اليمن رسمياً في قلب المعركة.. سند قوي لإيران ومحور المقاومة
بقلم نوال النونو
دخل اليمن رسمياً إلى ساحة المعركة في إعلان صريح عن انخراطه العسكري إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولبنان وفلسطين، في مواجهة العدوان الأمريكي الصهيوني، بعد فترة امتدت لنحو شهر أثارت تساؤلات حول توقيت المشاركة ودلالاته.
ويأتي هذا التحول من خلال سلسلة بيانات صادرة عن القوات المسلحة اليمنية، حيث أعلن في 28 مارس 2026 عن تنفيذ أول عملية عسكرية باستخدام صواريخ مجنحة وطائرات مسيّرة استهدفت مواقع في جنوبي فلسطين المحتلة، مع الإشارة إلى تزامنها مع عمليات تنفذها إيران وحزب الله، والتأكيد على تحقيق أهدافها واستمرار العمليات خلال الفترة المقبلة.
وفي بيان لاحق، أُعلنت القوات المسلحة اليمنية عن تنفيذ عملية ثانية ثم ثالثة خلال الأسبوع المنصرم، مع التأكيد على استمرار العمليات العسكرية حتى وقف العدوان على إيران وكافة الجبهات التابعة لمحور المقاومة، وبالتالي طوى اليمن كل التكهنات حول مشاركته في هذه المعركة بعد أن فضل الصمت لمدة تقارب الشهر، وبالانخراط العسكري لليمن تجسدت فعلياً وحدة الساحات، وأصبحت إيران وكل المحور في معركة واحدة ضد الطغيان الأمريكي الصهيوني.
ومنذ بداية العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، حدد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، زعيم أنصار الله، موقف اليمن بكل وضوح بالوقوف من إيران ولبنان وفلسطين والعراق، وتجسد ذلك بدعم شعبي واسع من خلال المسيرات المليونية التي خرجت في صنعاء وبقية المحافظات اليمنية دعماً وإسناداً وتضامناً مع إيران ولبنان وبقية المحور.
ثناء إيراني على اليمن
وفي موازاة الإعلان عن هذا الانخراط، برزت إشارات دعم وتقدير لافتة من الجانب الإيراني، عكست مستوى متقدماً من الرضا عن الدور اليمني وتوقيته، فقد ثمّن المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء مواقف صنعاء وعملياتها العسكرية، معتبراً أنها تمثل حضوراً فاعلاً في مواجهة ما وصفه بالعدوان، ومشيداً بصمود القيادة والشعب اليمني.
وقال المقدم إبراهيم ذو الفقاري في بيان متلفز، مساء الأربعاء الماضي: “نشكر اليمن وقائدَها الحكيمَ الثابت السيد عبد الملك الحوثي وقواتها المسلحة”، كما أشاد بصمود وتضحيات الشعب اليمني وشجاعته في مواجهة العدوان الأمريكي الصهيوني، قائلاً: “نشكر قادةَ ومجاهدي الجيش اليمني البطل والشعب اليمني الشجاع والمضحي على صمودهم في مواجهة أمريكا وكيان العدو الصهيوني وحضورهم القوي في جبهة الحق”.
وفي السياق نفسه، قدّم قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، قراءة أكثر اتساعاً للدور اليمني، إذ اعتبر أن ما يقوم به اليمن يشكل امتداداً لما وصفه بـ “ملحمة جبهة المقاومة”، مشيراً إلى أن التحرك اليمني جاء في “الوقت المناسب” وبناءً على تقدير دقيق للمشهد، كما ربط قاآني بين هذا الدور وبين تحولات أوسع في موازين القوى، معتبراً أن الحضور اليمني يعكس فهماً لطبيعة المرحلة ويسهم في إعادة تشكيل معادلات المواجهة في المنطقة.
وأشار اللواء قاآني في سياق تقييمه للتحركات العسكرية البحرية إلى أنّه “بالنسبة لأولئك الذين يتساءلون عن مصير حاملة الطائرات الأمريكية المتطورة (جيرالد فورد)، التي ظلت لأكثر من أسبوعين تدور في حالة من التخبط والتردد بين ينبع وجدة، حتى اختلقوا في النهاية روايات مختلفة كذريعة لعودتها؛ عليهم أن يبحثوا عن سر هذا التخبط والاندحار في جبال اليمن الشاهقة وأرضها المباركة”، في إشارة إلى الدور الكبير لليمن في استهداف الحاملة فورد، والتي زعمت واشنطن أنها احترقت نتيجة خلل فني، واتجهت بعد ذلك إلى اليونان للصيانة.
وتؤكد تصريحات قاآني والمتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء أن إيران تراكم تقييماً دقيقاً للقدرات اليمنية على الصعيد العسكري، والتي تشكل عنصراً فاعلاً في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، وليست مجرد عمليات هامشية، ما يعني أن إيران تنظر إلى اليمن باعتباره ورقة رابحة ضمن محور المقاومة، ودوره سيكون حاسماً في توجيه الضربات الاستراتيجية للأعداء وفي الوقت المناسب، ولا سيما مع دخول حاملات الطائرات الأمريكية والقطع الحربية إلى البحر الأحمر، فالقوات المسلحة اليمنية ستكون لها بالمرصاد، وقد أثبتت الأحداث فعاليتها، وإذا صدقت التوقعات بأن اليمن يقف وراء استهداف الحاملة فورد، فهذا عمل بطولي واستراتيجي له ثمن كبير لدى إيران.
أما بالنسبة لتوقيت الدخول إلى المعركة، فهذا يشير أولاً إلى أن اليمن لديه كامل الحرية في اتخاذ قراره، وأن إيران لا تفرض أوامرها على حلفائها، ويعني ذلك أن ما يحدث بين إيران ومحور المقاومة هو تناغم وانسجام وتوافق في الرؤى، وليس مجرد تابع ومتبوع، إضافة إلى أن اختيار التوقيت كان مناسباً جداً، وهذا ما وضحتّه صحيفة “يديعوت أحرنوت” العبرية، حيث اعتبرت أن انخراط اليمن عسكرياً جاء استباقاً لأي تحرك بري أمريكي ضد إيران، وأن القطع الحربية الأمريكية ستكون في دائرة الاستهداف بمجرد عبورها من البحر الأحمر، إضافة إلى امتلاك إيران ورقة جديدة تتمثل في إغلاق مضيق باب المندب على خطى مضيق هرمز، وهذا سيضاعف كلفة الحصار على الدول المشاركة في العدوان على إيران، ويرفع أسعار الطاقة إلى مستويات خيالية.
ويعكس الانخراط العسكري المباشر لليمن في المعركة تنسيقاً دقيقاً مع إيران وحزب الله وبقية المحور، وهذه المشاركة المتدرجة أرسلت إشارات قوية للعدو الأمريكي والصهيوني مفادها أن استمرار التصعيد سيواجه برد مباشر ومدروس، قائم على تطورات الميدان، كما يكشف أن إيران تنظر إلى اليمن كشريك استراتيجي وليس مجرد حليف عادي، وهذا يعزز من مكانة اليمن ضمن محور المقاومة.
وبناءً على ذلك، فإن الموقف اليمني أصبح واضحاً لا لبس فيه، فهو مستمر في العمليات العسكرية حتى وقف العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران ولبنان، وإذا ما استمر التصعيد وتطورت مجريات المعركة، فقد يدخل اليمن أسلحة وتكتيكات جديدة، من أبرزها إغلاق مضيق باب المندب، واستهداف القواعد الأمريكية في القرن الإفريقي، وصولاً إلى توسيع المعركة إلى العمق السعودي وخصوصاً إذا ما شاركت الرياض في المعركة جنباً إلى جنب مع أمريكا والكيان الصهيوني، وقد يكون لليمن قول آخر ستكشفه الأيام القادمة.
