قانون المقصلة.. حين يحتفل الجلاد بشرعية القتل
بقلم د.محمد الايوبي
في لحظة مشحونة بالرمزية، تزامنت مع ذكرى يوم الأرض، اختار “الكنيست الإسرائيلي” أن يمرّر واحداً من أخطر القوانين في تاريخه السياسي والقضائي: قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.
لم يكن التوقيت هامشياً، ولا السياق بريئاً، بل جاء في قلب مشهد إقليمي مضطرب، وفي ظل انشغال دولي بتداعيات الحرب المتصاعدة، ليكشف عن تحوّل عميق في بنية التفكير السياسي “الإسرائيلي”، حيث لم يعد الهدف إدارة الصراع، بل إعادة تعريفه على قاعدة الإلغاء.
هذا القانون، الذي دُفع به بقوة من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وبدعم مباشر من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لا يمكن قراءته كإجراء قانوني تقني، بل كبيان سياسي صريح، يعكس طبيعة المرحلة التي تمر بها “إسرائيل”: مرحلة الانتقال من السيطرة إلى العقاب، ومن الردع إلى الانتقام، ومن الاحتلال إلى شرعنة الإبادة القانونية.
وإذا كان هذا التحول يعكس طبيعة المرحلة، فإنه لا يأتي من فراغ، بل من بنية سياسية وأمنية يتداخل فيها الماضي بالحاضر، حيث يعود إلى الواجهة توصيف لافت أطلقه المدير الأسبق لجهاز “الشاباك” عامي أيالون، حين أكد أن “الحكومة الإسرائيلية” الحالية “يُديرها إرهابيون فعليون”. هذا التصريح لا يمكن فصله عن السياق الذي يُنتج مثل هذا القانون، إذ وصف بتسلئيل سموتريتش بأنه “إرهابي يهودي”، في إشارة إلى خلفيته الأيديولوجية المتشددة، كما أشار إلى أن إيتمار بن غفير لم يُخفِ دعمه العلني للتحريض الذي سبق اغتيال إسحاق رابين على خلفية اتفاقية أوسلو.
ضمن هذا الإطار، يصبح القانون أكثر من مجرد تشريع عقابي؛ إنه امتداد طبيعي لمسار سياسي يتولى قيادته أشخاص يحملون إرثاً أيديولوجياً قائماً على نفي الآخر، ويحوّلون هذا الإرث إلى سياسات رسمية. وهنا تتضح الصورة: حين ينتقل من كانوا يُصنَّفون في مراحل سابقة كأطراف هامشية متطرفة إلى قلب السلطة، فإن أدوات الدولة نفسها — القانون، القضاء، والمؤسسة الأمنية — تتحول إلى وسائل لتنفيذ رؤيتهم، لا لضبطها.
بهذا المعنى، فإن “شرعنة الإبادة القانونية” التي يشير إليها النص ليست مبالغة بل توصيف لمسار متكامل: تبدأ فكرته من خطاب سياسي متطرف، ثم تُترجم إلى تشريع، قبل أن تتحول إلى ممارسة على الأرض.
القانون كأداة: من العدالة إلى الانتقام
في جوهره، لا يقدّم هذا القانون أي تصور للعدالة، بل يعيد تعريفها بما يخدم منطق القوة. فحين يُمنح القضاء العسكري صلاحية إصدار أحكام بالإعدام بناءً على “دوافع قومية أو عدائية”، دون ضمانات حقيقية للمحاكمة العادلة، فإننا لا نكون أمام نظام قانوني، بل أمام منظومة عقابية موجهة سلفاً.
الأخطر من ذلك أن القانون لا يكتفي بتوسيع نطاق العقوبة، بل يُعيد هندسة العلاقة بين القاضي والسلطة التنفيذية. إذ يمنح صلاحيات واسعة للجهات الأمنية، ويقلّص من دور النيابة العامة، ويُسقط شرط الإجماع القضائي، ما يجعل الحكم بالإعدام أقرب إلى قرار سياسي منه إلى حكم قضائي.
وهنا، تتجلى الخطورة الحقيقية: حين يصبح القانون مجرد غطاء إجرائي لقرار سياسي، يفقد معناه كأداة للعدالة، ويتحول إلى أداة للضبط والسيطرة.
انتقائية القانون: عنصرية مقنّعة بلغة التشريع
لا يحتاج المرء إلى جهد كبير لاكتشاف الطبيعة التمييزية لهذا القانون. فالنص واضح في توجيهه: العقوبة تُطبق على الفلسطينيين، بينما يُستثنى “الإسرائيليون”، حتى في حالات مماثلة.
هذه الانتقائية ليست تفصيلاً، بل هي جوهر القانون. فهي تعكس رؤية ترى في الفلسطيني “خطراً وجودياً” يجب استئصاله، بينما تُعامل الجرائم “الإسرائيلية” كحالات فردية لا تستدعي تشريعاً خاصاً. بهذا المعنى، لا يمكن فصل القانون عن بنية أوسع من التمييز، حيث يُعاد إنتاج “الآخر” كتهديد دائم، وتُبرر ضده كل أشكال العنف، بما في ذلك الإعدام.
السياق السياسي: أزمة داخلية تبحث عن مخرج
يأتي هذا التشريع في لحظة سياسية معقدة تعيشها “الحكومة الإسرائيلية”. فمع تصاعد التوترات الإقليمية، وتراجع الثقة في قدرة المؤسسة الأمنية على تحقيق “نصر حاسم”، تبحث القيادة السياسية عن أدوات جديدة لإعادة فرض الهيبة.
هنا، يظهر القانون كأداة مزدوجة: من جهة، يقدّم نفسه كوسيلة للردع، ومن جهة أخرى، يخدم أجندة داخلية، خصوصاً لدى التيار اليميني المتطرف، الذي يسعى إلى تثبيت حضوره عبر خطاب متشدد.
احتفال بن غفير بعد تمرير القانون لم يكن مجرد تصرف شخصي، بل رسالة سياسية: نحن نملك القدرة على تحويل الرغبات الأيديولوجية إلى قوانين نافذة.
في هذا الإطار، لا يمكن فصل هذا القانون عن السياق الإقليمي، حيث تتجه الأنظار إلى الحرب الدائرة، فيما تستغل إسرائيل هذا الانشغال لتمرير سياسات أكثر تطرفاً. لا يبدو القانون خطوة منفصلة، بل جزءاً من “هجوم مركب” يشمل:
• السجون: عبر الإعدام والتشديد.
• الضفة الغربية: عبر تصاعد عنف المستوطنين وتحولهم إلى قوة منظمة.
• القدس: عبر التضييق على المقدسات الإسلامية والمسيحية.
• غزة: عبر سياسة التجويع.
الأرقام في غزة تعكس هذا بوضوح: من أصل 8050 شاحنة وقود كان يفترض دخولها خلال 161 يوماً، دخلت فقط 1190 شاحنة، أي بنسبة 14.7%. هذه ليست فجوة لوجستية، بل سياسة تجويع ممنهجة.
تفكيك القانون: من العدالة إلى “نظام المقصلة”
إذا ما نظرنا إلى بنود القانون، فإننا لا نجد مجرد تشديد للعقوبات، بل بنية كاملة لما يمكن تسميته “نظام المقصلة”:
• الإعدام خلال 90 يوماً: تسريع التنفيذ يعني تقليص أي فرصة للمراجعة القانونية أو الضغط الدولي.
• غياب الاستئناف: إنهاء فكرة العدالة المتدرجة، وتحويل الحكم إلى قرار نهائي مغلق.
• جلاد مجهول بحصانة كاملة: الدولة لا تكتفي بالقتل، بل تحمي القاتل قانونياً، وتُخفي هويته، وكأنها تعي ثقل الفعل الذي تقوم به.
• العزل التام: ليس فقط إعدام الجسد، بل عزل الإنسان عن العالم حتى لحظة موته، في تجريد كامل من أي بعد إنساني.
هذه البنود، مجتمعة، لا تعكس نظاماً قضائياً، بل منظومة إعدام مؤسسية، تُدار بعقلية أمنية صرفة.
حين نتحدث عن نحو 9500 أسير فلسطيني داخل السجون “الإسرائيلية”، بينهم 350 طفلاً و66 امرأة، فإننا لا نتحدث عن حالات استثنائية، بل عن ظاهرة بنيوية. الأخطر أن هذه المنظومة لا تعمل في فراغ، بل في سياق من الانتهاكات المستمرة:
• ٨٨ أسيراً استشهدوا منذ أكتوبر 2023 نتيجة الإهمال الطبي والتعذيب.
• تقديرات أخرى ترفع العدد إلى نحو 100 حالة وفاة.
• تقليص الطعام، منع الزيارات، العزل، والإهمال الطبي… كلها ليست تجاوزات، بل سياسات ممنهجة.
بهذه الأرقام، يتحول السجن من “مكان احتجاز” إلى “بيئة إهلاك بطيء”، ويأتي قانون الإعدام ليكون المرحلة الأخيرة في هذه السلسلة.
الانتقائية كقاعدة: القانون ضد فئة واحدة
الأخطر في هذا القانون ليس فقط قسوته، بل طبيعته الانتقائية. فهو لا يطبّق على الجميع، بل على فئة محددة: الفلسطينيون.
في المقابل، لا يوجد أي نص موازٍ يُحاسب “الإسرائيليين” على جرائم مماثلة، حتى في حالات قتل واضحة. هنا، يتحول القانون من أداة “عدالة” إلى أداة “تمييز”. وهذا ما يجعل الحديث عن “عنصرية القانون” ليس توصيفاً سياسياً، بل توصيفاً قانونياً دقيقاً: قانون يميّز في العقوبة بناءً على الهوية.
القانون الدولي: انتهاك صارخ أم اختبار للحدود؟
من زاوية القانون الدولي، يطرح هذا التشريع إشكاليات خطيرة. فوفق اتفاقيات جنيف، لا يجوز إعدام الأسرى، سواء كانوا مدنيين أو مقاتلين. كما أن مبدأ المحاكمة العادلة يتطلب ضمانات لا يوفرها هذا القانون.
لكن السؤال الأهم ليس قانونياً بحتاً، بل سياسي: هل يشكّل هذا القانون خرقاً غير مسبوق، أم أنه امتداد لمسار طويل من التجاوزات التي لم تُواجَه برد حقيقي؟.
في الواقع، يبدو أن إسرائيل تختبر حدود الممكن، مستفيدة من صمت دولي، أو في أحسن الأحوال، من ردود فعل لفظية لا تترجم إلى إجراءات.
الإعدام كرسالة: من الردع إلى الاستعراض
في التجارب التاريخية، غالباً ما تُستخدم عقوبة الإعدام كوسيلة للردع. لكن في الحالة “الإسرائيلية”، يبدو أن الهدف يتجاوز الردع إلى الاستعراض.
الإعدام هنا ليس فقط عقوبة، بل رسالة: رسالة إلى الفلسطينيين بأن الدولة مستعدة للذهاب إلى أقصى الحدود، ورسالة إلى الداخل “الإسرائيلي” بأن القيادة قادرة على “الحسم”، حتى لو كان ذلك على حساب القانون الدولي.
بهذا المعنى، يتحول الإعدام إلى أداة رمزية، تُستخدم لإعادة تشكيل الوعي، أكثر مما تُستخدم لتحقيق العدالة.
البعد التاريخي: من الاستثناء إلى القاعدة
منذ إعدام أدولف أيخمان في ستينيات القرن الماضي، امتنعت “إسرائيل” عن استخدام عقوبة الإعدام، رغم وجودها في القانون. هذا الامتناع لم يكن فقط لأسباب قانونية، بل كان جزءاً من صورة أرادت “إسرائيل” ترسيخها لنفسها كـ”دولة ديمقراطية”.
اليوم، يبدو أن هذه الصورة لم تعد أولوية. فمع صعود التيارات اليمينية، وتراجع الاعتبارات الدولية، لم يعد هناك حرج في تبني سياسات كانت تُعتبر في السابق “استثنائية”.
القانون الجديد، بهذا المعنى، لا يمثل فقط تغييراً في السياسة، بل تحولاً في الهوية: من “دولة” تحاول التوفيق بين القوة والقانون، إلى “دولة” تضع القوة فوق كل اعتبار.
الأسرى: الحلقة الأضعف في معادلة القوة
في قلب هذا المشهد، يقف الأسرى الفلسطينيون كأكثر الفئات هشاشة. فبين ظروف اعتقال قاسية، وانتهاكات مستمرة، يأتي هذا القانون ليضيف تهديداً وجودياً جديداً.
الأرقام التي تتحدث عن آلاف الأسرى، بينهم أطفال ونساء، ليست مجرد إحصاءات، بل تعكس واقعاً إنسانياً معقداً، حيث تتحول السجون إلى فضاء للعقاب الجماعي.
ومع غياب آليات رقابة فعالة، يصبح الخوف مضاعفاً: ليس فقط من الحكم، بل من كيفية تنفيذه.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ماذا بعد؟ هل سيتم تطبيق القانون فعلياً؟ أم سيبقى أداة ضغط سياسية؟ هل سيتحرك المجتمع الدولي؟ أم سيكتفي ببيانات الإدانة؟ هل سيؤدي القانون إلى ردع؟ أم إلى تصعيد جديد؟
الإجابة ليست سهلة، لكن المؤكد أن هذا القانون يفتح مرحلة جديدة، حيث لم يعد الصراع محصوراً في الميدان، بل انتقل إلى بنية القانون ذاته.
في نهاية المطاف، لا تكمن خطورة هذا القانون فقط في نصوصه، بل في دلالاته. فهو يعكس تحوّلاً في طريقة التفكير، حيث لم يعد القانون أداة لتنظيم الحياة، بل وسيلة لإدارة الموت.
وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يصبح السؤال أكبر من السياسة: أي مستقبل يمكن بناؤه على قاعدة كهذه؟
في هذا السياق، لا يبدو أن القانون سيحقق الأمن الذي يَعِد به. بل على العكس، قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من العنف، حيث يتحول الإعدام من نهاية لمسار، إلى بداية لمسار أكثر تعقيداً وخطورة.
إنه، ببساطة، قانون لا يُنهي الصراع، بل يعيد إنتاجه بشكل أكثر قسوة.
