“إسرائيل” بين فائض القوة وخطاب الخوف.. لماذا لا تغادر موقع الضحية؟
بقلم محمد الايوبي
منذ نشأتها، بنت “إسرائيل” سرديتها السياسية على معادلة تبدو، في ظاهرها، دفاعية خالصة: “دولة صغيرة محاطة بالأعداء”، تكافح من أجل البقاء. غير أن مشهد عام 2026 يكشف مفارقة بنيوية صارخة: كيان صهيوني يمتلك أحد أقوى الجيوش في العالم، ويتفوق تكنولوجياً على محيطه الإقليمي، ويحظى بدعم غير مسبوق من القوة الأعظم عالمياً..
ومع ذلك يواصل التمسك بخطاب “التهديد الوجودي” وكأنه على شفا الإبادة. هذا التناقض ليس عرضاً هامشياً في الخطاب السياسي، بل هو ركيزة استراتيجية متعمدة لإدارة الداخل، وضبط الإقليم، وتحصين الموقع الدولي.
وفق تقارير معهد دراسات “الأمن القومي الإسرائيلي” (INSS) الصادرة في يناير 2026، دخلت “إسرائيل” مرحلة “فائض القوة العملياتي” بعد عامين من الحروب المكثفة في غزة وجنوب لبنان. “الجيش الإسرائيلي” عزز قدراته الهجومية بعقود تسليح وتطوير تكنولوجي رفعت الميزانية العسكرية إلى نحو 51 مليار دولار لعام 2026، وفق تقارير مالية تداولتها مراكز بحثية عربية. هذا الرقم يضع “إسرائيل” في مصاف “الدول” الأعلى إنفاقاً عسكرياً نسبة إلى الناتج المحلي، ويعكس انتقالها من منطق الردع التقليدي إلى منطق التفوق الحاسم والاستباق الدائم.
لكن، وعلى الرغم من هذا الفائض، لا يغادر الخطاب الرسمي مربع “الضحية”. هنا تكمن المفارقة التي تستحق التفكيك: لماذا يحتاج كيان فائض القوة إلى خطاب خوف دائم؟
على الرغم من ذلك فإن أخطر تجليات هذا الخطاب لا تظهر في ساحة المعارك، بل في خرائط الأرض. فالضم المتسارع في الضفة الغربية يُقدَّم دائماً بوصفه إجراءً دفاعياً: حماية للمستوطنين، تأميناً للحدود، أو “تصحيحاً لوضع قانوني مؤقت”. لكن الدفاع هنا يطرح سؤالاً بسيطاً: الدفاع عن ماذا؟ عن حدود “معترف بها دولياً”، أم عن مشروع توسع لم يعترف يوماً بخط أخضر؟ حين يتحول تسجيل الأراضي إلى “أراضي دولة”، وتُسحب صلاحيات البلديات الفلسطينية باسم الأمن، يصبح “الدفاع” غطاءً قانونياً لفرض سيادة أحادية. هكذا تتحول لعبة الضحية إلى أداة لتبرير الضم؛ فكل خطوة توسعية تُصوَّر كاستجابة اضطرارية لتهديد دائم، لا كخيار سياسي واعٍ يعيد رسم الخريطة على مهل.
أولاً: فائض القوة كحقيقة مادية
على المستوى العسكري، تمتلك “إسرائيل” منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات، وقوة جوية متفوقة نوعياً، وقدرات استخبارية سيبرانية تعدّ من الأكثر تطوراً عالمياً. بعد جولات الحرب الأخيرة، أعلنت القيادة العسكرية تدمير نسبة كبيرة من البنية العسكرية لحركة حماس. كما واصلت توسيع سيطرتها الفعلية على الضفة الغربية عبر تكثيف الاستيطان وفرض وقائع ميدانية جديدة.
هذه المعطيات تعني أن “إسرائيل” لا تتحرك من موقع ضعف عسكري. بل إن تقارير معهد القدس للإستراتيجية والأمن في يناير 2026 أشارت إلى أن “إسرائيل” باتت تتمتع “بهامش مناورة عسكري غير مسبوق”، يتيح لها تنفيذ عمليات عابرة للحدود دون خشية من ردع متكافئ. كذلك، فإن استمرار الدعم العسكري الأمريكي – الذي يشمل مساعدات سنوية بمليارات الدولارات وصفقات نوعية – يؤمّن لها تفوقاً طويل الأمد.
إذاً، على مستوى الوقائع الصلبة، نحن أمام دولة فائضة القوة، لا مهددة وجودياً بالمعنى التقليدي.
ثانياً: خطاب الضحية كأداة سياسية
في المقابل، يظل الخطاب السياسي “الإسرائيلي” أسير مفردات “التهديد”، “العزلة”، “العداء العالمي”، و”معاداة السامية”. هذه اللغة ليست انفعالاً عاطفياً، بل أداة وظيفية.
دراسة صادرة عن المعهد النمساوي للشؤون الدولية (OIIP) في يناير 2026 بعنوان “الحكم بلا عواقب” حللت كيفية توظيف “إسرائيل” لمفهوم “الاستثناء الأمني”. فكل عملية هجومية تُقدَّم بوصفها دفاعاً استباقياً عن النفس، وكل انتقاد دولي يُعاد تأطيره باعتباره انحيازاً أو عداءً تاريخياً. بهذا، يتحول القانون الدولي إلى ساحة خطابية لا معياراً ملزماً.
الأمر لا يتعلق فقط بتبرير الضربات العسكرية، بل بإدارة المساءلة. عندما تُثار قضايا تتعلق بجرائم حرب أو انتهاكات حقوقية، يُستدعى تاريخ الاضطهاد اليهودي والهولوكوست كدرع أخلاقي. دراسة لمركز مركز SETA للدراسات (مراجعة يناير 2026) رأت أن استدعاء “سيرة الضحية التاريخية” يُستخدم لإعادة إنتاج شرعية أخلاقية في لحظات تآكل الصورة الدولية.
هنا فإن؛ القوة لا تلغي الحاجة إلى خطاب أخلاقي، بل تزيدها. فكلما اتسعت فجوة القوة، ازدادت الحاجة إلى خطاب يضفي عليها شرعية ويحولها من هيمنة إلى “ضرورة دفاعية”.
ثالثاً: الداخل “الإسرائيلي”… الخوف كآلية تماسك
لا يمكن فهم الإصرار على موقع الضحية دون النظر إلى الداخل “الإسرائيلي”. “المجتمع الإسرائيلي” يعيش انقسامات حادة: علمانيون مقابل متدينين، ليبراليون مقابل قوميين دينيين، صراعات حول هوية الدولة، وحول طبيعة النظام القضائي. في مثل هذا السياق، يصبح “التهديد الخارجي” أداة توحيد فعالة.
تقرير معهد دراسات الأمن القومي “الإسرائيلي” أشار في استطلاعات رأي 2026 إلى فجوة بين الشعور الذاتي بالأمن وبين الواقع العسكري. فبينما يعترف معظم “الإسرائيليين بتفوق جيشهم”، يظل الشعور بالخطر الوجودي مرتفعاً. هذه المفارقة ليست نتيجة جهل، بل نتيجة خطاب متواصل يغذي الإحساس بالحصار.
الخوف هنا ليس مجرد شعور؛ إنه سياسة عامة. فهو يبرر استمرار التجنيد الواسع، وميزانيات الدفاع الضخمة، وتقييد الحريات في حالات الطوارئ، وتأجيل أي تسوية سياسية قد تُنظر إليها كتنازل خطير.
رابعاً: العلاقة الأمريكية… الضحية كضمانة دعم
الدعم الأمريكي يشكل حجر الزاوية في استمرار التفوق “الإسرائيلي”. بغض النظر عن هوية الإدارة في واشنطن، يبقى الالتزام الاستراتيجي قائماً. المساعدات العسكرية، والدعم الدبلوماسي في مجلس الأمن، والتنسيق الاستخباري، كلها عناصر تضمن للاحتلال الإسرائيلي غطاءً دولياً واسعاً.
لكن هذا الدعم يحتاج إلى سردية مرافقة. داخل الولايات المتحدة، تتصاعد بين الحين والآخر أصوات تنتقد حجم الموارد المخصصة للكيان، خاصة في ظل أزمات اقتصادية داخلية. هنا يصبح خطاب “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” و”الدولة المحاصرة” أداة إقناع للرأي العام الأمريكي.
من منظور واقعي، قد لا تترك واشنطن “إسرائيل” بلا حماية. لكن سردية الضحية تجعل هذا الدعم يبدو واجباً أخلاقياً، لا مجرد خيار استراتيجي. إنها تحول التحالف من مصلحة متبادلة إلى التزام أخلاقي شبه مقدس.
خامساً: التطبيع… إزالة العزلة دون مغادرة الخوف
شهدت السنوات الأخيرة موجة تطبيع مع دول عربية عدة، بينها الإمارات والبحرين والمغرب، مع مؤشرات على انفتاح سعودي. كان من المفترض أن يخفف ذلك من سردية “العزلة”. لكن المثير أن الخطاب “الإسرائيلي” لم يتغير جذرياً.
تقرير في مركز الزيتونة للدراسات (فبراير 2026) رأى أن “إسرائيل” تستخدم التطبيع لتعزيز شرعيتها الإقليمية دون أن تدفع ثمناً سياسياً للفلسطينيين. أي أنها تجني فوائد الانفتاح، لكنها لا تتخلى عن خطاب الخطر.
بهذا المعنى، التطبيع لا يلغي موقع الضحية، بل يعاد توظيفه: “إسرائيل” منفتحة على السلام، لكنها “مضطرة” لمواصلة عملياتها الأمنية بسبب “التهديدات”. النتيجة هي معادلة مزدوجة: علاقات طبيعية مع دول عربية، وسياسات قمعية مستمرة في الأراضي المحتلة.
سادساً: الفجوة بين القوة والأمن
واحدة من أهم خلاصات تقارير 2026 هي أن فائض القوة لم يجلب للاحتلال الإسرائيلي شعوراً بالاستقرار. فالقوة العسكرية قد تدمر بنى تحتية، لكنها لا تنتج شرعية سياسية. الاحتلال المستمر، والاستيطان، وغياب أفق سياسي، كلها عوامل تغذي دورة عنف مستدامة.
في مقال تحليلي نُشر في Le Monde diplomatique بين أكتوبر 2025 وفبراير 2026، ناقش الكاتب “الإسرائيلي” جدعون ليفي كيف أن “إسرائيل”، في سعيها لضمان أمنها بالقوة، تخلق شروط انعدام أمن دائم. الدولة التي ترى نفسها ضحية، تمارس سياسات تجعلها في حالة حرب مستمرة.
هذه الفجوة بين التفوق العسكري وانعدام الطمأنينة تفسر جزئياً الإصرار على خطاب الخوف. فعندما تعجز القوة عن إنتاج استقرار سياسي، يصبح الخطاب بديلاً نفسياً: إذا لم يتحقق الأمن، فذلك لأن التهديد لا يزال قائماً، لا لأن الاستراتيجية نفسها مأزومة.
سابعاً: الضحية كأداة ابتزاز سياسي
أخيراً، لا يمكن إغفال البعد الابتزازي في استخدام موقع الضحية. فعند كل مساءلة دولية، يُعاد استحضار مفردات “الوجود”، “الإبادة”، “العداء التاريخي”. أي نقد قد يُوسم بمعاداة السامية، وأي محاولة لفرض عقوبات تُقدَّم كاستهداف انتقائي.
هذا الاستخدام المكثف لرمزية الضحية يمنح “إسرائيل” مساحة حركة أوسع من غيرها من “الدول”. إنها تحصن نفسها أخلاقياً، وتضع خصومها في موقع الدفاع. وهنا تكمن فعالية الاستراتيجية: ليس الهدف إقناع الجميع، بل خلق شك كافٍ لتعطيل الإجماع ضدها.
لماذا لا تغادر موقع الضحية؟.. الإجابة، في ضوء ما سبق، متعددة المستويات:
• لأن خطاب الضحية يوحد الداخل المنقسم.
• لأنه يؤمّن دعماً خارجياً أخلاقياً واستراتيجياً.
• لأنه يبرر فائض القوة ويحوّله من هيمنة إلى دفاع مشروع.
• ولأن غيابه قد يفتح الباب لمساءلة قانونية وسياسية أوسع.
في النهاية؛ الاحتلال الإسرائيلي في 2026 ليس كيان ضعيف يبحث عن حماية، بل هو كيان قوي يبحث عن شرعية. وفائض القوة، مهما بلغ، لا يغني عن الحاجة إلى سردية تمنحه معنى أخلاقياً. لذلك، فإن مغادرة موقع الضحية ليست مسألة نفسية، بل قرار سياسي عميق يتطلب إعادة تعريف المشروع نفسه: من مشروع قائم على الخوف والهيمنة، إلى ما يسمي مشروع “قائم على مساواة حقيقية وسلام عادل”.
ما لم يحدث ذلك، سيبقى التناقض قائماً: دولة فائضة القوة، تعيش – وتُدير سياستها – كما لو أنها على حافة الهاوية.
