهو أمرٌ مُحتملٌ في المدى القريب، إلى فراغٍ قياديٍّ يُفضي إلى الفوضى. وعلى الرغم من أن أبو مازن قد مهّد الطريق لعملية خلافةٍ تُنقل بموجبها مقاليد السلطة إلى حسين الشيخ، إلا أن الشيخ لا يملك الأدوات الكافية لضمان دعم جميع عناصر القوة داخل حركة فتح، فضلاً عن خارجها. ولذلك، لا يوجد وريثٌ واضح، ويخوض المرشحون المختلفون للخلافة صراعاً داخلياً. قد يُفضي هذا الوضع إلى انقسام السلطة الفلسطينية، ونشوب صراعاتٍ داخلية، ومحاولاتٍ من قِبل فصائل مُختلفة لترسيخ مواقعها، بما في ذلك عبر هجماتٍ إرهابيةٍ ضد إسرائيل. يجب على إسرائيل أن تكون مُستعدةً لهذا السيناريو وأن تُخطط لردّها مُسبقاً. يشمل هذا التخطيط الاستعداد للرد على النشاط المدني للسلطة الفلسطينية، وإعداد خططٍ للسيطرة العسكرية المؤقتة في المناطق التي ينهار فيها النظام، والتخطيط لاحتمال زيادة نزوح الفلسطينيين الراغبين في الهجرة من المنطقة.

في حال انهيار السلطة الفلسطينية، حتى في بعض المدن، قد تُضطر إسرائيل للعودة إلى الحكم العسكري في مناطق معينة من الضفة الغربية. هذا سيناريو غير مرغوب فيه سياسياً واقتصادياً، لكن على إسرائيل أن تكون مستعدة له عند الضرورة. يجب أن يشمل التخطيط لهذا السيناريو الاستعداد لتوفير الخدمات الأساسية استناداً إلى الأنظمة القائمة التي يديرها فنيون فلسطينيون، والحفاظ على النظام العام. ينبغي أن تكون الإدارة العسكرية المؤقتة محدودة المدة وأن تضم أكبر قدر ممكن من العنصر المدني. الهدف هو منع الفوضى والسماح بإعادة تنظيم قيادة فلسطينية مسؤولة، مع ضمان مصالح إسرائيل الأمنية.

أخيراً، ينبغي دراسة بديل الإمارات. أحد البدائل للسلطة الفلسطينية المركزية هو تطوير نموذج الإمارات المحلية أو الحكم الذاتي المحلي في مختلف المناطق. يقوم هذا النموذج على قيادة محلية غير ملتزمة بالأيديولوجية الوطنية الفلسطينية، وتهتم أكثر بالتنمية الاقتصادية وجودة حياة السكان. تُظهر التجارب في العراق وغيرها أن الحكم المحلي قد يكون أحياناً أكثر استقراراً من الحكومة المركزية. بطبيعة الحال، يتطلب هذا النموذج تحديد وتدريب قيادات محلية مناسبة، وإنشاء أطر اقتصادية وقانونية. وهنا أيضاً، توجد قاعدة معرفية واسعة بالعائلات النافذة في كل مدينة، ومن الممكن العمل على هذا البديل والترويج له اليوم.

التحديات والقيود

يواجه تطبيق المفهوم الأمني المقترح مجموعة معقدة ومتكاملة من التحديات، بعضها تقني ولوجستي، وبعضها سياسي ودبلوماسي، وبعضها داخلي واجتماعي. ولا تقتصر هذه التحديات على كونها عقبات تكتيكية فحسب، بل تعكس التوتر الكامن بين المتطلبات الأمنية والتداعيات طويلة الأمد على إسرائيل.

الموارد المطلوبة

يتطلب الحفاظ على سيطرة عملياتية مستمرة واستباقية في جميع أنحاء الضفة الغربية، بما في ذلك العمليات الجارية في مخيمات اللاجئين، ومكافحة البناء غير القانوني، وتعزيز نظام الحدود مع الأردن، تخصيصاً كبيراً للقوات على مدى فترة زمنية. في عام 2025، ووفقاً لبيانات الجيش الإسرائيلي، انخفضت الحوادث الإرهابية الفلسطينية في الضفة الغربية بنسبة 80% تقريباً. يأتي هذا في أعقاب النشاط المكثف للجيش الإسرائيلي و (الشاباك)، لكن ذلك يكلف إسرائيل عشرات العمليات على مستوى الألوية، وآلاف الجنود الاحتياطيين، وموارد ضخمة. ويتفاقم التحدي عندما يُطلب من إسرائيل الحفاظ على جاهزية عالية في قطاعات أخرى أيضاً (لبنان، سوريا، غزة، إيران). إضافةً إلى ذلك، يتطلب الإنفاذ الفعال في المنطقة (ج) زيادة في النشاط الإداري المدني (المفتشين، والمهندسين، وضباط الشرطة)، وهو مجال يعاني فيه النظام الإسرائيلي من نقص مستمر في الكوادر المؤهلة.

أما على الصعيد الدولي، فإن العمليات العسكرية واسعة النطاق، وهدم المباني، وإنشاء مناطق عازلة أمنية، أو توسيع نطاق الإنفاذ في المنطقة (ج) تُثير بانتظام انتقادات حادة من أعضاء الاتحاد الأوروبي، وبعض الدول الغربية، ومنظمات الأمم المتحدة. ويتصدر الاتحاد الأوروبي قائمة الدول التي تُدين “توسيع المستوطنات”، ويتهم إسرائيل بـ”المخاطرة باستقرار المنطقة”، بما في ذلك الدعوات إلى فرض عقوبات وتعليق الاتفاقيات التجارية (مع أن هذه المقترحات قد تم رفضها حتى الآن). أصدرت دول مثل فرنسا وبريطانيا وكندا وغيرها بيانات مشتركة تعارض الموافقة على المستوطنات الجديدة (مثل المستوطنات التسع عشرة التي تمت الموافقة عليها في ك 1 2025). ولا يقتصر الخطر على الجانب الدبلوماسي فحسب، بل من الممكن أيضاً رفع دعاوى قضائية أمام محكمة لاهاي، وتكثيف مقاطعة إسرائيل، أو حتى اتخاذ تدابير اقتصادية كوضع علامات على منتجات المستوطنات أو فرض قيود على البحث والتعاون التكنولوجي. ومع ذلك، تُظهر التجارب السابقة أن المجتمع الدولي يميل إلى تقبّل الحقائق على أرض الواقع عندما تكون مدعومة بمعلومات متسقة ومبررات أمنية قوية، لا سيما في ضوء الانخفاض الكبير في الهجمات نتيجةً للسيطرة الإسرائيلية الحازمة.

صعوبة داخلية إسرائيلية

يتطلب تطبيق المفهوم الأمني المقترح في الضفة الغربية، والذي يشمل السيطرة العملياتية المستمرة، والتنفيذ الحازم ضد البناء غير القانوني، وهدم المباني لأغراض الردع، وإنشاء مناطق عازلة، وممارسة ضغوط اقتصادية على البنية التحتية للإرهاب، تعاوناً وثيقاً ومستمراً ومنسقاً بين عدد من الهيئات المركزية: المؤسسة الأمنية (وزارة الدفاع، والجيش الإسرائيلي، والقيادة المركزية، وجهاز الأمن العام، والإدارة المدنية، والشرطة الإسرائيلية)، والسلطات المدنية (الكنيست، وهيئات التخطيط، وهيئات الضرائب)، والنظام القضائي (مكتب المدعي العسكري، والمستشار القانوني للحكومة، والمحكمة العليا، والمحاكم العسكرية). ويؤدي غياب التنسيق أو التأخير بين هذه الهيئات إلى خلق “ثغرات عملياتية” تستغلها السلطة الفلسطينية، والمنظمات غير الحكومية الممولة دولياً والتابعة لها، والمنظمات الفلسطينية الإرهابية، بسرعة ومهارة.

تُعدّ سياسة هدم المنازل، على سبيل المثال، أداة ردع رئيسية، لكنها عملياً غالباً ما تتعثر بسبب الالتماسات المقدمة إلى المحكمة العليا عندما تتأخر أوامر الهدم بأوامر مؤقتة، حتى في حالات الهجمات الخطيرة. والنتيجة: ضعف كبير في أثر الردع، إذ يعلم الإرهابي ومن معه أن العملية قد تستغرق شهوراً، بل سنوات أحياناً، مما يقلل من التكلفة الشخصية المباشرة لتنفيذ الهجوم، ويضعف الصلة بين الفعل والعقاب.

وتعمل الإدارة المدنية، المسؤولة عن إنفاذ القانون المدني في المنطقة (ج) (البناء غير القانوني، محارق النفايات، الاستيلاء على الأراضي)، تحت عبء إثبات كبير، وتحت إشراف قانوني دقيق ومتحيز. وينتج عن ذلك أحياناً وضع تُقابل فيه الإجراءات العسكرية الفورية (مثل إغلاق منطقة أو الهدم التكتيكي) بمعارضة أو تأخير من السلطات المدنية والقانونية.

وختاماً، تكمن الصعوبة الداخلية الإسرائيلية في غياب التنسيق الهيكلي والقانوني بين الأنظمة العاملة وفقاً لمنطق مختلف، يتطلب تصحيح الوضع ليس فقط قرارات عملياتية، بل أيضاً إصلاحاً مؤسسياً يُمكّن من استجابة سريعة ومنسقة وحاسمة. وبدون هذه الخطوات، قد يبقى حتى أفضل مفهوم أمني حبراً على ورق أو يُنفذ بنصف طاقته.

خلاصة

 يتطلب الواقع الأمني في الضفة الغربية نهجاً استراتيجياً شاملاً يتصدى للتهديدات الراهنة ويستعد للتحديات المستقبلية. تُشكل السلطة الفلسطينية، في وضعها الحالي، عبئاً أمنياً أكثر منها رصيداً، ويتعين على دولة إسرائيل الاستعداد لسيناريوهات مختلفة لانهيارها بعد رحيل أبو مازن، بما في ذلك إمكانية استبدالها بنموذج آخر، كالنموذج الإماراتي. يستند المفهوم المُقترح إلى مبادئ السيطرة العملياتية الكاملة على الأراضي، والسيطرة على الموارد الاقتصادية المُوجهة للإرهاب، وبناء قوة ردع فعالة ضد الأعمال العدائية. وفي الوقت نفسه، من الضروري الاستعداد لسيناريوهات مستقبلية ووضع بدائل للوضع الراهن.

يعتمد نجاح هذا المفهوم على تصميم التنفيذ، وتخصيص الموارد اللازمة، والعمل وفق رؤية طويلة الأمد لا على رغبة في تحقيق السلام على المدى القصير. يجب على إسرائيل أن تتصرف انطلاقاً من مصالحها الأمنية لا من مخاوف أو ضغوط خارجية، مع الحفاظ على أهداف السلام الأوسع نطاقاً من خلال تعزيز قوتها، وبناء واقع أمني أفضل على المدى البعيد.

الوقت لا يصب في مصلحة إسرائيل إلا بقدر ما تتصرف بعزم وتبادر. فالتأخير والتردد قد يؤديان إلى تفاقم الوضع وظهور تهديدات جديدة أكثر خطورة. لقد شارفت حقبة أبو مازن على الانتهاء، ويجب على إسرائيل أن تكون مستعدة لاغتنام الفرص الجديدة ومواجهة التحديات التي ستبرز في المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *