فضاءات فكرية

ثورة أخلاق وقانون.. هما ما يحتاجه عالمنا المنحط عندما تكون فضيحة إبستين نموذجاً مبتذلاً لانحطاط فكرة المركزية الغربية

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

ولم تكن فضيحة جيفري إبستين مجرد حدث إعلامي فضح وما زال يفضح شبكة اغتصاب واستغلال جنسي للناشئات تحت قناع “جزيرة الملذات”. بل كانت، في جوهرها، كاشفاً أخلاقياً ومعرفياً مزلزلاً، سلّط ضوءاً كاشفاً عن التعارض الجوهري بين الخطاب المعياري الذي تروّجه النخب الغربية عن حقوق الإنسان وقيم الحرية، وبين الممارسات المبتذلة والمنحطة التي توارت خلف أبواب القصور وجدران اليخوت الفاخرة.

والأكثر إثارة للقلق هو أن قائمة المشتبه بهم لم تقتصر على رجال السياسة والمال، بل امتدت لتطال أسماءً نخبوية كبيرة ومشهورة كانت تُعتبر من “قمم الفكر” الغربي، مثل عالم اللسانيات نعوم تشومسكي، والفيلسوف ميشيل فوكو (المتوفى، والموصوف في الوثائق كملهم ومنخرط في ثقافة تلك “الملذات”). وهذا الارتباط، وإن اختلفت تفاصيله ودرجة المشاركة، يمزق الحجاب عن علاقة عضوية محتملة بين مركزية فكرية معينة وانزياح أخلاقي.

وفي تصوري هذه الفضيحة ليست منعزلة عن سياق فكري وسياسي غربي، بل هي ذروة جبل الجليد في مسار طويل من الانحراف المعرفي المؤسس. إنها تذكرنا بمواقف سابقة لمفكرين غربيين بارزين كشفوا عن تحيزات عميقة تناقض خطابهم الكوني المعلن. ففي أعقاب “طوفان الأقصى” عام 2023، وقف الفيلسوف الألماني “يورغن هابرماس”، رمز “العقلانية التواصلية” و”أخلاقيات النقاش”، إلى جانب الاستخدام الإسرائيلي المفرط للقوة ضد المدنيين في غزة، مقدماً غطاءً فلسفياً للعنف عبر حجج قانونية شكلية. هذا الموقف لم يكن شاذاً، بل هو ثمرة منطقية لبراديغمات معرفية غربية مؤسسة، تقوم على:

1. مركزية عقلية مهووسة بالتفوق: تنظر للذات الغربية كذات نخبوية فوقية قارّة، وكمعيار للإنسانية والتقدم الكوني، وتختزل “الآخر” إلى كائن دوني مهمش، تابع ومستلب، إما ليُستعمر أو ليُستهلك أو ليُستباح.. هذه المركزية، التي بدأت ثقافية، تحولت عبر تاريخ الاستعمار والإبادة الجماعية إلى عنصرية منهجية مبطنة بأخلاقيات منحطة. شاهدنا تجليها الوحشي في حرب غزة، حيث أصبح انتقاد إسرائيل مساوياً لـ “معاداة السامية”، محوِّلاً هذه القضية الإنسانية إلى تابو محمي بقوانين تشرعن الجرائم وتحمي المجرمين مثل نتنياهو من المحاسبة الدولية.. كما ونشهدها منذ نهاية شباط الماضي (2026) إلى يومنا هذا في هذه الحرب العدوانية البربرية التي تشنها أمريكا وربيتها دولة العصابات الصهيونية على إيران وحلفائها تحت مزاعم خاوية وهاوية على عروشها.. بدوؤها بقتل قادة الصف الأول في إيران (وفي مقدمتهم الإمام الشهيد السيد علي خامنئي رحمه تعالى)، وارتكاب مذبحة بحق أكثر من 150 طفلة في مدرستهم..

2. إقصاء منهجي للمعرفة “غير الغربية”: يفرض النظام المعرفي الغربي تصنيفاً هرمياً، حيث يقع الفكر الغربي في القمة، ويُوصف كل ما عداه بـ “الفكر غير الغربي” أو “الفكر ما بعد الكولونيالي”، وهو تصنيف يحمل في طياته إقصاءً وتهميشاً، كأنما هذه المعارف مجرد رد فعل وليست إنتاجاً أصيلاً. هذا التجلي واضح في أقوال ألكسيس دي توكفيل، أحد مؤسسي الفكر الليبرالي، الذي دعا في البرلمان الفرنسي إلى “الواجب الاستيطاني” في الجزائر، مبرراً القتل الجماعي والتنكيل بالسكان الأصليين كشرط للتمدن. هنا، يظهر الوجه الحقيقي: الليبرالية للمواطن الأبيض، والإبادة للآخر الملون.

3.  معرفة خادمة للهيمنة والرأسمالية والصهيونية العالمية: لم تنتج الحضارة الغربية معرفة محايدة للإنسانية، بل أنتجت معرفة وظيفية أداتية، أي أدوات معرفية تنحو للتفوق والسيطرة والتحكم بالآخر، كما حذر من ذلك مفكرون كبار مثل محمد باقر الصدر وأنور الجندي ومالك بن نبي وعبد الوهاب المسيري. حيث اختزلت فلسفاتها المادية والوضعية الإنسان إلى مجرد كائن مادي أو سلعة للبيع والاستخدام النفعي الوظيفي، وتخضع المعرفة كلها لحساب الربح والخسارة والعائد الاستثماري.

وإبستين، بجزيرته وشبكته، هو التجسيد المادي النهائي لهذه الفلسفة: حيث تحول البشر (الفتيات) إلى مجرد سلع للمتعة والتبادل الجنسي بين النخبة، في سوق رأسمالية مقيتة للمتعة الجنسية.. إنه النموذج الأقصى للعقل الغربي المنحاز الذي يستبيح كل شيء في سبيل ملذات التفوق والسيطرة. وقد راهن كثير من المثقفين العرب، بفعل الاستلاب الفكري، على هذه المنظومة المعرفية كمرجعية وحيدة لفك رموز الواقع والتقدم المستقبلي. لكن فضيحة إبستين ومواقف الازدواجية الأخلاقية تطرح سؤالاً مصيرياً: كيف نثق بمعايير أخلاقية أو معرفية تأتي من بيئة أنتجت إبستين وتوكفيل وهنتنغتون (صاحب “صراع الحضارات”)؟!.

والفضيحة تكشف ثلاثة تداعيات فكرية خطيرة:

الأولى- التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة: إذ بينما يصدّر الغرب خطاباً ملائكياً عن حقوق الإنسان، تكشف وثائق إبستين عن سوق للبشر وتواطؤ مؤسسي معه. وهذا ليس فشلاً أخلاقياً فردياً، بل نفاقاً بنيوياً في منظومة قيم تدعي الكونية.

الثانية- الفساد البنيوي المتجذر: إن إبستين لم يكن شاذاً منعزلاً، بل هو ظاهرة نظامية مركزية. وقد دلّت قدرته على اختراق أرقى الأوساط السياسية والمالية والأكاديمية الغربية والعالمية، على أن الفساد والانحراف هما القاعدة الخفية التي تدور عليها عجلة النفوذ في تلك المجتمعات، رغم شعارات الشفافية والديمقراطية.

الثالثة- خرافة الحرية والعدالة: أثبتت الوثائق كيف استُخدم نفوذ إبستين ومريديه (ممثلة بعائلة روتشيلد المالية) للتأثير على الحكومات وصنّاع القرار السياسي، كما في حالة الضغط على فرنسا لقمع النقد الفني والفكاهي الموجه لإسرائيل. وهذا يعني أن “الحرية” الغربية مشروطة بتابوات لا تُمس، أهمها حماية المشروع التلمودي الصهيوني، وأن “العدالة” قابلة للتعطيل تحت وطأة المال والنفوذ.

هذا الواقع يستدعي، أكثر من أي وقت مضى، ضرورة القطيعة الأبستمولوجية مع المركزية الفكرية الغربية. وهذا لا يعني بطبيعة الحال رفض الإنجازات العلمية أو التقنية، بل رفض الأسس الفلسفية والمنهجية المؤسِّسة المتحيزة التي تنتج معرفةً مشوهة للإنسانية، تجمع بين التطور التكنولوجي والانحطاط الأخلاقي، بين دعوى الكونية والممارسة العنصرية.

والمهمة الملحة الآن هي بناء وعي جديد ومعرفة مستقلة، تستلهم تراثنا النقدي وإسهامات المفكرين الذين حذروا من هذا الخطر، وتنطلق من خصوصيتنا الحضارية وإنسانيتنا الجامعة.. وهنا يجب العمل على:

– تفكيك الخطاب المعرفي الغربي وكشف تناقضاته وتحيزاته الخفية.

– إعادة الاعتبار للمناهج النقدية البديلة القادرة على قراءة واقعنا بعيداً عن الاستلاب.

– بناء براديغمات معرفية جديدة، تكون إنسانيتها أصيلة وشاملة، ولا تفصل بين المعرفة والأخلاق، ولا بين التقدم التقني والعدالة الاجتماعية.

إننا نعتقد أن فضيحة إبستين هي جرس إنذار مدوٍ. وهنا نحن لسنا أمام مجرد فضيحة أخلاقية عابرة، بل أمام إفلاس لنموذج معرفي بأكمله.. نحن أمام ظاهرة تمثل التضافر في المصالح والتحالف الوثيق بين النخب والمؤسسات التي تتحكّم بالعالم، وتستغلّه وتحتكر ثرواته، وتحتقر بقية البشر، ممن ليسوا في أعالي هذه التراتبية..

والسؤال الحقيقي الذي تطرحه هو: هل سنستمر في التماس المعرفة من نفق مظلم أنتج إبستين، أم سنشعل مصابيحنا الخاصة لنسلك طريقاً مختلفاً، طريق المعرفة المُتحرِّرة والضمير المُستَقِل؟.. إن الوقت ليس للحيرة، بل للقطع مع أوهام الأمس، وبناء بدائل الغد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *